{وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا}!

منذ 2014-05-05

كم من الناس يرتكب أُمورًا يظنها هينة! لكنها عند الله تعالى عظيمة، يفعلها الإنسان لا يلقى لها بالًا فتجتمع عليه حتى تُهلِكه كما أخبر صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ» (متفقٌ عليه)...

كم من الناس يرتكب أُمورًا يظنها هينة! لكنها عند الله تعالى عظيمة، يفعلها الإنسان لا يلقى لها بالًا فتجتمع عليه حتى تُهلِكه كما أخبر صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ» (متفقٌ عليه).

وهذا الحديث له سبب ورود، فقد أخرج البخاري من حديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: "خرَجْنا معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومَ خَيبرَ، فلم نَغنَمْ ذهبًا ولا فِضةً، إلا الأموالَ والثيابَ والمَتاعَ، فأهدَى رجلٌ من بني الضَّبيبِ، يُقالُ له رِفاعَةُ بنُ زيدٍ، لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غلامًا، يُقالُ له مِدعَمٌ، فوَجَّه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى وادي القُرَى، حتى إذا كان بوادي القُرَى، بينما مِدعَمٌ يَحُطُّ رَحلًا لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سهمٌ عائِرٌ فقَتَلَه، فقال الناسُ: هَنيئًا له الجنةُ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : «كلَّا، والذي نفْسي بيدِه، إن الشملةَ التي أخَذها يومَ خَيبرَ من المغانمِ، لم تُصِبْها المَقاسِمُ، لَتَشتَعِلُ عليه نارًا». فلما سَمِعَ ذلك الناسُ جاء رجلٌ بشِراكٍ أو شِراكَين إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: «شِراكٌ من نارٍ، -أو- شِراكانِ من نارٍ». و"الشملة هي: الرداء الصغير الذي سرق من الغنيمة قبل توزيعها".

انظر تأمَّل: إنه رداء صغير ولعله لا يساوي عشرة دراهم، وبالرغم من ذلك قال الرسول: «لَتَشتَعِلُ عليه نارًا»، ثم قال الرسول عليه السلام بعدها: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ».

ومُحقَّرات الذنوب ليست كبائر كالسرقة والزنا والقتل.. ولكنها التي يستصغرها الإنسان ولا يستعظمها وهي -مُحقَّرات الذنوب- باب عظيم من الأبواب التي يدخل منها الشيطان، لذلك حذَّر صلى الله عليه وسلم منها في خطبة الوداع قائلًا: «إنَّ الشَّيطانَ قد يئِس أن يُعبَدَ في جزيرةِ العربِ ولكن قد رضي بمحقَّراتٍ» (رواه الهيثمي).

نعم.. لا يجرِ الإنسان إلى المعاصي الكبار إلا تساهله بالصغار، يستهين بها الإنسان فإذا ذكر قال: أنا أحسن حالًا من غيري..!

ورضي الله تعالى عن عبد الله بن مسعود لما كان يعظ  كبار التابعين لأصحاب رسول الله قائلًا: "إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر كُنَّا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات" أي: المهلكات.

وإذا كانت هذه موعظة ابن مسعود رضي الله عنه لكبار التابعين وهم من هم عِبادة وعِلمًا فكيف لو رأى ابن مسعود حالنا اليوم؟!

كيف لو رأى رجلًا يتهرَّب من مُحصِّل المواصلات -أو رأى من يمزح مع زميلته في العمل بكلامٍ يخدش الحياء؟! أو رأى امرأة تلبس عباءة تحتاج إلى عباءة أخرى تسترها... ومثل ذلك كثير جدًا {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور من الآية:15].


إن الرسول صلى الله عليه وسلم، قال لعائشة عليها الرضوان لما قالت يا رسول الله: "حسبك من صفية كذا وكذا -تعنى: أنها قصيرة- قال لها: «يا عائشة  لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» "يعني: غيَّرت لونه أو طعمه أو ريحه" (رواه أبو داود، والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها).

وقال صلى الله عليه وسلم: من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينما رجلٌ يجرُّ إزارَه من الخُيلاءِ خُسِف به، فهو يتجَلْجَلُ في الأرضِ إلى يومِ القيامةِ» (متفقٌ عليه).

وختامًا.. أيها القارئ الكريم أقول: إذا كانت مُحقَّرات الذنوب تهلك المرء فما بالك بكبائر الذنوب.

أخي: إن آدم أُخرِج من الجنة بلقمة أكلها، وإبليس دخل النار بسجدة تركها، فإياك.. ثم إياك.. من مُحقَّرات الذنوب {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}.

وفقنا الله وإياكم لما يُحبّه ويرضاه.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

أحمد رشيد

داعية و إمام بوزارة الأوقاف المصرية

  • 14
  • 1
  • 29,140

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً