نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

كيف أتوب - فاتحة التوبة

منذ 2014-04-30

أخي التائب.. ابدأ بتحقيق التوبة النصوح.. ابدأ بأن تتوب الى الله توبة نصوحا.. وقد قال إبن القيّم: في التحقيق أن التوبة تستلزم ترك المناهي.. والإقبال على العمل بالأوامر.. فمن ترك المناهي.. ولم يعمل بالأوامر.. لم تقبل توبته.. وليس بتائب.. قال تعالى: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدّل الله سيئاتهم حسنات} [الفرقان:70].

لا بد أن تعلم أن أول الطريق.. أن تقف مع نفسك وقفة.. بل وقفات.. بأن يعزم على تأديبها.. وتأديب النفس أنما يكون بسبعة أمور:
 

أولا-الوعظ والتذكير:
ألزم قلبك العزم على تأديب نفسك.. والمواظبة على توفيقها.. والإلحاح على معاتبتها.. والدوام على موعظتها وتذكيرها.. كرر على نفسك الخطر الذي هي عليه.. وانها لا بد من المصير الى مولاها.. وأنها ستموت حتما.. وقد يكون الآن..
فالسبيل الأول للتوبة هو الوقوف مع النفس.. وقفة حقيقية.. مع الوعظ والتذكير.. وحضور مجالس العلم..

ثانيا- عزل النفس عن مواطن المعصية:
قال صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (صحيح الجامع).
وقال صلى الله عليه وسلم: «وأمّا جليس السوء كنافخ الكير إمّا أن يحرق ثيابك وإمّا أن تجد منه ريحا خبيثة» (أخرجه البخاري (5534) كتب الذبائح والصيد، ومسلم (2628) كتاب البر والصلة).
وقال علي ابن أبي طالب: "لا تصحب الفاجر فإنه يزيّن لك فعله ويود لو أنك مثله".
وقال بعض السلف: "إيّاك ومجالسة الأشرار، فإن طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري".
  وليس إعداء الجليس جليسه بمقاله وفعله فقط.. بل بالنظر إليه.. فالنظر إلى الصور يورث في النفوس أخلاقا مناسبة لخلق المنظور إليه..
إنّ أول ما يبدأ من التوبة.. اخي التائب أن تتخلص من رفقاء السوء فتستبدلهم بصحبة صالحة.. ثم بعد ذلك لابد من تغيير المكان الذي كنت تعصي الله فيه..

  نعم.. إنّك ينبغي أن تنتبه لهذا.. لأن قضية تغيير الرفقة من الأهمية بمكان.. فأصحاب السوء لا يتركونك.. ومن ورائهم الشيطان.. لا يريد أن يفلتك.. واسمع لقوله سبحانه وتعالى: {ألم تر أنّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزّهم أزّار} [مريم: 83].. فالشياطين تؤز العصاة أزّا.. تدفعهم دفعا.. تسوقهم سوقا.. تقودهم قودا.. تيسر لهم..
  أيها الأحبة في الله .. نعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. إنّ الشيطان لن يدعك تتوب.. سيجاهدك وسيقف لك بالمرصاد.. وسيستعمل كل أسلحته.. من معارفك وأصدقائك..
 

ثالثا- إدمان معاتبة النفس وتخويفها:
النفس إخوتاه تركن الى اللذيذ والهين.. فعلمها التحليق.. تكره الاسفاف.. علمها العز.. تأنف من الذل.. عرّفها الرب.. تستوحش من الخلق... نفسك هي دابتك التي تحملك الى الله.. عرّفها الطريق. تنقاد.. ابدأ في معاتبتها وتقريرها بما صنعت من المعاصي.. لتنكسر لله..
 

رابعا- علاج النفس بالصوم ومنع الحظوظ:
إنّ البطن إذا أكلت أشرت وبطرت.. وإذا صامت انكسرت.. وقل نشاطها.. وعادت الى ربها.. فأدمن الصيام كما أوصاك النبي العدنان.. عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم السلام.. قال: «فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (أخرجه البخاري (1905) كتاب الصوم مسلم ( 1400) كتاب النكاح).
وجاء: بمعنى قاطع للشهوة.. فامنعها ملذاتها.. كما يقول ابن الجوزي.. امنعها ملذوذ مباحها ليقع الصلح على ترك الحرام..
 

خامسا- أن تأخذ من نفسك الراحة وتنزل بها التعب ونقصان المباح:
إن نفسك تعمل.. فإن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.. أتعبها في قيام الليل.. نم ساعتين فقط.. بعدها توجه للعمل.. عندها لن تجد القوة لتعصي الله. حتى إذا كنت طالبا.. إنك تستطيع القيام أولا بواجب الاستذكار.. ثم تستعين بالله  وتقوم الليل. ثم نم ساعتين. واستعن بالله تمضي الى الامتحان نشيطا.
إنك إذا أتعبت جوارحك في طاعة الله عز وجل أتعب الله الكائنات في خدمتك.. إن مشكلة قومنا أنّهم لم يجربوا التعب لله.. لقد جربوا التعب للدنيا.
إن التعب غير مقصود لذاته وإنما المقصود إذلال النفس لله.. إنكسارها له.. أما إذا أعطيت نفسك مطلوبها بدون عناء.. فستقودك الى الكفر بنعم الله.. ستقودك الى جهنم..
خالف نفسك.. حتى تفوز برضى الله..
 

سادسا- ارفع لها بالفكرة أعلام الآخرة:
  أرها الجنة والنار.. اجعلها تشاهد من أمامك في الطريق.. إنه النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.. ارفع لنفسك أعلام الآخرة حتى تستقيم.. ذكِّر هذه النفس التي تشتهي شيئا دنيويا بعظمة الجنة.. ففي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر..  
فإذا أردت أن تعرف الطريق الى الجنة.. فاسأل الله سبحانه وتعالى أن يدلك عليها.. وإذا أردت الابتعاد عن طريق الهالكين فاسأله سبحانه وتعالى أن يهديك سواء السبيل..
 

سابعا- تحطيم الأصنام:
الأهواء أصنام تعبد من دون الله لذلك قال تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} [الفرقان:43].. فالربا صنم.. والزنا صنم.. والتبرج صنم.. وأكل أموال الناس بالباطل صنم.. وكل ما تهواه النفس مما يغضب الله  سبحانه وتعالى صنم.. فالأغاني وحبها صنم.. والتلفزيون وتعلق القلب بما فيه صنم.. وحب المظاهر والزينة حرام.. والاستعلاء على الناس صنم..
ولا تصفو التوبة حتى تتحطم كل هذه الأصنام.. وتسقط في قلبك سقطة لا تقوم لها بعدها قائمة..
إن توبةً مع تواجد هذه الأصنام في أغوار النفس توبة مدخولة.. لأن النفس أمارة بالسوء.. فإذا ما وجدت صنما من هذه الأصنام قائما بعد لم يحطمه صاحبه فإنها تغريه وتزينه له وتشوِّقه لعبادته القديمة.. وكلما أبى وتمنّع عاودت معه الكرّة تلو الكرّة.. حتى يعود من حيث جاء.. وتنهار توبته التي لم يحطم فيها جميع الأصنام..
  فلا بد لم أراد توبة نصوحا أن يحطم في نفسه كل ما يربطه بالماضي الأثيم... لهذا سمعنا عن عودة بعض التائبين الى الضلال بسبب تركهم لبعض ما يربطهم بالمعصية دون تحطيم.. بينما ثبت البعض الآخر من التائبين ممن حطموا في بداية توبتهم كل ما يربطهم بما يغضب الله.

_________________
ملخص من كتاب "كيف أتوب؟" لـ: "محمد حسين يعقوب"

  • 5
  • 0
  • 2,486
المقال السابق
حقيقة التوبة
المقال التالي
التائب
i