الأحكام السلطانية للماوردي - (52) زكاة الزروع (4)

منذ 2014-09-24

كل نبات مكيل مدخر كالحبوب واللوز والفستق والتمر والزبيب والبذور والصعتر والأشنان ونحوها، إذا بلغ صافيًا يابسًا خمسة أوسق ففيه العشر مصفَّى يابسًا إذا سقي بالغيوث والسيوح، وإن سقي بكلفة كالدواليب والنواضح فنصف العشر

فَصْلٌ: "في زكاة الزروع" (4)

وَالْمَالُ الثَّالِثُ: الزُّرُوعُ:

أَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ الزَّكَاةَ فِي جَمِيعِهَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تَجِبُ إلَّا فِيمَا زَرَعَهُ الْآدَمِيُّونَ قُوتًا مُدَّخَرًا، وَلَا تَجِبُ عِنْدَهُ فِي الْبُقُولِ وَالْخُضَرِ، وَلَا تَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِيهِمَا، وَلَا فِيمَا لَا يُؤْكَلُ مِنَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ، وَلَا فِيمَا يَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّونَ مِنْ نَبَاتِ الْأَوْدِيَةِ وَالْجِبَالِ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ عِنْدَهُ مِنْ عَشَرَةِ أَنْوَاعٍ: الْبُرُّ، وَالشَّعِيرُ، وَالْأَرُزُّ، وَالذُّرَةُ، وَالْبَاقِلَّاءُ، وَاللُّوبْيَاءُ، وَالْحِمَّصُ، وَالْعَدَسُ، وَالدُّخْنُ، وَالْجُلُبَّانُ.

فَأَمَّا الْعَلَسُ: فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْبُرِّ يُضَمُّ إلَيْهِ، وَعَلَيْهِ قِشْرَتَانِ، لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ بِقِشْرَتِهِ إلَّا إذَا بَلَغَ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، وَكَذَلِكَ الْأَرُزُّ فِي قِشْرَتِهِ، وَأَمَّا السُّلْتُ فَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الشَّعِيرِ يُضَمُّ إلَيْهِ، وَالْجَاوَرْسُ: نَوْعٌ مِنَ الدُّخْنِ يُضَمُّ إلَيْهِ، وَمَا عَدَاهُمَا أَجْنَاسٌ لَا يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى غَيْرِهِ، وَضَمَّ مَالِكٌ الشَّعِيرَ إلَى الْحِنْطَةِ، وَضَمَّ مَا سِوَاهُمَا مِنَ الْقُطْنِيَّاتِ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ.

وَزَكَاةُ الزَّرْعِ تَجِبُ فِيهِ بَعْدَ قُوَّتِهِ وَاشْتِدَادِهِ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ دِيَاسِهِ وَتَصْفِيَتِهِ إذَا بَلَغَ النِّصْفَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَلَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَهَا، وَأَوْجَبَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ إِذَا جَزَّ الْمَالِكُ زَرْعَهُ بَقْلًا أَوْ قَصِيلًا لَمْ تَجِبْ زَكَاتُهُ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ؛ وَلَا يُكْرَهُ إنْ كَانَ لِحَاجَةٍ[1].

وَإِذَا مَلَكَ الذِّمِّيُّ أَرْضَ عُشْرٍ فَزَرَعَهَا، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا عُشْرَ فِيهَا عَلَيْهِ وَلَا خَرَاجَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُوضَعُ عَلَيْهَا الْخَرَاجُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهَا بِإِسْلَامِهِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُؤْخَذُ مِنْهَا ضِعْفُ الصَّدَقَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنَ الْمُسْلِمِ، فَإِذَا أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهَا مُضَاعَفَةُ الصَّدَقَةِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْهَا صَدَقَةُ الْمُسْلِمِ وَلَا تُضَاعَفَ[2].

وَإِذَا زَرَعَ الْمُسْلِمُ أَرْضَ خَرَاجٍ أُخِذَ مِنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عُشْرُ الزَّرْعِ مَعَ خَرَاجِ الْأَرْضِ، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَاقْتَصَرَ عَلَى أَخْذِ الْخَرَاجِ وَحْدَهُ، وَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضَ خَرَاجٍ عَلَى مُؤَجِّرِهَا وَالْعُشْرُ عَلَى مُسْتَأْجِرِهَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عُشْرُ الزَّرْعِ عَلَى الْمُؤَجِّرِ وَكَذَلِكَ الْمُعْمِرِ؛ فَهَذِهِ الْأَمْوَالُ الثَّلَاثَةُ كُلُّهَا أَمْوَالٌ ظَاهِرَةٌ.

________

(1) قال عبد السلام بن تيمية من الحنابلة: كل نبات مكيل مدخر كالحبوب واللوز والفستق والتمر والزبيب والبذور والصعتر والأشنان ونحوها، إذا بلغ صافيًا يابسًا خمسة أوسق ففيه العشر مصفَّى يابسًا إذا سقي بالغيوث والسيوح، وإن سقي بكلفة كالدواليب والنواضح فنصف العشر، وما زاد فبحسابه، فإن سقي نصفه سيحًا ونصفه نضحًا وجب ثلاثة أرباع عشره، وإن كان أحدهما أكثر فالحكم له نصّ عليه. وقال ابن حامد: يجب بالقسط وإن جهل المقدار وجب العشر على المنصوص، وعلى قول ابن حامد يجعل منه نضحًا المتيقن والباقي سيحًا، ويؤخذ بالقسط ونصاب الأرز والغلس وهو نوع حنطة يدخر في قشره إذا صفِّيَا كغيرهما، وفي قشريهما عشرة أوسق، والوسق ستون صاعًا، والصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي، ويزكّى الزيتون إذا بلغ خمسة أوسق كيلًا نص عليه، ويخرج منه وإن صفَّاه فأخرج عشر زيته فهو أفضل، وعنه لا زكاة فيه، ولا زكاة مكيل مدخر كالجوز والتين والخضر ونحوها إلا القطن والزعفران، فإنهما على روايتين وفي العصفر والورس وجهان، فإن قلنا: يجب، فنصابهما ما قيمته كقيمة نصاب من أدنى نبات يزكّى، وقال القاضي: العصفر تبع للقرطم ولا يزكى حتى يبلغ، وتضم الحبوب بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، وعنه: لا يضم جنس إلى غيره، ومنه تضم الحنطة إلى الشعير والقطنيات بعضها إلى بعض، وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض كزرعه، ومن كان في ثمره جيد ورديء ووسط أخذ من كل نوع حصته، إلا أن يعسر التمييز فيؤخذ الوسط. (المحرر في الفقه: [1/ 221]).
 (2) قال ابن قدامة المقدسي من الحنابلة: وما وقفه الإمام فهو مخير بين إقرار أهله فيه بالخراج وبين إجلائهم وجلب غيرهم؛ لأن الأرض قد ملكت عليهم، فأمَّا ما جلي عنها أهلها خوفًا من المسلمين فتصير وقفًا بنفس الظهور عليها؛ لأنها ليست غنيمة فتقسم، وعنه لا تصير وقفًا حتى يقفها الإمام؛ لأن الوقف لا يثبت بنفسه، وحكمها حكم العنوة إذا وقفت، وكذلك الحكم فيما صالحونا عليه، على أن الأرض للمسلمين، وتقر في أيديهم بالخروج، فأما إن صالحناهم على أن الأرض لهم ولنا عليها الخراج فهذه ملك لأربابها متى أسلموا سقط عنهم؛ لأنه بمنزلة الجزية فيسقط بالإسلام كالجزية، ولهم بيعها والتصرف فيها، وإن انتقلت إلى مسلم لم يؤخذ خراجها لما ذكرناه. [الكافي في فقه ابن حنبل: 4/ 329].

الكتاب: الأحكام السلطانية
المؤلف: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ)
الناشر: دار الحديث  القاهرة
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

المصدر: المكتبة الشاملة
  • 0
  • 0
  • 1,108
المقال السابق
(51) زكاة الثمار: (3)
المقال التالي
(53) زكاة الذهب والفضة (5)

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً