لماذا لا نتأثر بقرآن رمضان؟

منذ 2014-07-02

مهما استمعتَ إلى القرآن أو قرأتَه فأنتَ آخذ في الاهتداءِ بتنقية المحل، وتبديد ظلمته واستبدال النور به، وتخليته من الران الذي أكسبتَه إياه بنفسك! حتى إذا نقَّيتَ المحل وطهّرتَه؛ كان الاهتداء بالقرآن بزيادة نور القلب، فيحصل التلذُّذ التام بحصول النور التام، ويحصل الاهتداء التام بعد زوال أثر المعصية زوالا تامًّا!

الحمد لله وحده..

لماذا لا تلتذ وتتأثر بقرآن رمضان؟!

وهل التأثر به هو البكاء لصوت القارئ؟!

القرآن هدًى كله، وهو كلّ الهدى.

ومن صفات ما كان كذلك: أنه بذاته مؤثّر في السامع "غير المعاند ولا المستكبر"، ولا يشترط في ذلك طهارة القلب من كل آفة!

ولو كان يشترط للتأثر بالقرآن طهارةُ القلب من كل آفة؛ لما كان القرآن هو الهادي الشافي!

ولكان في القول بذلك قول بالدور السبقي العدمي المستحيل، فحقيقته: القول باشتراط طهارة القلب قبل استماع القرآن؛ واشتراط استماع القرآن قبل طهارة القلب!

فلماذا لا تتأثر إذن بقرآن رمضان، في وِرد القراءة والصلاة؟

هذا فرض محال!

مهما استمعتَ إلى القرآن أو قرأتَه فأنتَ آخذ في الاهتداءِ بتنقية المحل، وتبديد ظلمته واستبدال النور به، وتخليته من الران الذي أكسبتَه إِيَّاه بنفسك!

حتى إذا نقَّيتَ المحل وطهّرتَه؛ كان الاهتداء بالقرآن بزيادة نور القلب، فيحصل التلذُّذ التام بحصول النور التام، ويحصل الاهتداء التام بعد زوال أثر المعصية زوالًا تامًّا!

ولا بُدَّ أن يعقبه غيابك عن شهود ألم الوقوف، وتِعداد الدقائق، في الصلاة وفي التلاوة!

فالاهتداء بالقرآن ليس هو حصول النور فقط، بل تبديد الظلام أيضًا، وهي هداية أسبق وأهم، وأطول وأجهد.

ولأجل ما فيها من عسرة؛ فإن كثيرًا من الناس لا يصبر عليها، ربما لأجل السأم، أو الانصياع لداعي الهوى، أو الشهوة، أو غير ذلك.

لكن أكثر الناس لا يعي أنه بحاجة إلى مجاهدة طويلة وصبر حتى يزيل آثر الغفلة والذنب من قلبه، ثم يستمتع بالقرآن والصلاة!

والفقيه حقًّا من يعي ذلك، ثم يجاهد نفسه لإصلاح المحل، وتنقيته، مهما طال به الزمان.

* قال الإمام الكبير محمد بن المنكدر: "كابدتُ نفسي أربعين سنة، حتى استقامت"!

* وقال الربانيّ ثابت البناني: "كابدتُ الصلاة عشرين سنة، وتنعَّمتُ بها عشرين سنة"!

ونحو ذلك عن الفقهاء حقًّا كثير.

وهذا الجهاد، هو الجهاد الأفرض، والأعظم، وما سواه تابع له!

إذ هو في الحقيقة: أن تمتلك نفسك، فتقودها، ولا تملكك فتسحبك!

ووالله إن ظنّك في نفسك أن تَثبتَ في ساحة القتال، وأنت لا تملكُها في ركعات وقراءة أعذب كلام وأحلاه، ولا تملكها في كف الأذى عنها، وقد علمتَ أنه أذاها وهلاكها؛ لهو من أعظم الجهل وظن السوء والجاهلية بالله وشرعه، والأمانيّ الكاذبة!

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله» (مُتفقٌ عليه).

* قال التقي ابن تيمية شيخ الإسلام رحمه الله: "جهادُ النفس والهوى؛ أصلُ جهاد الكفار، والمنافقين! فإنه لا يقدر على جهادهم، حتى يجاهدَ نفسَه وهواه أولًا، حتى يخرج إليهم"!

* وقال الشمس ابن القيم قدس الله روحه: "وأفرضُ الجهاد؛ جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا! فمن جاهد هذه الأربعة في الله؛ هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد؛ فاتَه مِن الهدى بحسب ما عطّل"!

* وقال أيضًا: "لما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعًا على جهاد العبد نفسه في ذات الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (مُتفقٌ عليه)؛ كان جهاد النفس مُقدَّمًا على جهاد العدو في الخارج، وأصلًا له! فإنه ما لم يجاهد نفسَه أولًا، لتَفعلَ ما أُمرَت به، وتَتركَ ما نُهيَت عنه، ويحاربَها في الله؛ لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج. فكيف يمكنه جهاد عدوه والانتصاف منه، وعدوُّه الذي بين جنبيه قاهرٌ له، متسلّط عليه، لم يجاهده، ولم يحاربه في الله؟! بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهدَ نفسَه على الخروج" انتهى!

فالمقصود:

أولًا: لا تعجل على نفسك، واعلم أن طريق استقامة النفس طويلة، وشاقة.

ثانيًا: بقدر مكابدتك نفسَك وزجرها عما تحب؛ تملكها، وبقدر ملكك لنفسك؛ تستطيع أن تأطرها على الحق أطرًا.

ثالثًا: إذا أردت الانتفاع بالشهر حقًا؛ فعليك أن تعمل على جهتين:

1- امنع الأذى عن قلبك، وإنما يدخل الأذى إلى القلب رأسًا بلا واسطة من العين والأذن، وشرحه يطول، ودليله في القرآن، فلا تستمع ولا تنظر إلى الكذب ولا الزور، وما أكثر ذلك.

ثم لا تأكل السحت وأقلل من فضول الكلام، بل؛ امنعه!

2- عرّض قلبك لهدى الوحي أطول فترة ممكنة، ولا تسأم، ولا تعجل، ولا تقل: هلكت!

رابعًا: التأثر والتلذُّذ بالقرآن ليس هو البكاء مع الصوت الحسن، الذي رأيتُ بعضَ الأعاجم يفعله تأثرًا بحسن أداء القارئ، وهو لا يفهم حرفًا مما قُرئ!

بل هذا من جنس طرب النفوس بالموسيقى والألحان.

إنما علامة المتلذِّذ بالقرآن ألا يفقد اللذة من أي قارئ يحسن أحكام التلاوة، وإن زاد تلذُّذه بحسن الصوت.

نعم، لا بأس بتتبع حسَنِ الصوتِ في المساجد ولو بعُدت، فقط من باب مصانعة النفس والتحايل عليها!

وعدم البأس مشروط بعلم فاعل ذلك أنه يصانع نفسه ويحايلها، وأنه لا بُدَّ أن يرتقي عن هذه المنزلة الدون!

أما المبالغات والتهويلات التي يعيشها بعض الناس، حتى يضيّع نصف الليل في التنقل من وإلى المسجد، ويمر في طريقه على عشرات المساجد التي يقرأ الناس فيها القرآن، ليس التوراة؛ فلا!

أخيرًا:

جهاد النفس والهوى والشيطان؛ لا ينقطع إلا بالموت، بخلاف غيره!

فوطّن نفسك على استمراره، واعلم أنه لا بُدَّ من غفلاتٍ ورقدات، ولكن لا تُطِل النوم!

قال ابن تيمية: "جِهَاد النَّفس أعمالٌ تعملها النَّفس المزكَّاة فتزكو بذلك أيضًا"!

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك!

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
  • 10
  • 0
  • 2,322

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً