قراءة شرعية في أوراق المحنة (3)

منذ 2014-05-29

فالحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ليس فقط لمكانتهما من آل البيت – وهو فضل عظيم ثابت – ولكن لهذين الموقفين من الشأن العام للمسلمين، سياسة وصلحا أو مقاومة وإنكارا للباطل، على السواء، وكل منهما أوتي الحكمة ليأخذ الموقف الصحيح في الوقت الصحيح، برغم تباين الموقفين في الظاهر.

  • سيدا شباب أهل الجنة .... لماذا ؟
    إذا اتفقنا على إفساح المجال للشباب ليصبح في صلب دائرة اتخاذ القرار، وأن يمثلوا نسبة معتبرة من قيادة الحراك الدعوي والاجتماعي .. والسياسي، فإن دليلهم وقدوتهم يجب الإشارة إليها بعناية ودقة. سيظل العلماء والدعاة والمفكرون قيادات لها احترامها في تخصصاتها المختلفة، ودون أن تتعداها لغيرها، فالمؤرخ سيظل مرجعا في أمور التاريخ، والفقيه في المسائل الفقهية .. وهكذا، ولكن تبقى القدوة العامة، والتي نرى أن تظل في جيل الصحابة الكرام رضي الله عنهم، أفضل من فهموا مراد الشرع، وأقاموه في حياتهم وفي الناس، وفي الأمم شرقها وغربها.

    وأعطي هنا مثالا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبطيه الحسن والحسين، أنهما «سيدا شباب أهل الجنة»، (رواه الترمذي وقال حسن صحيح). هذا قول لافت يستدعي التأمل لتحري اسباب هذه السيادة، والتي توجه شباب المسلمين للاقتداء بهما رضي الله عنهما.

    لا شك أن كونهما من آل البيت، جزء من هذا الفضل لا خلاف فيه، ولكن التوجيه النبوي، يشير بالضرورة لحياتهما في هذه الدنيا وما أنجزاه فيها، بحيث يتطلع الشباب إلى هذين السيدين فيقتدوا بهما.

    ما هي إنجازات الحسن والحسين رضي الله عنهما؟. دعونا نقترب من هذه النقطة أكثر ونفتش في سيرتهما الكريمة لنصل إلى محل القدوة، وعلامة السيادة!

    أما الحسن رضي الله عنه، فالمنقول من سيرته قليل، وترى فيه خصالا حميدة تعكس نشأته في كنف جده صلى الله عليه وسلم ورعاية أبويه علي وفاطمة رضي الله عنهما، وتجد له أقوالا ماثورة جميلة تدل على صفاء ذهنه وقوة بصيرته. ونعرف أيضا من سيرته، أنه شارك في فتوحات إفريقيا زمن خلافة عثمان رضي الله عنه. وهذه كلها أعمال حسنة ولكن شاركه فيها كل الصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعا، ويبقى العمل الفذ الذي قام به الحسن في تنازله طواعية عن الحكم جمعا لكلمة الأمة، وحقنا لدماء المسلمين في موقف ربما لم يتكرر في التاريخ بهذه الصورة، وهو ما استحق أن يثني عليه رسول الله بما أوحى الله إليه من وراء حجب الغيب فقال عن الحسن «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين»، (رواه البخاري).

    تفاصيل هذا الموقف التاريخي لازمة لنعرف موضع الاقتداء. 
    بايع أهل العراق الحسن للخلافة بعد مقتل أبيه رضي الله عنهما عام 40 هـ، وكان الخلاف محتدما مع أهل الشام الذي كان تحت إمارة معاوية رضي الله عنه. وكان للحسن جيش قوي قوامه أربعون ألف مقاتل، كلهم قد بايع على الموت. كان المشهد العام في غاية الحرج والتوتر، حتى قال معاوية لمستشاره عمرو بن العاص ( أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ ..  فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز فقال اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه . فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له فطلبا إليه فقال لهما الحسن ابن علي إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها . قالا فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك قال فمن لي بهذا ؟ قالا نحن لك به فما سألهما شيئا إلا قالا نحن لك به فصالحه) رواه البخاري.  

    والتقى الحسن معاوية وبايعه وقام فخطب الناس وقال (الحمد الله الذي هدى بنا أولكم وحقن بنا دماء آخركم ألا إن أكيس الكيس التقي وأعجز العجز الفجور وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إما أن يكون كان أحق به مني وإما أن يكون حقي فتركته لله ولإصلاح أمة محمد صلى الله عليه و سلم وحقن دمائهم وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين).

    فاجتمعت كلمة الأمة، وسمي عام 41 بعام الجماعة، وهدأت الثائرة، وسكن الناس، وانتعشت الدعوة وعادت الفتوحات الإسلامية لإيصال رحمة الله وهدايته للعالمين.
    كان الخلاف خلافا على الحق، ونزاعا حول سبل الوصول إليه، ورأى الحسن أن تنازله عن الخلافة – مع بعض الشروط – كفيل بجمع الكلمة، وكان يعرف أن معاوية صحابي جليل من كتاب الوحي، وأنه سياسي بارع استعمله أبو بكر وعمر، وأن كفاءته مشهود بها، وبالفعل استطاع معاوية أن يتألف قلوب المعارضين له، ويجمع كلمتهم ويوجه الجميع ويقود سفينة الأمة ببراعة وحنكة.

    هذا هو الموقف البارز في حياة الحسن، وأما الحسين فقد يبدو الموقف البارز في حياته على النقيض، ولكن عند التأمل ستجده يلتقي مع موقف الحسن في مصب واحد، كما نبع معه من معين واحد.
    وذلك أن الحسين بعد وفاة معاوية، أبى أن يبايع ابنه يزيد، ورأى في ذلك خروجا عن الشرع في جانب من أخطر جوانبه وأشدها تأثيرا وهو الحكم والولاية، ورأى مبايعة يزيد بداية لتوريث الحكم، فأبى وصدع بالحق  وطالب بأن يعود الأمر شورى بين المسلمين. وقد دفع في سبيل جهره بالحق حياته ثمنا لذلك، وحياة بضع عشرة من بيته الكريم، ولم يثنه تراجع ونكوص أهل العراق عن نصرته، فانطبق عليه حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله» (رواه الحاكم - وصححه - والخطيب، وصححه الألباني)

    فالحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ليس فقط لمكانتهما من آل البيت – وهو فضل عظيم ثابت – ولكن لهذين الموقفين من الشأن العام للمسلمين، سياسة وصلحا أو مقاومة وإنكارا للباطل، على السواء، وكل منهما أوتي الحكمة ليأخذ الموقف الصحيح في الوقت الصحيح، برغم تباين الموقفين في الظاهر. 
    سيدا شباب أهل الجنة اجتهدا في أمر الحكم والسياسة الذي به صلاح الأمة، وإقامة الدين، ولشباب المسلمين فيهما القدوة الحسنة والسلف الصالح. 

محمد هشام راغب

كاتب وداعية إسلامي

  • 1
  • 0
  • 1,445

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً