عشريات ابن القيّم - (6) عشر فوائد لغض البصر (1)

منذ 2014-06-23

علاج الحب الفاسد، وبيان عشر فوائد لغض البصر... لابن القيم رحمه الله

قال رحمه الله في الجواب الكافي: "فإن قيل: مع هذ كلِّه فهل من دواء لهذا الداء العضال؟ ورقية لهذا السحر القَتَّال وما الاحتيال لدفع هذا الخبال؟ وهل من طريق قاصد الى التوفيق؟

وهل يمكن السكران بخمرة الهوى أن يفيق؟ وهل يملك العاشق قلبه والعشق قد وصل الى سويدائه؟ وهل للطبيب بعد ذلك حيلة في برئه من سوء دائه؟

إن لامه لائم التذَّ بملامه لذكره لمحبوبه، وإن عذله عذل أغراه عذلُه وسار به في طريق مطلوبه؛ ينادي عليه شاهد حاله بلسان مقاله:

وَقفَ الهوى بي حيثُ أنتِ فليس لي *** متأخَّرٌ عنه ولا مُتَقدَّمُ
وأهنتني فأهنتُ نفسي جاهدًا *** ما مَن يهون عليك ممَّن يُكْرمُ
أشبهت أعدائي فصِرْتُ أحبُّهم *** إذْ كان حظّي منْكِ حظّيَ مِنْهُمُ
أجِدُ المَلامة َ في هواكِ لذيذةً *** حُبًّا لِذكْرِك فَلْيَلُمْني اللُّوَّمُ

ولعل هذا هو المقصود بالسؤال الأول الذي وَقَع عليه الاستفتاءُ، والدَّاء الذي طلب له الدواءِ.

قيل: نعم الجواب من أصله: «ما أنزَل اللهُ مِن داءٍ إلَّا نزَّل له دواءً علِمه مَن علِمه وجهِله مَن جهِله» (الطبراني)، والكلام في دواء هذا الداء من طريقين:
أحدهما: حَسْمُ مادَّتهِ قبلَ حصولِها.
والثاني: قَلْعُها بعدَ نزولها.
وكلاهما يسيرٌ على من يسَّرَه الله عليه، ومتعذّر على من لم يعنْه اللهُ؛ فإنَّ أزمّة الأمور بيديه.

وأمَّا الطريقُ المانع من حصول هذا الداء؛ فأمران:
أحدهما: غض البصر كما تقدّم فإنَّ النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، ومن أطلق لحظاته دامت حسراته.

وفي غض البصر عدة منافع:
 

أحدها: أنه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده، وليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك وتعالى، وما سَعِدَ من سَعِدَ في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره، وما شَقِيَ من شَقِيَ في الدنيا والآخرة إلا بتضييعِ أوامره.

الثاني: أنَّه يمنعُ من وُصولِ أثرِ السمّ المسموم الذي لعلَّ فيه هلاكُه إلى قلبه.

الثالث: أنه يورثُ القلبَ أُنسًا بالله وجمعيَّة على الله؛ فإنَّ إطلاقَ البصرِ يفرِّقُ القلب ويشتِّتُه ويبعدِه من الله، وليس على العبد شيء أضرّ من إطلاق البصر؛ فإنه يوقع الوحشة بينَ العبدِ وبينَ ربِّه.

الرابع: أنه يقوّي القلبَ ويفرِحُه كما أنَّ إطلاقَ البصرِ يُضْعِفُه ويحزنُه.

الخامس: أنه يكسب القلب نورًا كما أنَّ إطلاقه يكسبه ظلمة، ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الأمر بغضِّ البصر؛ فقال: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور من الآية:30]، ثم قال إثر ذلك: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور من الآية:35] أي: مَثَلُ نورِهِ في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه.

وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل جانب، كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان؛ فما شئتَ من بدعة وضلالة، واتباع هوى، واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب الشقاوة!

فإنَّ ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب؛ فإذا فقد ذلك النور بقي صاحبُه كالأعمى الذي يجوسُ في حنادِسِ الظلام.

السادس: أنه يورِثُ الفِرَاسة الصادقةَ التي يميّز بها بين المحقّ والمبطل، والصادق والكاذب، وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول: "مَنْ عَمَرَ ظاهرَه باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغضَّ بصرَه عن المحارم، وكفَّ نفسَه عن الشهوات، واعتاد أكل الحلال: لم تخطئ له فراسة".

وكان شجاعٌ هذا لا تخطئ له فراسة، والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، ومن تركَ شيئًا عوضه الله خيرًا منه، فإذا غضَّ بصره عن محارم الله عوَّضه الله بأن يطلق نور بصيرته؛ فعوَّضَه عن حبسه بصرَه لله، وفتح له باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنالُ ببصيرة القلب.

وضدّ هذا ما وصف الله به اللوطيَّة من العَمَهِ الذي هو ضدُّ البصيرةِ؛ فقال تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر:72]؛ فوصفهم بالسَّكْرَةِ التي هي فسادُ العقلِ، والعَمَهِ الذي هو فَسَادُ البصرِ؛ فالتعلّق بالصوَرِ يوجب فسادَ العقلِ، وعَمَهُ البصيرةِ يُسْكِرُ القلبَ؛ كما قال القائل:

سُكْرانِ سُكْر هوى وسُكْر مُدَامَةٍ *** ومتى إفاقة من به سُكران 

وقال الآخر:

قالوا جُننتَ بمن تهوى فقلت لهم *** العشق أعظم مما بالمجانين
العشق لا يستفيق الدهرَ صاحبُه *** وإنما يصرع المجنون في الحين

 

يُتْبَع..

عبد العزيز بن داخل المطيري

عبد العزيز بن داخل بن عبد ربه المطيري، من مواليد الرياض، 28 رمضان 1394هـ. حصل على الشهادة الجامعية في علوم الحاسب الآلي من جامعة الملك سعود، والشهادة الجامعية في كلية الشريعة من جامعة الإمام.

  • 5
  • 0
  • 22,662
المقال السابق
(5) عشرة أسباب تعين على الصبر على البلاء
المقال التالي
(7) عشر فوائد لغض البصر (2)

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً