نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

الاهتمام بأمر المسلمين

منذ 2014-04-18

المسلم يشعر بارتباطه بإخوانه المسلمين في كل مكان، فيتألم لآلامهم، ويفرح لأفراحهم، ويبذل ما يستطيع لتفريج كُرُباتهم، وأقل أحواله أنه لا يغفل عن الدعاء لإخوانه بظهر الغيب.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وسيد ولد آدم أجمعين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن رابطة الدين هي أعظم وأقوى الروابط على الإطلاق، فهي أقوى من رابطة النسب التي تنفك بمجرد النفخ في الصور: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [ المؤمنون:101].

وهي كذلك أقوى من رابطة الجوار التي تنفك بالموت، وأقوى من رابطة المصالح التي تنقطع باختلاف المصالح، حتى إن الأخ قد يقتل أخاه إذا تعارضت المصالح، وما خبر ابْنَيْ آدم منا ببعيد.

أما رابطة الدِّين فإنها لا تنفك أبدًا: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات من الآية:10].

إن هذه الرابطة لا يقطعها ما يقطع بقية الروابط، فهي مستمرة حتى في يوم القيامة: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف:67]، وإذا دخل المؤمنون الجنة، فقد أخبر الله عنهم بقوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر:47].

ومِن حقوق هذه الرابطة الإيمانية: أنْ يهتم المسلم بشأن إخوانه المسلمين، وإنِ اختلفت الأوطان، وتعدَّدت اللغات، وتباعدت الأجساد، هذا الاهتمام الذي يدفع العبد للعمل من أجلهم، لنفعهم، لنصرتهم، لنجدتهم، لرفع الضيم والظلم عنهم.

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مثل المؤمنين في توادِّهم وتعاطُفهم وتراحمهم؛ مَثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ، تَدَاعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى» (رواه مسلم [2586])، ويقول صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (رواه البخاري [481]، ومسلم [2585]).

وقد كان اهتمامه صلى الله عليه وسلم بالمسلمين متجليًّا في كل حياته، فحين أتاه قوم من مضر عليهم علامات الفقر، فَهُمْ حفاة الأقدام مُمَزَّقوا الثياب ليس لديهم من حطام الدنيا شيء؛ تغيَّر وجهه، وجعل يدخل ويخرج مهمومًا حزينًا، ثم صعد المنبر، فحرض المؤمنين على الصدقة لكفاية هؤلاء الفقراء، فقال: «تصدق رجل من درهمه، من ديناره، من صاع بُرِّه، من صاع تمره، ولو بشق تمرة»، فجاء رجل بصُرَّةٍ تعجز عنها يده، وتتابع الناس، عندئذٍ تهلَّل وجهه، وعاد إليه إشراقه وتبسُّمه (رواه مسلم [1017]).

كما مكث شهرًا يدعو للمستضعفين من المسلمين الذين يعانون إيذاء المشركين واضطهادهم، وكان يقول في دعائه: «اللهم أنجِ الوليد بن الوليد وعياش بن ربيعة وسلمة بن هشام، اللهم أنجِ المستضعفين من المسلمين» (رواه البخاري [6200]، ومسلم [675]).

وبلغ من اهتمامه بأمر المسلمين أنه كان يتحمل عمن مات منهم دَيْنَه حين وسَّع الله عليه، فكان يقول: «أنا أَوْلَى بالمسلمين من أنفسهم، فمَن مات وعليه دَين؛ فعلينا قضاؤه، ومَن تَرَكَ مالًا فلورثته» (رواه البخاري [2298]).

وكان يعود المرضى، ويدعو لهم، ويشهد جنازة مَن مات، ويهتم بشأن اليتامى والأرامل، بل كان يهتم بشأن الأفراد من أُمَّته.

أتاه سلمان الفارسي رضي الله عنه يخبره أن أهله كاتَبُوه على غَرْس نخل، وعلى ذَهَبٍ يدفعه إليهم، خاطَبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين في شأنه، وقال: «إن أخاكم قد كاتَبَ يهود على مالٍ وعلى غرس»، فقام المسلمون يتبادرون حتى دَفَعُوا ذلك كله عن سلمان، وبقي منه وزن نواة أو نواتين من الذهب، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان، وأمره أنْ يتجر، وشارك معه بيده في غرس النخل، فغرس رسول الله صلى الله عليه وسلم عددًا من النخل الذي ألزم أهلُ سلمان وأولياؤه سلمانَ بغرسه (انظر: صحيح دلائل النبوة للوادعي [214]).

وحين علم بوفاة المرأة السوداء التي كانت تَقُمّ المسجد ولم يخبره الصحابة ليشاركهم دفنها والصلاة عليها عاتَبَهم وذهب إلى قبرها، فصلى عليها ودعا لها.

وعلى نهجه سار أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، فكانوا كالجسد الواحد لا يطمع فيهم عدوهم، ولا تغيب أخبار المسلمين عنهم، حتى إن رجلًا كعمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو خليفة للمسلمين يقول: "والله لو عثرت بغلة بالعراق لخشيت أن يسألني الله عنها: لِمَ لَمْ تسوِ لها الطريق؟".

وقبل وفاته بأيام قلائل يقول : "لئن أبقاني الله لأعملن رأيًا للمسلمين لا تحتاج فيه بعدي أَيِّمٌ -وهي المرأة التي لا زوج لها- إلى رجل". لكنه مات قبل أن يتم ما عزم عليه.

أما صلاح الدين فكان اهتمامه بأمر المسلمين عجيبًا، يدل على إيمانه واستشعاره هذه الرابطة، حتى إنه لما عُوتِبَ لأنه لا يضحك قال: "كيف أضحك والقدس أسير؟"، فكان يحمل هَمَّ القدس، وكونها تحت الاحتلال الصليبي، ونتيجة حمله هذا الهَمّ أَعَدَّ العُدَّة، وأخذ بالأسباب حتى كان اليوم الموعود الذي أراد الله أن يكون تطهير بيت المقدس على يدي مَنْ حَمَلَ هَمَّه.

والمقصود -يا أيها الحبيب- أن المسلم يشعر بارتباطه بإخوانه المسلمين في كل مكان، فيتألم لآلامهم، ويفرح لأفراحهم، ويبذل ما يستطيع لتفريج كُرُباتهم، وأقل أحواله أنه لا يغفل عن الدعاء لإخوانه بظهر الغيب، فهل أنت كذلك؟ هل تهتم بأمور المسلمين؟ هل تتذكرهم بدعواتك؟ هل تحمل هَمَّ أُمَّتِك؟

  • 1
  • 2
  • 6,619
i