المرأة المجددة (2)

منذ 2014-04-11

المرأة في الإسلام تجربة تاريخية جديدة،أولا: المرأة في القرآن الكريم

المرأة في الإسلام تجربة تاريخية جديدة

توطئة:
في المقالِ السابق وصفْنا المرأة -قديمًا وحديثًا، عربًا وعجمًا- بإجمال شديد، وتعرَّفْنا بإجْمال عليها في مختلف العصور، وعلِمْنا وضعَها في العصْر الجاهلي، وفي العصر الحديث على ثلاثة مستويات: المستوى الأول: حينما تبتعد المرأة عن الفِكر التحرُّري كيف تكون هي، وكيف تكون نظرةُ الرجل لها، وتعامله معها.

 ثم مستوى ثانٍ: وهو المرأةُ المسلِمة في ظلِّ الفِكر التحرُّري، وأهم ما جنَاه عليها هذا الفِكْرُ مِن ظلم لحقوقها، وتشويه لعقيدتها.

 ثم المستوى الثالث: مثَّلْنا به المرأة الغربية، وكيف رَفعت مِن جديد مؤخَّرًا شِعارَ العودة للبيت والأسرة المستقرَّة.

وفي الحقيقةِ أنَّ الغرْب حينما يبحثون قضيةَ تحرير المرأة في مجتمعاتهم،فلرُبَّما هم -فعلاً- يبحثون عن الحقيقة، ويَسيرون نحوَ المساواة والعَدْل؛ لأنَّ عُرْفهم ومنهجهم المحرَّف أدْنى من المستوى البشري المعقول، وكلَّما انحرَفوا واستخْدَموا عقولَهم كان أفْضل لهم، فهم بلا شكٍّ في بحْثهم، وإنْ تخبَّطوا، لكنَّهم في عدول عن الباطل، لكنَّ المسلمين حين ينتهجون منهجَ الغرب ويتبعونه حذوَ القُذَّة بالقُذَّة، فإنَّهم يبتعدون كثيرًا عن الحقيقة؛ لأنَّهم ببساطة يبتعدون عن منهجِهم الربَّاني القويم.


المرأة في ظل الإسلام (المرأة المجدِّدة والمجدودة):


في هذا الجزء سننسب المرأة لعقيدةٍ ربَّانية تقْبَل جميع الجنسيات، وتتسع لتصهرَ جميع الفجوات، والفُروقات الاجتماعيَّة، والطبقية والجنسية، قد ارْتضى تلك العقيدةَ كلُّ مَن نطق بالشهادتين، وعلِم أن له ربًّا مقدِّرًا لهذا الكون، قد أحْكم تقديرَه، وعلِم بتفاصيل أموره؛ إنَّها المرأة في ظلِّ الإسلام.

التعريف اللُّغوي للمرأة المجدِّدة والمجدودة:

(المرأة المجدودة) مِن الجَدُّ وهو الحظُّ والرزق، وفي الدعاء في صحيح البخاري: «لا مانعَ لِمَا أَعطيتَ، ولا معطيَ لِمَا منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ» ؛ أَي: لا ينفع ذا الغنى منك غِناه، ورجل جُد -بضم الجيم- أي: مجدود عظيم الجَدّ، قال سيبويه: والجمْع جُدُّون ولا يُكَسَّرُ، وكذلك جُد وجُدِّيّ، ومَجْدُودٌ وجَديدٌ.

ويأتي الجَدُّ بمعنى العَظَمَةُ، وفي التنزيل العزيز: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} [الجن: من الآية3]؛ قيل: (جَدُّه) عظمته، وقيل: غِناه، وقال مجاهد: {جَدُّ ربِّنا} جلالُ ربِّنا، وفي حديث أَنس -رضي الله عنه-: "أَنَّه كان الرجل منَّا إِذا حفِظ البقرة وآل عمران جَدَّ فينا"؛ أي: عظُم في أعْيُننا، وجلَّ قدرُه فينا، وصار ذا جَدّ؛ "لسان العرب".


(والمرأة المجدِّدة) مِن: "جَدَّ الشيءُ يَجِدُّ -بالكسر- جِدَّةً: صار جديدًا، وهو نقيض الخلق"؛ الصحاح، ومنها قولنا: جدَّد، ويُجدِّد، ومُجدِّد.

التعريف الاصطلاحي: مِن هنا قصدت بالمرأة المجدِّدة التي استطاعتْ تغييرَ تاريخ المرأة بوجه عام، منذ الكاملات الأُوليات، كمريم ابنة عمران، وآسيا بنت مزاحم -رضي الله عنهما- ثمَّ الصحابيات رضي الله عنهنَّبامتثالهنَّ لأوامر ربهنَّ، وهي أيضًا مجدودةٌ، عظيمة الحظِّ والرِّزق؛ إذ وفَّقها الله عزَّ وجلَّ لهذه المهمَّة العظيمة، ولهذه الطاعة القويمة، وهي مجدودةٌ في أعيننا، عظيمة القَدْر والشَّرَف.

ونتعرَّف عليهنَّ مِن خلال معرفة المرأة في القرآن الكريم، ومكانتها ووزنها، ثم في السُّنَّة المطهَّرة، نظريًّا ثم عمليًّا.

وعن مكانة المرأة في القرآن نتحدَّث مِن خلال نقطتين تهمَّانِنا في البحْث، هما:

النقطة الأولى: اعتبار القرآن الكريم لعقليةِ المرأة وعواطفها.

النقطة الثانية: توكيله مَن يرْعاها، ويَحْمي شؤونها؛ حرصًا عليها، هو حظٌّ اختُصَّتْ به المسلِمات.

ثم نتحدَّث عن مكانةِ المرأة في السُّنة النبوية من السُّنة القولية -الناحية النظرية- ونُرْجِئ الجانب العملي حين الحديث عن الصحابيات رضي الله عنهنَّ إنْ شاء الله تعالى.

أولًا: مكانة المرأة في القرآن الكريم:

النقطة الأولى: اعتبار القرآن الكريم لعقلية المرأة وعواطفها:


(أ) الاهتمام بعقلية المرأة، ومنْحها اعتبارها، واحترامُ فِكْرها، وتقديرُ عقيدتها:

لقد وصَف الله عزَّ وجلَّ في آي القرآن الكريم هذه الأحكامَ الراقية، وذلك العهد الجديد في التعامُل مع المرأة في غيْر موضِع من القرآن، بآيات تلامِسُ القلْب الكسير؛ لتُرَبِّتَ عليه، وتشجي النظرَ الحسير لواقِع أمَّة الإسلام اليوم، فتمهله الصَّبرَ والسلوان على كلِّ مغتَرٍّ بِجَهْجاهِ الحضارات الغريبة البئيسة، مُعرِضًا عن ميزان العدل والحق.

فالإسلام لم يفاضلْ بيْن عقْل الرجل والمرأة إلاَّ بتقوى الله عزَّ وجلَّ وبتمييزه لوَحْدانية الله، وولائه له وبُغْضه من يُحادُّونه، ولم يُفضِّل عقلاً اختار الكفر على الإيمان؛ لأنَّه عقل رجل، وفي الوقت نفسه نجده رفَع قدْرَ عقْل المرأة إلى مرْتبة الاصطفاء والتطهير لَمَّا اختارتْ سواءَ السبيل والطريق القويم، وأيُّ احترام وإجلال بعدَ هذا؟!

فالنِّساء رغمَ ما فيهنَّ من نُقْصان للعقل، لكن بيَّن رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم السببَ العام لهذا النقْص، وهو ما يطرأ على المرأة مِن نسيان أو سهو، ففي الحديث قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيما رواه البخاري في صحيحه: «ما رأيتُ مِن ناقصات عقْل ودِين أذهبَ للُبِّ الرجل الحازم مِن إحداكنَّ» ، قُلْنَ: وما نقصان دِيننا وعقلنا يا رسولَ الله؟ قال: «أليس شهادةُ المرأة مثلَ نصف شهادة الرجل؟» ، قُلْن: بلى، قال: «فذلك مِن نقصان عقلها، أليس إذَا حاضتْ لم تصلِّ ولَم تصُم؟» ، قلْنَ: بلى، قال: «فذلك مِن نقصان دِينها».


يقول الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى: بَيَّن صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ نقصان عقلها من جِهة ضعْف حِفْظها، وأنَّ شهادتها تُجْبَر بشهادة امرأةٍ أخرى؛ وذلك لضبط الشهادة، بسبب أنها قد تنسى، فتَزيد في الشهادة أو تنقصها؛ كما قال سبحانه: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [البقرة: من الآية282].

نَعمْ، جِنس الرجال أفضلُ مِن جنس النِّساء في الجُمْلة؛ لأسباب كثيرة، كما قال الله سبحانه وتعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: من الآية34]، لكن قد تفوقه في بعضِ الأحيان في أشياءَ كثيرة، فكم لِلَّهِ مِن امرأة فوقَ كثير من الرِّجال في عقلها ودِينها وضبطها! وإنَّما ورد عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ جِنْس النساء دون جنس الرِّجال في العقل وفي الدِّين من هاتين الحيثيتَيْن اللَّتَيْن بيَّنَهما النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

وقد تكثُر منها الأعمالُ الصالحات، فتربو على كثيرٍ من الرِّجال في عملِها الصالِح، وفي تقواها لله عزَّ وجلَّ وفي منْزِلتها في الآخرة، وقد تكون لها عنايةٌ ببعض الأمور، فتضبط ضبطًا كثيرًا أكثر من ضبطِ بعض الرِّجال في كثيرٍ من المسائل التي تُعْنَى بها، وتجتهد في حِفْظها وضبطها، فتكون مرجعًا في التاريخ الإسلامي، وفي أمور كثيرة، وهذا واضحٌ لِمَن تأمَّل أحوال النساء في عهْد النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وبعْدَ ذلك.

وبهذا يُعلَم أنَّ هذا النقصَ لا يمنع مِن الاعتماد عليها في الرِّواية، وهكذا في الشهادة إذا انْجبَرتْ بامرأة أخرى، ولا يمنع أيضًا تقواها لله، وكونَها مِن خِيرة عباد الله، ومِن خِيرة إماء الله إذا استقامتْ في دِينها، وإنْ سقَط عنها الصوم في الحيْض والنِّفاس أداءً لا قضاءً، وإن سقطَتْ عنها الصلاةُ أداءً وقضاءً، فإنَّ هذا لا يلزم منه نقصها في كلِّ شيء من جِهة تقواها لله، ومِن جهة قيامها بأمْره، ومِن جهة ضبطها لِمَا تعْتني به من الأمور، فهو نقصٌ خاص في العقل والدِّين كما بَيَّنه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

فلا ينبغي للمؤمن أن يرميَها بالنقص في كلِّ شيء، وضعْف الدِّين في كلِّ شيء، وإنما ضعْف خاص بدِينها، وضعْف في عقلها فيما يتعلَّق بضبْط الشهادة ونحو ذلك، فينبغي إنصافُها، وحمْل كلام النبي صلَّى الله عليه وسلَّم على خيْر المحامِل وأحسنها، والله تعالى أعلم"؛ ا.هـ.

الشيخ عبدالعزيز بن باز مجلة البحوث الإسلامية (29/100- 102).
وكما يقال:
وَلَوْ كَانَ النِّسَاءُ كَمَنْ فَقَدْنَا *** لَفُضِّلَتِ النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ
وَمَا التَّأْنِيثُ لِاسْمِ الشَّمْسِ عَيْبٌ *** وَلاَ التَّذْكِيرُ فَخْرٌ لِلْهِلاَلِ

نماذج قرآنية مِن تقدير عقل المرأة:

من نماذج المرأة في القُرآن مريم ابنة عمران عليها السلام مربِّية الأنبياء، الناسِكة الزاهِدة، العفيفة الطاهرة، علَتْ مكانتها حتى فاقتْ أحْبار عصرها بإخلاصها واستسلامها لله، وحتَّى اصطفاها ربُّها وطهَّرها، ثم اصطفاها ثانيةً على نِساء العالمين.

آياتٌ خالِدة في البتول تُدلِّل على اعتبارات أساسية لعقلية المرأة ومكانتها في القرآن الكريم، ودوْرها الأساسي في تربية أبْناء مجتمعها، وتغييره والتأثير فيه، حتى جُعِلت مريم عليها السلام آيةً للمؤمنين، وفِتنةً للكافرين، فكان حمْلُها وولادتها لعيسى عليه وعلى نبيِّنا الصلاة والسلام فَيْصلاً بيْن الظلمات والنور واختبارًا، ثَبتتْ به أقدام، وزلَّت منه أخرى، يقول تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: الآيتان 27 - 28].

فمنَح الله عزَّ وجلَّ لتلك المرأةِ هذه الثِّقةَ في خوْض مثل هذه المعجِزة الإلهية، وحَمْل هذا الابتلاء الشديد وحْدَها حين حمَلَتْ بولدها، ولم تدرِ ماذا تقول للناس، وهي الطاهِرة المُبَرَّأَة، الناسِكة المتبتِّلة، لا تَخْشى ممَّا يخشاه الأراذل مِن النساء.

ففي تفسير الطبري: "قال ابنُ زيد: لَمَّا قال عيسى لمريم: "لا تَحْزَنِي" ، قالت: "وكيف لا أحْزَن وأنت معي، لا ذات زَوْج ولا مملوكة، أي شيء عُذْري عند الناس؟"  {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مريم: من الآية 23]" تفسير الطبري، سورة مريم.

ويقول ابن عبَّاس رضي الله عنهما: "فيه دليلٌ على جواز تمنِّي الموت عندَ الفِتنة، فإنَّها عرَفت أنها ستُبْتلى وتُمتحن بهذا المولود الذي لا يحمِل الناسُ أمرَها فيه على السداد، ولا يُصدِّقونها في خَبَرها، وبعدما كانتْ عندهم عابدةً ناسكة، تصبح عندهم -فيما يظنُّون- عاهرةً زانية، فقالت: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا} ؛ أي: قبل هذا الحال، {وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} ؛ أي: لم أُخْلَق ولَم أكُ شيئًا؛ قاله ابن عباس"؛ "تفسير بن كثير".

لكنَّه شتَّانَ شتَّانَ بينهنَّ وبينها، فمع تمام الغَفْلة والعِفَّة والحياء في هذا الموقِف يكون تمامُ الابتلاء، ومع تمام الابتلاء تتَّضِح درجات المؤمنين، فيا لها مِن ثِقةٍ توضِّح لنا ميزانَ مريم عليها السلام ووزن عقلها عندَ ربِّ السماء! ذاك العقل الذي بثباته كان يَعني حينَها ثباتَ قوم، وبزَلَلِه كان يَعْني إخفاقًا لامتحانهم، ومِن ثَم لهدايتهم وإيمانهم.
وهذا دليلٌ على المعاملة المبكِّرة الراقية للمرأة في الإسلام على مختلف العصور.
ثم جاءتِ الآيات الكريمات في سورة آل عمران؛ لتزكِّيَ هذا الفِكْر الكامل، وتلك العقيدة الصافية، المتفجِّرة من هذه المرأة حين يقول الله عزَّ وجلَّ فيها: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: الآيتان 42 - 43].

يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: "هذا إخبارٌ مِن الله تعالى بما خاطبَتْ به الملائكةُ مريم عليها السلام عن أمْر الله لهم بذلك، أنَّ الله قد اصطفاها؛ أي: اختارها لكَثْرة عبادتها وزهادتها، وشرَّفها وطهَّرها من الأكدار والوسواس، واصطفاها ثانيًا مرَّة بعدَ مرَّة؛ لجلالتها على نِساء العالمين".

وهنا يتَّضح البَوْنُ الشاسِع بيْن رواية القرآن الكريم في مخاطبة الملائكة لهذه المرأةِ مِن بني إسرائيل عليها السلام وذلك لما أخْلصتْ عبادتها لله عزَّ وجلَّ في هذه الحِقبة من الزمان، وبيْن مَنِ اعتقد مِن بني إسرائيل أنفسهم أنَّ المرأة كائنٌ نجِس، يُنجِّس كلَّ ما حوْلَه، وجسد بلا رُوح!

ففي الأوَّل انصهرتِ الفوارق المزعومة بيْن ذكر أو أنثى، ولم يميِّزها في إسلامِنا إلا التقوى.

ومِن تلك النماذج النِّسائية في القرآن: المجاهِدة الصابرة آسيا بنت مُزاحِم رضي الله عنها المجدِّدة لصفحات التاريخ المِصري، والمكافحة ضدَّ أكبر طاغية في العالَم، وقد وقفتْ أمام جبروته وعِناده، وتحدَّتْ أهواءَه وشهواتِه، فكسرت حاجزَ القداسة الزوجية التي يشْرئِب لها مُضطهدوا المرأة؛ لتثبَ أنَّ هذه القَداسة محاطةٌ بقوانين، ولها حدودٌ، وأنَّ العلاقة بيْن الزوجين ليس معناها محوَ طَرَفٍ للآخَر، أو طغيانه على عقيدته وفِكْره السليم، بل إنَّه لو خالَف مرادُه مرادَ الله، وجَبَ رفْض ذلك بلا شك، فلا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالِق.

فالقرآن يتعامَل مع القلوب بالعدْل والمساواة، ولا فَضْل بيْن قلبَيْن إلا بالتقوى، فمناهضتها لفِرعون (الرجل) يُوضِّح مدى اعتبار الشَّرْع لعقلية المرأة، واحترامه لفِكرها وعقيدتها، حين تكون في جانبِ الحق، حتى ولو كان زوجُها أكبرَ الملوك هيبةً لشَعْبه، وأعْتى الجبابرة بأسًا وسلطانًا.

وحين يَذكُرها ربُّ العِزَّة، ويُنزل فيها قرآنًا بعدَ قرون لَحِقتْها، فإنَّ ذلك يوضِّح اعترافَ الإسلام بالمرأة صاحِبة الفِكر والمبادئ والقِيَم، واعتزازه الدائم بها وبكلِّ مَن تضرب طريقها، وتسير على نهْجها، وليس فقط كما يزعمون أنَّ المرأة المسلِمة ممحاة الشخصية أمامَ زوجها أيَّما كان وكيفَما كان، كلاَّ، فمِيزان الشَّرْع هو ميزانُ هذه الأمَّة، مهما اختلف الجنْس.

ومن تلك النماذج: الحَصَان الرَّزَان، الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق، المُبرَّأة مِن فوق سبع سماوات؛ عائشة رضي الله عنها والتبرِئة هنا هي تبرئةُ الفِكر والعقل الطاهر مِن تشوُّهات النفس، ووسوسات الباطِل قبل أن يكون تبرئةً للجسَد، وعِرْض المرأة غالٍ عندَ ربِّ الأرْض والسَّماء، حتى تنزلَ فيه آيات بيِّنات، تُتلى إلى يوم القيامة؛ ليكونَ الذِّكْرُ تذكيرًا لإنصافها بأسلوب يهزُّ كيان الأشدَّاء، ويفْضح المنافقين، ويرْدع السُّفهاء.

وللعلماء آراءٌ في حُكْم مَن يسبُّ الصحابة ما بيْن تكفيره وتفسيقه، على دَرَكات من عمله، إلاَّ في حقِّ عائشة رضي الله عنها حيث أُنْزِلَ فيها قرآنٌ، مَن جحَد آيةً منه فقد كَفَر.

وهذه هاجَرُ عليها السلام في رُجْحان عقلها وثَبات جأْشها، وامتثالها لأوامر ربِّ السماء، حتى لتقرأ أفكارَ زوجها قبْل أن ينطقَ بها قائلةً له: "آلله أمرَك بهذا؟"، وبصبر تلك المرأة وقوَّة تَوكُّلِها على الله عزَّ وجلَّ واحتسابها، تَفجَّرتْ ينابيعُ الخير في صحراءَ قاحلة، لا إنسَ فيها ولا خبر؛ لينسلَّ من هذه الأُمِّ أُمَّة بأَسْرها، ولتكون الأرْض المقدَّسة التي يَفدُ إليها ملايينُ البشر على مدار الأزمان، يضاعف فيها الأَجْر ويفرض بها أحد أرْكان الإسلام، وليخلد ذِكْر هاجَر العاقلة الحمول، كلَّما سعَى ساعٍ بيْن الصفا والمروة، أو طعم مِن ماء زمْزم.

إنَّ إسناد مثل هذه المهمَّة المحورية لامرأةٍ دون وصْلها بأيِّ مساعد أو كفيل، وجَعْلها العائلَ الرئيسي لطفلٍ رَضيعٍ، بعد أن تركَها زوجُها وحيدةً، يجعلنا نعِي بجلاء مدَى ثقة الإسلام في عقليةِ المرأة، وفي قُدراتها وإمكانياتها، وفي فِكرها الناضِج الذي تفاعل مع الأَزْمة بصورةٍ عمليَّة واقعية، ولَم يكن مجرَّدَ شذرات أقلام على ورق بالٍ، أو صرَخات عاطفية خدَّاعة.

إنَّ عقلَها لَم يُرجِّح العاجلةَ على الآجِلة، ولم يؤثرِ الذاتَ على الغَيْر، إنَّه أنموذج لعقلية وافِرة بالعطاء والتضحية، واليقين بالله والاتِّزان، والصبر والتوكُّل، قلَّما تجده في عالَم الرِّجال.

تلك كانت نماذِج تُدلِّل على اهتمام القرآن الكريم بعقليةِ المرأة، وهي نماذجُ جديدة حقًّا على البشرية، حُقَّ لنا أن نفتخِرَ بها، لكن لم يقتصرِ الأمر على ذلك فالإنسان جسَدٌ ورُوح، عقلٌ وعاطفة.

وللحديث بقية إن شاء الله

رحاب حسّان

  • 0
  • 0
  • 1,878

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً