بيت الحكمة (أول أكاديمية علمية في التاريخ)

منذ 2014-08-31

كان هارون الرشيد مغرماً بالعلم والمعرفة، لدرجة أنه كان يقبل الجزية كتباً! بدلاً من تقديمها على شكل أموال، وهذا يدلنا على مدى عناية الرشيد بالكتب وشغفه باقتنائها، ولا أدل على ولع الرشيد بالكتب غير أن عدد الكتب أيامه في بيت الحكمة بلغ المليون كتاب!

في مناخ علمي وفكري ثري، وفي ظل حضارة عالمية وعلمية راقية، تأسس هذا البيت ليكون منارةً للعلوم في عصره، وليكون أول أكاديمية علمية عرفها العالم قبل أن تشيد جامعات هارفارد وأكسفورد والسوربون.

التأسيس:
جاء العصر العباسي وكان بداية ازدهار الحضارة الإسلامية، فازدهرت العلوم والآداب، واهتم الخلفاء بالعلم والمعرفة، وكان من بين هولاء الخلفاء أبو جعفر المنصور الذي ترجمت في عهده كتب الطب والفلك والهندسة والآداب، وكانت تلك الكتب تحفظ في قصر الخلافة ببغداد، حتى جاء هارون الرشيد فقام بإخراج المخطوطات والكتب القيمة التي تم تخزينها في قصر الخلافة ووضعها في دار فاخرة أسماها بـ(خزانة الحكمة) تقديراً لرسالتها.

وكان هارون الرشيد مغرماً بالعلم والمعرفة، لدرجة أنه كان يقبل الجزية كتباً! بدلاً من تقديمها على شكل أموال، وهذا يدلنا على مدى عناية الرشيد بالكتب وشغفه باقتنائها، ولا أدل على ولع الرشيد بالكتب غير أن عدد الكتب أيامه في بيت الحكمة بلغ المليون كتاب!

وما إن جاء عهد الخليفة المأمون حتى تطورت خزانة الحكمة، فنمت وازدهرت وتحولت إلى أكاديمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكان هذا سبباً في تغيير اسمها لتصبح (بيت الحكمة)، إذ أصبح هناك أماكن للدرس، وأماكن لتخزين الكتب، وأماكن للتأليف، وجلب المأمون الكتب من كافة أصقاع الأرض، من الهند وبلاد الروم والفرس، وجمع المأمون في بيت الحكمة أعظم العلماء والمفكرين والمترجمين، وأغدق عليهم العطاء والأموال.

ولم يكتف المأمون بذلك، بل كان يطلب من ملوك البلاد الأخرى نفائس ما في بلادهم من الكتب والمؤلفات، وكان يهددهم بالحرب إذا لم يستجيبوا لمطلبه، فقد طلب من الإمبراطور البيزنطي أن يرسل له الكتب القديمة التي أهملها الروم، فلما تلكأ الإمبراطور في ذلك هدده المأمون بالحرب، فأذعن الإمبراطور وسمح لبعثة عربية بالدخول إلى بلاده لانتقاء بعض الكتب، كما طلب المأمون من حاكم صقلية أن يرسل إليه مكتبة صقلية الشهيرة بكتبها العلمية والفلسفية، فاستجاب له.

حركة الترجمة والتأليف:
نشطت حركة الترجمة في بيت الحكمة، وترجمت الكتب من شتى اللغات إلى اللغة العربية من الفارسية، والآرامية، واليونانية، والقبطية.. وكان المقابل الذي يتقاضاه المترجم على عمله محفزاً للغاية، إذ كان المأمون يدفع مقابل ترجمة كل كتاب وزنه ذهباً! واشتهر في بيت الحكمة عدد كبير من المترجمين مثل: (حنين بن إسحاق، وابنه إسحاق بن حنين، وثابت بن قرة، وأبو سهل الفضل بن نوبخت الفارسي) الذي كان ضليعاً في الترجمة من الفارسية إلى العربية، وكان معظم المترجمين من السريان الذين يعرفون اللغتين العربية واليونانية فكانوا حلقة الوصل بين الثقافتين.

كما نشطت حركة تأليف الكتب، فكانت تسير جنباً إلى جنب مع حركة الترجمة، وشجع المأمون التأليف عن طريق بذل المنح السخية، فاجتمعت أكوام من الكتب في شتى المجالات في الطب والهندسة والفلك والرياضيات والفلسفة والميكانيكا، إلخ..

ومن أشهر العلماء المتألقين في بيت الحكمة:
أولاد موسى بن شاكر (الحسن، وأحمد، ومحمد) الذين اشتهروا ببراعتهم في الرياضيات وعلم الحيل -الهندسة الميكانيكية-، و(الخوارزمي) أبو علم الجبر، و(الفيلسوف الكندي)، و(الجاحظ) الذي اشتهر في الأدب وصاحب كتاب (الحيوان).

النظام الإداري:
وكان لبيت الحكمة نظاماً دقيقاً يسيره، فكان هناك عاملون بداخله، وكانوا يتقاضون رواتب كل حسب وظيفته، فهناك المؤلفون والمترجمون والنساخون الذين يقومون بالكتابة.. إلخ، ويقسم النشاط في بيت الحكمة إلى حجرات، فهناك حجرات مخصصة لمطالعة الكتب، وأخرى مخصصة لنسخ الكتب، وثالثة للدرس والمناقشة، وكانت هناك حجرات مخصصة للاستماع إلى الموسيقى، يقصدها الدارسون بهدف الترفيه كلما أعياهم الكد والبحث.

وكانت الكتب تقسم إلى أقسام حسب اللغة، فهذا قسم اللغة الفارسية، وذلك مخصص للسريانية، وآخر مخصص للكتب اليونانية، وكل قسم يشرف عليه مشرف، والجميع يعودون في شئونهم إلى شخص أعلى، وهكذا كان هناك تنظيماً دقيقاً لشئون البيت.

كانت تلك رحلة قصيرة في أغوار التاريخ عن إبداع الحضارة الإسلامية في العلوم والآداب باستحضار أحد أهم المؤسسات العلمية في التاريخ الإسلامي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
- كتاب (بيت الحكمة في عصر العباسيين) د. خضر أحمد عطا الله
- كتاب (ألف اختراع واختراع ) المحرر المسئول: البروفيسور: سليم الحسني.
- بيت الحكمة البغدادي وأثره في الحركة العلمية في الدولة العباسية، رسالة ماجستير مقدمه من: رفيدة إسماعيل عطا المنان إسماعيل: جامعة الخرطوم.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

أحمد السعيد

كاتب إسلامي متخصص في التاريخ

  • 14
  • 1
  • 13,140

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً