«قِيلوا فإن الشياطين لا تَقيل»

منذ 2014-06-11

نومة القيلولة مستحبة عند جمهور العلماء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قِيلوا فإن الشياطين لا تَقيل» لأن القيلولة تعطي النفس حظها من الراحة في النهار، فإذا جاء الليل استقبلت السهر بقوةٍ ونشاطٍ وانبساط، فيُقوِّي ذلك على الطاعة في الليل بالتهجد والمذاكرة ونحو ذلك..

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا كان النوم بالليل يُجدِّد وينشط ويُحافِظ على خلايا الجسم والدماغ، فإن نوم القيلولة يُساهِم أيضًا في إراحة الدماغ، والاسترخاء البدني، وإزالة التشنج العضلي، وتعزيز قدرة الإدراك والتلقي. فقد أكد العلماء أن فترات القيلولة القصيرة في منتصف النهار، لمدة نصف ساعة، تُلغي تأثير التعب وتُعيد الاستقرار والحيوية والنشاط للذهن والجسم.

كما أكدت البحوث العلمية الحديثة أن أخذ غفوةٌ قصيرة أثناء العمل، يُجدِّد الطاقات الفكرية والجسدية للعاملين، ويزيد إنتاجيتهم وقدرتهم على تحمل ظروف العمل بصورة أفضل. ويؤكد الخبراء أيضًا أن القيلولة أهم مضاد للتوتر والقلق وذلك عبر تقليص مُعدَّل هرمون الكورتيزون المسئول عن التوتر.

لا تقتصِر فوائد القيلولة على تلك المزايا قصيرة المدى من اعتدال المزاج وغيره، وإنما تفيد على المدى الطويل أيضًا، حيث تُقلِّل من فرص الإصابة بالأزمات القلبية والجلطات والسبب المؤدى لهما وهي الضغوط.. فلقد أظهرت إحدى نتائج الدراسات هذا الفارق بحوالي 30% نتيجة أن القيلولة تساعد على انتظام النبض ومعدلات التنفس التي لها تأثيرًا مباشرًا وغير مباشر على القلب. كما أن القيلولة مفيدة جدًا للأولاد، ففي خلالها يُفرِز الجسم هرمونات النمو، وتتنشط اليقظة الجسدية والتوازن النفسي.

تاريخٌ عريق:

يمكن القول بأن القيلولة نِتاجٌ للتقاليد والأعراف الاجتماعية، حيث تدمجها عدة شعوب في تقاليدها اليومية. وهي على الخصوص من نمط حياة سكان البحر الأبيض المتوسط وأمريكا الوسطى والجنوبية، واعتمدتها بعض الشعوب كإستراتيجية للعلاج ومكافحة الأمراض، حيث يتمكن الجسم خلالها من إعادة التوازن ومقاومة الميكروبات.

كما عُرِفَت القيلولة في العديد من الحضارات القديمة، فقد مارسها الصينيون منذ قرون وقرون خلت، وكان الفراعنة يدعون بعضهم البعض للاستمتاع بالقيلولة.

ومن الذين اشتهروا عبر التاريخ بمزاولة القيلولة "نابليون بونابرت" الذي عُرِفَ بإغفاءاته الكثيرة، حتى خلال المجالس الوزارية، حيث يغفو ثم يستيقظ بعد حين ليواصلها، وكان قد نام في "الشينغين" على كرسيه وأمامه جنرالاته الذين انتظروه واقفين حتى استيقظ.

كما اشتهر الفنان "سالفادور دالي" بقيلولة متميزة، حيث كان يسترخي على الكرسي ممسكًا بإصبعيه ملعقة وما إن يغفو حتى تسقط فيستيقظ. واشتهر "وينستون تشرشيل" بنومه ساعتين بعد الظهر. ويكتفي الرئيس الفرنسي السابق "جاك شيراك" بأربع ساعات من النوم ليلًا ويواظب على القيلولة بعد الظهر. كما اشتهر بالقيلولة، كذلك "أيديسون" و"فيكتور هيغو"... وغيرهم.

القيلولة في الإسلام

قال الفيومي في (المصباح المنير): "قال يقيل قيلًا وقيلولة: نام نصف النهار، والقائلة وقت القيلولة".

وقال الصنعاني في (سُبل السلام): "المقيل والقيلولة: الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نوم". ونومة القيلولة مستحبة شرعًا لما فيها من الأثر الإيجابي في حياة الإنسان المادي والمعنوي على حدٍ سواء.

وقد جاء ذكر القيلولة في القرآن الكريم في موضعين هما:

1- قول الله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان:24] أَحْسَنُ مَقِيلًا: أي موضع قائلة، قال الأزهري: "القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحرّ، وإن لم يكن مع ذلك نوم، والدليل على ذلك أن الجنة لا نوم فيها".

وقال ابن عباس وابن مسعود: "لا ينتصِف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار".

2- قول الله عزَّ وجلَّ: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} [الأعراف:4] قال المُفسِّرون: "وهي ساعة غرّة واسترخاء وأمن".

وقد اختلفت عبارات الفقهاء في تحديد وقت نصف النهار المقصود بالقيلولة؛ فذهب بعضهم إلى أنها قبل الزوال وذهب آخرون إلى أنها بعده، قال الشربيني الخطيب: "هي النوم قبل الزوال".

وقال المناوي: "القيلولة: النوم وسط النهار عند الزوال وما قاربه من قبل أو بعد".

وقال البدر العيني: "القيلولة معناها النوم في الظهيرة". والذي يُرجح أن القيلولة هي الراحة بعد الزوال -يعني بعد الظهر- ما (رواه البخاري ومسلم) عن سهل بن سعد رضي الله عنه- قال: "ما كُنَّا نقيل ولا نتغذى إلا بعد الجمعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم" (واللفظ لمسلم).

ونومة القيلولة مستحبة عند جمهور العلماء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قِيلوا فإن الشياطين لا تَقيل» والحديث (حسَّنه الألباني في صحيح الجامع، برقم: [4431]). لأن القيلولة تعطي النفس حظها من الراحة في النهار، فإذا جاء الليل استقبلت السهر بقوةٍ ونشاطٍ وانبساط، فيُقوِّي ذلك على الطاعة في الليل بالتهجد والمذاكرة ونحو ذلك.

قال الإمام الغزالي: "وإنما تطلب القيلولة لمن يقوم الليل ويسهر في الخير، فإن فيها معونة على التهجد، كما أن في السحور معونة على صيام النهار، فالقيلولة من غير قيام الليل كالسحور من غير صيام النهار".

وقال الخطيب الشربيني: "يسن للمتهجد القيلولة، وهي النوم قبل الزوال، وهي بمنزلة السحور للصائم".

وقالوا في الفتاوى الهندية: "ويستحب التنعُّم بنوم القيلولة".

وقال في كشاف القناع: "ويستحب النوم نصف النهار، قال عبد الله: كان أبي ينام نصف النهار شتاءً كان أو صيفًا لا يدعها ويأخذني بها".

وروى الخَلَّال عن أنس رضي الله عنه قال: "ثلاث من ضبطهن ضبط الصوم، من قال وتسحَّر وأكل قبل أن يشرب".

وروي أيضًا عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: "نومة نصف النهار تزيد في العقل".

وقال عبد الله بن شبرمة: "نوم نصف النهار يعدل شربة دواء".

وعمل السلف والخلف على أن القيلولة مطلوبة، حتى إن أحدهم إن لم يستطع القيلولة بالبيت قال في المسجد، وهذا ما يظهر من حكاية خصام علي مع فاطمة رضي الله عنهما، والحديث (أخرجه البخاري [441]) ‏عن ‏سهل بن سعد رضي الله عنه ‏‏قال: "جاء رسول الله‏ صلى الله عليه وسلم ‏بيت ‏فاطمة ‏‏فلم يجد ‏‏عليًا ‏‏في البيت فقال: «أين ابن عمكِ؟»، قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم ‏يقل -ينام القيلولة- ‏‏عندي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏لإنسان: «انظر أين هو؟»، فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏يمسحه عنه ويقول: «قُم‏ ‏أبا تُراب، ‏قم ‏أبا تُراب».

بل الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحافظ على نومة القيلولة، فقد (أخرج البخاري: [2894]): "عن ‏أم حرام بنت ملحان ‏أخت ‏أم سليم رضي الله عنهما، أن رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏قال عندهم، فاستيقظ وهو يضحك. قالت: فقلت يا رسول الله: ما أضحكك؟ قال‏: ‏«رأيت قومًا ممن يركب ظهر هذا البحر كالملوك على الأسرَّة». قالت: قلت يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «فإنكِ منهم». قالت: ثم نام فاستيقظ وهو يضحك. قالت: فقلت يا رسول الله ما أضحكك؟ فقال مثل مقالته. قالت: قلت يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «أنتِ من الأولين». قال فتزوجها ‏عُبادة بن الصامت رضي الله عنهما‏ ‏فغزا في البحر فحملها معه، فلما رجع قرَّبت لها بغلة لتركبها ‏‏فصرعتها، ‏‏فاندقت عنقها فماتت.

وقد كان السلف رضوان الله عليهم يحرِصون عليها أشد الحرص، لِما لها من أثرٍ كبير في حياة الإنسان، حتى إن الواحد ليتابع عُمَّاله وأهل بيته في المحافظة عليها، ففي حديث مجاهد قال: "بلغ عمران عاملًا له لا يَقيل، فكتب إليه: أما بعد فقِلْ فإن الشيطان لا يَقيل".

وعن أبي فروة أنه قال: "القائلة من عمل أهل الخير، وهي مَجَمَّة للفؤاد، مِقْواة على قيام الليل".

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

خالد سعد النجار

كاتب وباحث مصري متميز

  • 10
  • 0
  • 65,528

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً