من أكثر الناس... شبهاً

منذ 2014-06-12

إخواني المعلمين اختصكم الله واصطفاكم وميزكم وجعلكم تتعاملون وتعيشون مع أغلى ما تملك الأمم والدول والمجتمعات بل والبيوت، ألا وهم (الأبناء)، تلك الورود المتفتحة والأغصان الغضة تربية وتعليماً، وأنتم إخواني: الشريحة الأكبر والأقدر لصنع وحماية جيل الحاضر والمستقبل، ليكونوا عقولاً منتجة وسواعد بانية لحضارة بلادهم وأمتهم..

نعم هم من أكثر الناس شبهاً بعمل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، (إنهم المعلمون).
 

قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا *** كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا
أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي *** يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا
أَمُعَلِّمي الوادي وَساسَةَ نَشئِهِ *** وَالطابِعينَ شَبابَهُ المَأمولا
وَالحامِلينَ إِذا دُعوا لِيُعَلِّموا *** عِبءَ الأَمانَةِ فادِحاً مَسؤولا

 

ففي صباح كل يوم ومع إشراقة شمسه يتجه الناس إلى أعمالهم..
فمنهم من يذهب إلى متجره، ومنهم من يذهب إلى مكتبه، ومنهم من يذهب إلى مصنعه، ومنهم من يذهب إلى ورشته، وأنت أخي المعلم وأنتِ أختي المعلمة تتوجهون إلى (المدرسة)، فالأول من هؤلاء العاملين يتعامل مع تلك البضائع بيعاً وشراءاً، والثاني قد أمسك بقلمه لينهي ما تحت يده من معاملات توجيهاً وتعديلاً، والثالث يتعامل مع تلك القطع الحديدية الصلبة فكاً وتركيباً، والرابع أصبح بين السيارات والمحركات إصلاحاً وتلميعاً..

وأنتم إخواني المعلمين اختصكم الله واصطفاكم وميزكم وجعلكم تتعاملون وتعيشون مع أغلى ما تملك الأمم والدول والمجتمعات بل والبيوت، ألا وهم (الأبناء)، تلك الورود المتفتحة والأغصان الغضة تربية وتعليماً، واذهبوا بخيالكم معي إلى بيت خرج أبناؤه وبناته صباحاً إلى مدارسهم، وأمهم قد وقفت خلف بابها تودعهم وأغلقت الباب، ثم نبض قلبها ولهج لسانها: "اللهم احفظهم ووفقهم وخذ بأيديهم"، وهذا ما صنعته وتصنعه أمهاتنا - رزقنا الله برهن والإحسان إليهن-، بل ألاحظ وتلاحظون بعض الأمهات وقد خرجن يصحبن الأبناء والبنات مشياً على الأقدام لإيصالهم إلى مدارسهم.

إخواني: إن المسؤولية عظيمة، والأمانة ثقيلة تجاه طلابنا وطالباتنا، مع التحدي الكبير في المحافظة على الهوية والقيم، في ظل الثقافة العالمية والقرية الكونية الواحدة، ونحن نملك أهم عوامل وأسباب سعادة البشرية ورقِيها وقيام حضارتها من خلال ديننا الإسلامي العظيم، والذي به وعليه يصلح كل زمان ومكان.

وأنتم إخواني: الشريحة الأكبر والأقدر -من تملك الأهلية والتمكن- لصنع وحماية جيل الحاضر والمستقبل، ليكونوا عقولاً منتجة وسواعد بانية لحضارة بلادهم وأمتهم.
 

قُل لِلشَبابِ اليَومَ بورِكَ غَرسُكُم *** دَنَتِ القُطوفُ وَذُلِّلَت تَذليلا

 

كيف لا؟! وأبناؤنا ينتمون إلى أمة المجد سليلها، والتفوق قرينها، والعزة طريقها، والنصر حليفها.
 

والعشق فياضٌ وأمة أحمد *** يتحفز التاريخ لاستقبالها
لو حاولت فوق السماء مكانةً *** رفّت على شمس الضحى بهلالها

 

ونتفق جميعاً على استشعار التسوية بين أبنائنا في بيوتنا ومدارسنا، فجميعهم أبناؤنا، فبقدر ما نهتم ونجهد ونحرص على أداء الأمانة تجاه أبنائنا الطلاب في مدارسنا -تربية وتعليماً-، فسيسخر الله لنا (جزاءاً وفاقاً) من يهتم بأبنائنا ويرعاهم ويحوطهم، -ومن قدم السبت لقي الأحد-، ومن فرط وقصر وأساء في أداء الأمانة المناطة في تربية الطلاب وتعليمهم خاصة، فسيجد غب ذلك وأثره في نفسه وأبنائه، «من غشَّنا فليس منَّا» (الترغيب والترهيب، الرقم: 3/31) قاله صلى الله عليه وسلم لرجل في صُبرة طعام، فكيف إذا كان في تربية وتعليم الأبناء، وعلينا جميعاً أن نستشعر الجسد الواحد، وأن أي تقصير أو خلل فسيؤثر علينا جميعاً.. 

 

ونسمع من بعض معلمينا في بعض مدارسنا من يقول:
"أعط حصتك واضرب الباب!". -وما أدري ماذا صنع لهم الباب حتى يضربوه-؟!
"مالك ومال الخط المعلق"!
حطها في رأس الإدارة واطلع منها!".
أنت صداق زيادة... تراهم لن يزيدوا في راتبك!".

ومثلها من عبارات التنصل عن المسؤولية والسلبية البحتة وعدم الإيجابية، والبعض الآخر قد ألقى بيديه ولا يحرك ساكناً -ولو صعد الطلاب على رأسه وكتفيه-، ومشجب الوزارة وقرارها في إلغاء الضرب جاهز -ولست بصدد مناقشة هذا الموضوع الآن-، وكأن هذا المعلم حتى يُربي ويُعلم لا بد أن يكون (جلاداً) وأقول لأخي تذكر:
أنك من أكثر الناس شبهاً بعمل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ قَطُّ وَلا ضَرَبَ خَادِمًا بِيَدِهِ قَطُّ، وَلا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ إِلا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ..» (إسناده حسن).
 

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم *** فطالما استعبد الإنسان إحسان
وإن أساء مسيء فليكن لك في *** عروض زلته صفح وغفران
وكن على الدهر معواناً لذي أملٍ *** يرجو نداك فإن الحر معوان

 

والبعض عقد العزم على التقاعد بعد 20 سنة من الآن، فخدمته 5 سنوات الآن ولم يعد يحتمل التعليم، و(قرف الطلاب)، ولسان حاله ومقاله -مشى الـ20 سنة بالطول والعرض، وتمشى في المدارس وما عندك أحد!-

وأحسب أن الشريحة الأكبر من إخواني المعلمين، يستشعرون دورهم ويؤدون أمانتهم ويضطلعون بواجبهم، والرائد لا يكذب أهله، وهو ذو صفات متميزة يعد الصدق أهمها، ولا يمكن أن يكذب أهله، ولا أن يخدع قومه، لأنه لا يرضى لهم الهلاك، ولا يمكن أن يكون الإنسان رائداً محبوباً مطاعاً مصدقاً إلا إذا كان أهلاً للثقة، جديراً بالتقدير.

ومن أولئك الرواد الموثوقون الجديرون بالثقة وخاصة في هذا الزمان، هم أنتم إخواني (المعلمين)، وأبشروا وأمِلُوا ما يسركم، وأسوق لكم ثلاثة أحاديث عن نبينا  صلى الله عليه وسلم، تذكر شيئا من فضلكم وعظيم أجركم:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في حجرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير» (رواه الترمذي وهو صحيح).

ومن أكثر معلماً للخير من المعلمين والمعلمات وفرصُة متاحة لكم؟

وقال صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هُدى كان لهُ من الأجر مثل أجور من تبعهُ لا ينقصُ ذلك من ?جورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعهُ لا ينقصُ ذلك من آثامهم شيئاً» (رواه مسلم).

تخيل... طالب تعلم سورة الفاتحة، وحفظها ممن علمه في الصف الأول ابتدائي، ثم إنه قرأ بالفاتحة في صلواته طوال حياته 60 سنة أو تزيد، يقرأ بها في كل فرض ونافلة، فإن حسناته سيكون مثلها في ميزان حسنات من أقرأه وحفظه السورة.

وهل هو طالب واحد؟ لا بل قالوا أن لديه 30 طالباً في الفصل.
وهل علم سنة واحدة؟ لا بل قالوا أنه أمضى 30 عاماً وهو يعلم.

ولك أن تتخيل وتحتسب على ربك الكريم من الأجور ما تشاء -متى ما أخلصت وأحسنت-.
هذا في تعليم سورة واحدة، فما بالك في جميع ما يعلمه المعلم، وكذا تربيته وهديه ودله وسمته مع أبنائه الطلاب.

وقال صلى الله عليه وسلم: «سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من عَلّم علماً، أو أجرى نهراً، أو حفر بئراً، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجداً، أو ورّث مصحفاً، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته» (حسنه الألباني).

والعبد أحوج ما يكون إلى الحسنة، يجري عليه أجره وهو في قبره -اللهم ارحمنا-.

وأول ما يجري عليه: من عَلّم علماً، نكرة في سياق العموم ومعناه أي علم قصد به وجه الله ونفع خلقه (وأعظم تلك العلوم النافعة للخلق توحيد الله الذي يهديهم إليه ويعرفهم به سبحانه)، ثم ما بعده من العلوم الأخرى.
اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، واستعملنا في طاعتك يارب العالمين، آميين.

 

أحمد إبراهيم فقيرة

  • 1
  • 0
  • 1,730

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً