نظرة التربية الإسلامية إلى الإنسان

منذ 2014-05-09

إذا كانتْ عمليةُ التربية في القديم تتمُّ داخلَ الأسرة عن طريقِ المِران والتدريب والإسهام في جميع أوجهِ النشاط الذي كانتْ تُمارِسُه، فإنَّ النظامَ المدرسيَّ الحديث قد جاءَ بأنظمةٍ وأجهزةٍ وأدواتٍ ووسائلَ تربويةٍ تمكَّنتِ المدرسة بواسطتها من القيامِ بدَوْر هامٍّ لا تستطيع القيام به الأسرة، وجَنَّدت له المدرِّسين والإداريِّين، والمستشارين والفنيِّين والمشرِفين، وأصبحت عمليةُ التربية تسيرَ وَفقَ غرض مرسوم وهدَف محدَّد، حمَّل المجتمع المدرسة مسؤوليةَ إعداد الأجيال وتأهيلها للوفاءِ بمُتطلباته واحتياجاته في سبيلِ سَعيه إلى التقدُّمِ والنموِّ...

الإنسانُ كرَّمه الله وميَّزه على سائرِ خلْقه بالعقل، الذي هو مناطُ التكليف، والأديان السماوية في مجملِها تدْعو إلى عبادة الواحِد الأحد، والأمْر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن بالَغَ بعضُ أتباع الديانات الأخرى في الاهتمامِ بالرُّوح وأهمَلوا الجسد، أمَّا الدِّين الإسلامي فهو يَدْعو إلي تحقيقِ التوازن الطبيعيِّ في الإنسان بين الرُّوحِ والبَدن، والعمل على تنميةِ كلٍّ منهما بالأسلوب الصحيح، وعلى هَدْيٍ مِن القرآن الكريم؛ حتى يتخلَّقَ الإنسان المسلم بخلُق القرآن، وتتحقَّق رفاهية المجتمع، 

 

وحولَ هذه النظرة يُحدِّثنا الدكتور محمَّد طلعت أبو صير، فيقول:
ينظُر الإسلام إلى الإنسان نظرةً متكاملة، فالإنسان فيه جسدٌ ورُوح، لا ينفصل أحدُهما عن صاحبه، وفيه - بحُكم تركيبه الجسَدي - مجموعةٌ من الشهوات تدفعه نحوَ عمليات الإشباع، وبحُكم تكوينه الرُّوحي مجموعةٌ مِن القُوَى تسمو به نحوَ الكمالات، وهو بحُكم تكوينه العقلي فيه قُدرةٌ على اختيارِ هذا الطريق أو ذاك، أو يجمع بينهما في صورةٍ لا يُضحِّي فيها بجسده مِن أجْلِ رُوحه، ولا برُوحه مِن أجْلِ جسده، والتضحية بأحدهما لا يتحقَّق معها الاستخلاف في الأرض، وقد خلَقه الله؛ ليكونَ فيها خليفة.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30].

والتربية الإسلاميَّة جاءتْ بمنهجٍ شامل متكامل يهتمُّ بنموِّ الجسدِ اهتمامَه بتنمية العقل وتقوية الرُّوح، كل ذلك في أسلوبٍ هادئ يوصِّل إلى الكمال الإنساني المنشود، وهذا التجانس بين الجسد والرُّوح وإطلاق حريَّة العقل للنظَر والبَحْث في مكوِّنات الطبيعة لا تحقِّقه نظريةٌ تربوية سابقة أو معاصرة؛ وأنَّى لها أن تدرك ذلك وهي مناهجُ بشريَّة بَحْتة تعتمد في أبحاثها ونظرياتها على العقلِ البشري والموروث من العادات؟! 

 

والعقلُ البشري لا يستطيع الاستقلالَ بإدراك الحقائقِ على ما هي عليه ما لم يهتدِ بنور الوحي المنزَّل مِن عند الله سبحانه وتعالى وهو عينُ ما انفردتْ به التربية الإسلاميَّة التي تستمدُّ منهجَها وأساليبها وطرقَ التأثير النفسي مِن القرآن الكريم وسُنَّة رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم.


وعلى سبيل المثال: نُلقي نظرة على التربية في الفِكر النصراني بعدَ أن امتدَّتْ يدُ الإنسان إلى هذا الدِّين؛ فانحرفت به عن أصلِه الإلهي، كما قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:78]، ويقول تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79].

 

تنظُر النصرانية إلى الإنسان نظرةً ثُنائية، وانعكستْ هذه النظرة على التربية، فمالتْ في العصور الوُسْطَى إلى التمسُّك والرهبنة لكبتِ شهوات الجسَد، حتى يستطيعَ أن يرتفعَ مع الرُّوح إلى أعلى، ووضعتِ الكنيسة الحواجزَ أمامَ كلِّ محاولة استهدفَ العلماء مِن ورائها البحثَ في الطبيعة أو ما وراءَ الطبيعة، ورمَوْهم بالكُفر والخروج على مقرَّرات الدِّين النصراني.

 

وبالَغ رجالُ الدين في اضطهادِ العلماء غير أنَّ الحرب لم تهدأ حِدَّتُها حتى سادَ العِلم وضعُف الدِّين وضاعتْ هيبة رجاله، وهاجَم الرجال في أبحاثهم مسائلَ تتَّصل بالدين، ونَظروا في الكتاب المقدَّس، وأخذوا يبحثونه وينتقدونه وأنكروا بعضًا منه وآمنوا ببعض، واضطرَّتِ الكنيسةُ إلى التنازل أمامَ سلطان العلم الذي أخَذ العقول بأبحاثه ومكتشفاته، فأقرَّتْ للعلماء بما كانت تنكره عليهم، وتأثَّرتِ التربية في أوربا بالنصرانية بما طرأ مِن ظروفٍ على الحياة خلالَ القرن السابع عشر.
 

على أنَّ كلَّ نظرية تربوية لها أهدافٌ قريبة وبعيدة، ولها ما يُسمَّى بهدف الأهداف، أو الهدف الأسمى، وللتربية الإسلامية أهدافُها المتميِّزة عن جميعِ النظريات التربويَّة الأخرى قديمها وحديثها، وهدفها الأسمى توحيدُ الله تعالى وعبادته، وتوحيد الله سبحانه وتعالى هدفُ الأهداف في التربية الإسلاميَّة؛ لأنَّه سببُ الوجود الإنساني؛ قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].


وقدْ جاءتِ الدَّلالة على التوحيدِ واضحةً كلَّ الوضوح في القرآن الكريم وسُنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ قال تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ . يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ . أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ . لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ . لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ . أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ . وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ . وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ . لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء:19-27].

 

إنَّ عقيدةَ التوحيد تبْعَث في المؤمِن الشعور بالعزَّة والسموِّ حيث يجِد نفْسَه والناس جميعًا على قدَم المساواة في الإنسانيَّة، كلهم مِن طينة واحِدة ولا تَفاضُلَ إلا بالتقوى والعمَل الصالِح؛ قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8].

 

وإخلاص العبودية لله وحْدَه أسمَى مقامات القُرب منه سبحانه وتعالى والوقوع في أبسطِ ألوانِ الشِّرْك أحطُّ درَكات الوجودِ الإنساني، والمؤمن المخلِص في عبادتِه يؤمِّنه الله مِن كل خوف، فيجد الشعورَ بالأمن والرِّضا يَنساب إلى قلبِه فيشعُر بالراحة والسعادة.
 

والتعليم جزءٌ مِن التربية ونوعٌ مِن أنواعها، وليس التعليم وسيلةَ تلقين للمعلومات والأفكار وحفظها وترديدها، بل وسيلة مِن وسائل تكيُّف الإنسان مع الواقِع المراد له والموجِّه إليه.
 

والإسلام يهتمُّ بالتعليم بعدِّه وسيلةً مِن وسائل التربية في تحقيقِ أهدافها وحمْل محتواها، وحقٌّ لكل مسلم أن يتربَّى ويتعلم قَدْرَ استطاعته وفي حدود إمكانياته، والأُمم ترقَى بالعلم، وتسمو بالمعرفة، وتتهذَّب بالتربية؛ لأنَّها وسيلةُ الأخلاق القويمة والتديُّن الصحيح، وبالتربية تدبِّر الأمَّة أمورَ معاشها وتنظِّم حياتها، ويشعُر أفرادها بأنفسِهم، ويُدركون واجبهم، ويحسنون عبادةَ ربهم، ومِن هنا كان مِن واجب الدولة المسلِمة تربية رَعاياها وتأهيل أفرادها، وإعداد الوسائل الميسَّرة لذلك؛ حتى يكونوا أفرادًا صالحين مؤمنين مؤهَّلين لمهمَّات الخِلافة وحمْل الأمانة، والقيام بمختلف أنواع السلوكِ على أساسٍ من التفكير العِلمي الصحيح في مواجهة مشكلاتِ الحياة.


ومهمَّة الأمَّة تزويد أبنائها بالمعارف المتباينة والمهارات المختلِفة المناسبة لقُدراتهم، والمساعدة لهم على تحقيقِ التكيُّف في الحياةِ؛ بحيث يكون العقلُ والتفكير والتدبُّر هو المعوَّل عليه في اتخاذ القرارات وحلِّ المشكلات عن دِراسة موضوعيَّة، ونظرة عِلميَّة، وتحليل دقيق يعتمد على الأدلَّة والبراهين؛ وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء:36].

 

إنَّ التقدُّمَ العلمي للأمم لا يتمُّ إلا بأن يكون التطبيق مطابقًا للنظرية، والعِلم معمولاً به، والتحقيق العِلمي السليم هو مُنطلَق كلِّ سلوك أو فعل، فالمسلم لا يَخطو خُطوة، أو ينطق كلمة، أو يُفتي برأي إلاَّ إذا تأكَّد منه علميًّا، وهذا - بلا شكٍّ - سبيلُ التقدم، وأساس البحْث العِلمي الذي تُبنى عليه الحقائق والنظريات العلمية، فلا بدَّ مِن دراسة كلِّ ظاهرة والتأكُّد من كل خَبَر.
 

ويطلب القرآن في هذه الآية - إلى جانبِ الأمانة العلميَّة في العالم - استقامةَ القلب، ومراقبة الله سبحانه وتعالى؛ لأنَّه سيكون مسؤولاً عن ذلك أمامَ ربِّه، والأمانة العلمية التي يُشيد بها الناس في العصر الحديث ليستْ سوى طرَف مِن الأمانة العقليَّة والقلبيَّة التي يعلن القرآنُ تَبِعتها الكبرى ويجعل الإنسان مسؤولاً عن سمْعه وبصَره وفؤاده أمامَ واهب البصر والفؤاد، إنَّها أمانةُ الجوارح والحواسِّ والعقل والقلْب جميعًا، أمانة يرتعش الوجدانُ لدقَّتها وجسامتها، كلَّما نطق اللسان بكلمةٍ، وكلَّما رَوى الإنسان رواية، وكلما أصدر حُكمًا على شخص أو أمر أو حادثة.

{وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء من الأية:26]؛ ولا تَتَّبع ما لم تعلمْه عِلمَ اليقين، وما لم تتثبَّتْ مِن صحته مِن قول يُقال ورِواية تُروى، ومِن ظاهرة أو واقعة تُعلَّل، ومِن حُكم شرعي أو قضية اعتقادية.

 

إنَّ التربيةَ الإسلاميَّة تجعل المسلمَ المتعلِّمَ قوةً مثمرةً منتجة نافِعة في المجتمَع، وتجعَل مِن المجتمع قوةً متقدِّمة دائمًا كما أنَّ العلم هو وسيلةُ تحرير المسلم مِن التقاليد والأفكار المعطِّلة لقواه الإنتاجيَّة وطاقاته البشريَّة.
 

وعن طريقِ التربية تصوغ الجماعةُ أفرادَها والدول شعوبَها، وتوجِّه سلوكَهم وأخلاقهم وفقَ الأهداف التي يَسعَى المجتمع إليها، وبالعلومِ والمعارِف التي تزوَّد بها الفرد، تهيمن على أفكارِه حتى لا يجسِّد في الحياة منظارًا غيرَ المنظار الذي أُريد له استخدامه في ملاحظاته وتجاربه.

 

والتربية كذلك تَعني: "كلّ عمليَّة أو مجهود أو نشاط يؤثِّر في قُوى الطِّفل وتكوينه بالزِّيادة أو النَّقْص أو الترقية أو الانحطاط، سواء أكان مصدر هذه العملية الطِّفلَ نفْسه أم البيئة الطبيعيَّة أمِ الاجتماعيَّة بمعناها العام، أو بمعناها الضيِّق المحدود، فالطِّفل خاضعٌ باستمرار لعملياتِ تغيير في تكوينه الجِسْمي والعقلي والخُلقي وهذه العمليات هي التربية".
 

والطرُق التربويَّة والأساليب والحقائق العلميَّة التي تساعِد على تربية الطِّفل وتحقيق نموِّه العقلي والنَّفْسي والأخلاقي والجِسمي، تُستخدم كلها للوصولِ إلى وجودِ الإنسان الكامل الذي يحقِّق أهداف التربية التي تهتمُّ ببناء الفَرْدِ مِن ساعة وجودِه على الأرض، ليؤدِّي دورَه المرسوم له في الحياة، ويكون قادرًا على التغلُّب على العقباتِ التي تُعرِّضه والأحداث التي تواجِهه، 

 

ولأنَّ التربية تهتمُّ بالناحية الخاصَّة بتحقيق النموِّ الكامل للإنسان كان مِن تعريفاتها أنَّها: عملية التكيُّف بين المتعلِّم وبيئته، باعتبار أنَّ الإنسان في سبيلِ وظيفته يعمل للمحافظة على بقائِه أولاً، ولا يكون ذلك إلا بتوجيهِ سلوكه وتعديله وتكوينه وتنمية القُدرات وصقلها، وأيًّا كانت تعارفتْ عليه الأجيال من أنَّها العمل على بناء الإنسان منذُ ولادتِه؛ ليكونَ إنسانًا سويًّا في جميع جوانب حياته في ضوءِ الدِّيانة التي تؤمِن بها أمته التي يحيا فيها، بصرف النَّظر عن صحَّتها أو فسادها.
 

غير أنَّ التربيةَ عندنا - معشرَ المسلمين - إنَّما تقوم على عقيدةِ الإسلام التي جاء بها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ليربي بها الإنسانَ وفقَ استعداداته وقُدراته التي أودعها الله فيه ووفقَ ذلك المنهج الذي بيَّنه ربُّ العزَّة والجلال إذ يقول: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى:52-53].

 

وهو نفس المنهج الذي جعَل رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم موضع الثناء من الله حين قال: { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، فلنعمل كمربِّين على تكوينِ جيلٍ خُلُقه القرآن، والتربية تسعَى إلى تشكيل الإنسان على نحوٍ يحقِّق الخير لنفسه ولمجتمعه وللإنسانية كلها، وهي عمليةٌ مستمرة تبدأ مع الإنسان منذُ الطفولة؛ حيث يبذر والدُه في نفْسه القِيَم والاتجاهات وأنواع السلوك.

 

وتتسع دائرة معارف الطفل باحتكاكِه بالأقارب والجيران، ويتمُّ ذلك تحتَ رِعاية الوالدين ومتابعتهما واستمرار توجيههما؛ لأنَّ الطفلَ قد يتعرَّض لأمْر بسيط في مظهرِه قد تترتَّب عليه نتائجُ خطيرة؛ لصِلته بالإدراك وتكوين العادَة المؤثِّرة في السلوك.
 

والمناهج التربويَّة وُضِعت لتشكيل الإنسان على نحوٍ يتَّفق مع رُوح العصر ومتطلَّبات الحياة في سائرِ النواحي، ويشمل هذا التشكيلُ النواحي الجسديَّةَ والاجتماعيَّةَ والعاطفيَّةَ والفكريَّةَ والأخلاقيَّة.
 

والمنهج الإسلامي للتربية يهتمُّ بالجسمِ اهتمامَه بالعقل والرُّوحِ، ويَسعى إلى تحقيقِ الكمالِ الإنسانيِّ المنشود مهتديًا بالوحي المنزَّلِ مِن الله سبحانه وتعالى في كتابه وبسُنَّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة:15-16].

 

والأمَّة الإسلاميَّة تُزوِّد أبناءَها بالمعارِف والمهارات المناسِبة لقُدراتهم والمساعَدة لهم على تحقيقِ التقدُّم الذي لا يتمُّ إلا إذا كان التطبيقُ موافقًا للنظرية وكان العلم معمولاً به، وكان التحقيقُ العلمي السليم مُنطلَقَ كلِّ سُلُوك، والقرآن الكريم يقول: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مسؤولاً} [الإسراء:36]، ويقول: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}  [النحل:78].

 

إنَّ الطرُق التربويَّة والأساليب والحقائق العِلميَّة تُستخدم للوصولِ إلى هدفِ نموِّ الإنسان القادِر على أداء ما يُكلَّف به مِن مهامَّ، والتغلُّب على العَقبات التي تعترض طريقَه، والأحداث التي تواجهه، وتلك هي سِمات الإنسان السويِّ في جوانبه الرُّوحيَّة والجسديَّة والعقليَّة والاجتماعيَّة.
 

وعنايةُ المنهج الإسلامي بالبيئة التي يوجد فيها الإنسانُ سبقَتْ عنايةَ كلِّ منهجٍ آخَرَ إذ لم تقتصرْ على العنايةِ به بعدَ الولادة، وإنَّما سبقت فأعدَّتْ له البيئة المناسبة وهيَّأت له الظروفَ المواتية؛ لينشأَ نشأةً صالحةً على مبادئ الدِّين والخُلُق القويم.

 

لقد أوْصى الرسولُ الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم الرجل بالتزوُّجِ مِن ذات الدِّينِ فقال: «تُنكَحُ المرأة لأربعٍ: لحسبِها ومالها، وجمالها ولدِينها، فاظفرْ بذاتِ الدِّين تربِتْ يداك» (صحيح البخاري:5090)، وقال أيضًا: «ما استفاد المؤمنُ بعد تقوى الله عزَّ وجلَّ خيرًا من زوجة صالحةٍ؛ إنْ أمرَها أطاعتْه، وإنْ نظَر إليها سرَّته، وإنْ أقسم عليها أبرَّتْه، وإنْ غاب عنها نصحته في نفسها وماله» (ضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة:4421، وحسنه السيوطي في الجامع الصغير:7811)، ثم تلا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قولَ الله تبارك وتعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء:34].

 

وكما أنَّ المرأة تُختار على أساسِ دِينها، فكذلك الرجل يُقبَل تزويجُه على أساسِ الدِّين؛ يقول صلَّى الله عليه وسلَّم: «إذا أتاكُم من ترضَوْنَ دينَهُ وخلُقَهُ فزوِّجوهُ إلَّا تفعلوهُ تكنْ فِتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ كبيرٌ» (غاية المرام: برقم:219)، والأُسْرة على هذا الأساس مكوَّنةٌ مِن زوجةٍ صالحةٍ خاليةٍ مِن الأمراض والعيوب، وزَوجٍ متميِّز بالاستقامة وحُسن الرِّعايةِ والإنفاق، والتقدير لمسؤولياته عن الأُسرة التي يتولَّى القوامةَ عليها، والتي يُدرِكُ أنَّ الله سائلُه عنها يومَ القيامة، كما يقول صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنَّ الله سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاه حَفِظ أم ضيَّعَ، حتى يسألَ الرجلَ عن أهلِ بيته» (صحيح الترغيب:2170).

 

والطِّفل الذي يُولَد في مِثل أسرة لها تلك الصِّفات ينال حظَّه مِن التربية الصحيحة التي تقع أعظمُ مسؤولياتها على عاتقِ الأم؛ لأنَّها أطولُ صحبةً للطفل وأكثر عِشرةً له سنواته الأولى.

 

إنَّ تقسيم العمل بين الرَّجُل والمرأة له أهميةٌ بالغة؛ لأنَّه يؤدِّي إلى قيام كلِّ واحد بواجبه حسبَ مواهبه الفِطرية.
وقد جعَل الإسلامُ مِن وظيفة الأمِّ الرَّضاعَ والحَضانة، وهيَّأها الله عزَّ وجلَّ لذلك، وأمدَّها بالعواطفِ المساعدةِ كالرحمة والحنان؛ لينشأَ الطفل نشأةً صالحةً تُعينه على النموِّ المستمر في وسط جوٍّ عائلي أحاطَه بالرِّعايةِ والحبِّ، وأشْعَره بمكانتِه، وقَدَّم له كلَّ ما يحتاج إليه.

 

إنَّ استقرار الأسرة وتجانسها وغناها في القِيَم الإسلامية تتولَّد عنه تلك الآثارُ الطيِّبةُ، فضلاً عن إبعادِ الطِّفل عن الرذائل وقُرناء السُّوء، وحفظه مِن الآثار التي تترتَّب على الإهمالِ والتفريطِ في القِيام بواجبِ التربية داخلَ الأُسْرة.
 

لقد حَرَص الإسلامُ على حَضانة الطِّفل في وسطٍ نِسائي عطوف رَحيم، قريب منه لا غريب عنه؛ لأنَّ الله سبحانه قدْ وهَب هذا الوسطَ كلَّ الإمكانيات التي تُعينه على القيام بهذا الدَّور على الوجهِ الأكمل،  وإذا كانتِ الأمُّ تقوم بهذه المسؤوليات الجِسام، فإنَّ الرجلَ أيضًا يقوم بواجبِه في إعدادِ الجيل القادم الذي هو محطُّ الرَّجاء ومَعقِد الآمال والأحقُّ بخلاصة المعرفةِ وتجارِب الحياة، وقدْ أمَرَه الله بحفظِه وصيانتِه ووقايته مِن النار، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم من الأية:6].

 

وإذا كان الأب يصونهم عن نارِ الدنيا، فأنْ يصونَهم عن نارِ الآخرة أَوْلَى بتأديبهم وتهذيبهم وتجنيبهم مواطنَ السُّوء، ولا يَشغله عن ذلك اهتمامُه بكسبِ الرِّزق أو هموم العَمل، وحسْبه أن يُدرِكَ قولَ الله عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور:21].

 

وللأبِ أُسوة في رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم والصالحين مِن عباده، فها هو نوح عليه السلام يُنادي ابنه: { يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} [هود:42].

 

وها هو لقمان يَدْعو ابنَه إلى التوحيد بنهيِه عن الشِّرك، والتوحيد هدفُ الأهداف في التربية الإسلاميَّة، وهو مبعثُ الشعور بالعزَّة والكرامة؛ إذ به يعتقد المسلم أنَّه والناس جميعًا على قدم المساواة لا فضلَ لأحدٍ على أحد إلا بالتقوى، كما أرْشَدَه إلى دقيقِ عِلم الله عزَّ وجلَّ وعظيم قُدرته، وأمْره بالصلاة التي هي حقُّ الله عزَّ وجلَّ ولها أعظمُ الآثار التربويَّة في تنظيمِ حياةِ المسلم اليوميَّة، وتَبكيرِه إلى العملِ وانشراحِ صَدْره وإقبالِه على الحياة؛ 

 

يقول عليه الصلاة والسلام: «يعقِدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسِ أحدِكم ثلاثَ عُقَدٍ إذا نام . بكلِّ عُقدةٍ يضربُ عليك ليلًا طويلًا . فإذا استيقظ ، فذكر اللهَ ، انحلّتْ عُقدةٌ . وإذا توضأ ، انحلَّتْ عنه عقدتانِ . فإذا صلَّى انحلَّتِ العُقَدُ . فأصبح نشيطًا طيِّبَ النَّفسِ . وإلا أصبح خبيثَ النَّفسِ كَسْلانَ» (صحيح مسلم:776).


ودَعاه كذلك إلى القيامِ بالواجِبِ الاجتماعي الهامِّ؛ الأمْر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى أنَّ الصَّبر عُدة النجاح في كلِّ أمر وإلى التواضُع وترْك الكبر ونَهاه عن رفْع الصوت، وتلك آداب اجتماعيَّة وأخلاق إسلاميَّة، وحسب المسلم عندَ رعايته وتأديبه لابنِه قول الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم الذي أخرجه الترمذي والحاكم؛ «ما نَحَل والدٌ ولدَه نِحلةً أفضل مِن أدَبٍ حسَن»

 

وإذا كانتْ عمليةُ التربية في القديم تتمُّ داخلَ الأسرة عن طريقِ المِران والتدريب والإسهام في جميع أوجهِ النشاط الذي كانتْ تُمارِسُه، فإنَّ النظامَ المدرسيَّ الحديث قد جاءَ بأنظمةٍ وأجهزةٍ وأدواتٍ ووسائلَ تربويةٍ تمكَّنتِ المدرسة بواسطتها من القيامِ بدَوْر هامٍّ لا تستطيع القيام به الأسرة، وجَنَّدت له المدرِّسين والإداريِّين، والمستشارين والفنيِّين والمشرِفين، وأصبحت عمليةُ التربية تسيرَ وَفقَ غرض مرسوم وهدَف محدَّد، حمَّل المجتمع المدرسة مسؤوليةَ إعداد الأجيال وتأهيلها للوفاءِ بمُتطلباته واحتياجاته في سبيلِ سَعيه إلى التقدُّمِ والنموِّ، 

 

إلا أنَّنا نجزم بأنَّ الدور الذي تقوم به المدرسةُ لا يُلغي الدورَ الذي تقوم به الأُسرة، ولا يُقلِّل مِن أهميته، فكلاهما يُسهِم بحسب قُدراته وإمكانياته في عمليةِ بِناء الإنسان وإعداده إعدادًا سليمًا، ثم إنَّ مجالات التعاون بيْن المدرسة

والأُسرة كبيرةٌ ومتنوِّعة، وأهمها:
أولاً: مجلس الآباء الذي يُسهِم مع المدرسة بكلِّ ما يستطيع في سبيلِ إنجاح العمليَّة التربويَّة، ويجب أن يكونَ ملمًّا بكلِّ ما يَتعلَّق بأوجه النشاطِ الذي تُمارسه المدرسةُ، وأن يُشارك مشاركةً فعَّالة في إعدادِ البرامج المتعلِّقة به، وإذا ظهَر له أنَّ المدرسة بحاجةٍ إلى مساعدةٍ في أيِّ جانب مِن الجوانب بذَلَها عن طِيب نفْس ورِضًا، ولا يتأخَّر عن أداء دوره الجليل تُجاه فلذات الأكباد وأمَل الغد المترقَّب.



ثانيًا: الرحلات المدرسيَّة التي يشترك فيها الطلاَّبُ والمدرِّسون والمشرِفون وأولياء الأمور، ومِن خلالها يَتعرَّف الجميعُ نتيجةً للمناقشات على أوجه القصور إنْ كانت، فيُسهِمون كلٌّ بحسبِه في حلِّ المشكلات والقضاء على الأسباب كما يتعرَّفون على أوجهِ الكمال، ويَدفعون المدرسةَ إلى تحقيقِ المزيدِ مِن النجاح، وقد تَظهر أفكارٌ جديدة تحتاج إلى التطبيق.
 

ثالثًا: دَور المشرفين في الرَّبْطِ بيْن المدرسة والأُسرة، وخاصَّة المشرفين الاجتماعيِّين الذين يَستطيعون أداءَ دَورهم، والتعرُّف على بعض المشكلات الأُسريَّة التي لها تأثيرٌ على الطالب، ويُسهِمون بجهودهم في حلِّها أو التقليل مِن آثارها السلبية، أو التخفيف مِن آثارها الضارَّة؛ إذ ربما أتتْ وراء انصراف الطالب عن التقدُّمِ أو المتابعة الدقيقة لكلِّ ما يَجري داخلَ هِجرات الدرس مشاكلُه العائلية، التي كثيرًا ما تعترض سبيلَ التفوُّقِ أمامَ الطلاَّب المتقدِّمين في دراستهم، والتي تَحرِم المدرسةَ والمجتمعَ مِن فوائدَ كثيرة لو أُتيح لهؤلاء الطلاَّب التخلُّصَ من مشكلاتهم الأُسريَّة أو العاطفيَّة، أو غيرها.


إنَّ الأممَ ترقَى بالعِلم وتَسمو بالمعرفَةِ وتتهذَّب بالتربية؛ لأنَّها وسيلةُ الأخلاق الكريمة والتديُّن الصحيح، وبها تُدبِّر الأمم أمورَ معاشها، وتُنظِّم حياتها ويَشعُر أفرادها بأنفسهم، ويُدركون واجباتِهم، ويحسنون عبادةَ ربِّهم، والفرد المتعلِّم قوَّة مثمرة منتِجة نافعة متحرِّرة مِن التقاليد والأفكار المعطّلة لقُوى الإنتاج والطاقات الخلاَّقة.
 

إنَّ كلَّ عملٍ أو مجهود أو نشاط يؤثِّر في تكوينِ الفرْد  سواء أكان مصدرُ هذا الفردَ نفْسه، أو الأُسرة، أو المدرسة، أو المجتمع- له أهميَّة، ويجب الحرصُ عليه والقيام به.
 

وإذا كان علماء التربيةِ قد قرَّروا أنَّ السنواتِ الأولى للطفل هي أهمُّ وأخطرُ المراحل في تكوينِ شخصيته وتحديد ملامحِها، فإن مِن المسلَّمِ به عندَهم أنَّ المدرسة هي المؤسَّسة التربويَّة المتخصِّصة التي يَعتمد عليها المجتمعُ في نقْلِ مهاراته وعاداته ومُثله وقِيَمه ومعارفه مِن جيل إلى جيل.
 

وإنَّ المدرسة لا تَبدأ عملَها مِن فراغ، بل تَسبقها الأُسرة في إعدادِ الطِّفل وتهيئته، والإسلام أناط بالأُسرة مهمَّةَ تربية الأبناء على أهدافِ الإسلام، وحمَّلَها مهمةَ غرْس الإيمان في نفوسِ الناشِئة، وأن يَكون أوَّل ما يسمعه الطفلُ ذِكْرَ الله والدعوة إلى الصلاة والفَلاح.
 

والتعاون بيْن البيتِ والمدرسة أمرٌ مشكورٌ، وله أعظمُ الأثَر في التكوين والإعداد، ويجب أن تتوطدَ العلاقة بينهما؛ لأنهما يُقابَلانِ بمؤثِّرات أُخرى لا تهدف إلى نفس الغايات التي يَسعيان إليها، بل ربَّما كان عملُها معاكسًا لعمل البيت والمدرسة عن قصْد وسوء نيَّة، أو عن غير قصْد، فالنتيجة واحدةٌ، ولا بدَّ لنا مِن سلوك كلِّ سبيلٍ يؤدي إلى إيجادِ الصِّلاتِ الوثيقة بين الأُسرةِ والمدرسة؛ لتؤتيَ التربية ثمرتَها المرجوَّةَ، ولنحصل في النهاية على شبابٍ مسلم مُسلَّح بقُوَى الإيمان والعمل الصالح قادِر على إثباتِ وجودِه في معترَك الحياة.
 

ورِسالة الإسلامِ قد تَضمَّنتْ أهدافًا واضحةً، ورسمتْ للوصول إليها أساليبَ جيِّدةً تُمكِّن الأمةَ - إذا أحسنتِ استخدامها والتحرُّكَ بها - مِن بلوغ غاياتها في مجالاتِ العلوم والتقدُّم الحضاري.
واللهَ عزَّ وجلَّ نسأل أن يَهديَنا إلى سواءِ الصِّراط.

 

محمد طلعت محمد دنيا

 

  • 4
  • 0
  • 6,088

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً