الاعتذار وقبول الأعذار

منذ 2014-10-16

إن الاعتذار شاق على كثير من الناس، وقليل من يستسيغه ويتحمله وخاصة بين من يعتدون بأنفسهم، ممن نشؤوا منذ نعومة أظفارهم على الأثرة والترفع،

منذ اللحظة الأولى التي يفتح فيها كل منا عينيه في الصباح إلى أن تأتي اللحظة التي يغمض فيها عينيه مستسلمًا للنوم في المساء، وكل منا يواجه عشرات المواقف الحياتية، ويتخذ ربما فيها مئات القرارات وردود الأفعال، ولعل الكثير منها يكون صائبًا -حسب وجهة نظر الشخص نفسه- وربما يشوب قرارات منها الخطأ وسوء التقدير واختلاف الفهم بالنسبة للآخرين، فهل يملك كل منا الشجاعة الكافية لكي يعتذر عن أخطائه التي ارتكبها بقصد أو بسوء فهم؟ وهل يقبل بكل سعة صدر عذر من جاءه معتذرًا عن خطأ ارتكبه؟

إن كانت إجابتك الصادقة الفعلية بنعم في السؤالين، فاعلم أنك في سعادة عظمى، وأنك مستريح من أكثر ما يزعج الإنسان ويقلقه ويكدر عليه عيشه في الدنيا، وستقل مشكلاتك مع الناس إلى حد بعيد، وستربح قلبك أنت أولا لأنك ستريحه من عذابات كثيرة تحطم القلوب، ولذا يكمن جزء كبير من راحة المؤمن وسعادته في الاعتذار وقبول الأعذار.

إن الاعتذار شاق على كثير من الناس، وقليل من يستسيغه ويتحمله وخاصة بين من يعتدون بأنفسهم، ممن نشؤوا منذ نعومة أظفارهم على الأثرة والترفع، فيصعب عليهم جدًا أن تخرج كلمة الاعتذار من أفواههم أو أن يقبلوا اعتذار ممن يعتذر، ويحتاج الأمر لكثير من المجاهدة لكي تسلس للمرء قيادة نفسه حتى يقبل بالأمرين.

ربما يسهل على المرأة النطق بجمل الاعتذار، بل أحيانًا ما تكون جمل الاعتذار من مفردات حديثها الطبيعي، ولكن الصعوبة الحقيقية في اعتذار الرجل وخصوصًا في عالمنا العربي، إذ يعتبر معظمهم -لعوامل تربوية متجذرة في الأعماق- أن الاعتذار في حد ذاته جالب للمهانة ومنقص للكرامة.

إن من الإنصاف أن نذكر أن الاعتذار أيسر كثيرًا في ثقافة الغربيين والآسيويين، إذ يُقدم أحدهم الاعتذار قبل أداء الخدمة وأثناءها وبعدها حتى يُشعرك بالحرج الشديد من كثرة اعتذاراته، ولا يكون غريبا على مجتمعاتهم أن يخرج عليهم مسؤول رسمي كبير في وسيلة إعلامية وهو يقدم الاعتذار للشعب عما بدر منه حتى يصل الأمر إلى انتحاره -وهذا محرم في شريعتنا- من شدة تأسفه وخجله مما تسبب فيه بقصد أو بتقصير وإهمال.

يتعلق الأمر كثيرًا بالعادات التي يكتسبها الإنسان من تربيته الأولى، والتي يسهل في صغره غرس جميع الأفكار والعادات فيه، ولكنها يصعب تغييرها بعد ذلك إلا بحهد كبير من الإنسان بعد معارك طويلة يخوضها مع نفسه.

ويكتسب الطفل بداية هذه المعاني عمليًا لا قوليًا من تصرفات والديه أمامه، فإن سمع والديه أو أحدهما لا يعتبر أن الاعتذار مضيعة للكرامة وأنه من السهل عليه أن يُخطئ نفسه ويراجع موقفه ويتهم نفسه أنه المقصر في أي شيء، لهان على الولد أن يعتذر بعد ذلك، أما إذا رأى الطفل نقيض ذلك تمامًا وسمع من والديه أو أحدهما أنه لن يعتذر حتى لو كان مخطئًا وليكن ما يكون، فسيرسخ ذلك المعنى داخله ولن يكون الاعتذار عليه سهلًا في يوم من الأيام.

وربما يزيد بعض الآباء من صعوبة الأمر على ولده، بأن يطلب منه صراحة ويلقنه تلقينا أنه -أي الطفل- أفضل من الجميع وأنه فوق الناس، وينبغي عليه ألا يعتذر لأحد عن موقف حتى لو كان مخطئًا، ويكثر ذلك بين الذكور وبصفة خاصة في الأسر التي يقل فيها الذكور ويكثر الجاه أو المال، ويجعلان الاعتذار أكثر صعوبة قد تصل لدرجة الاستحالة إن كان الخطأ في حق فتاة أو امرأة، وتبدأ مباركة الآباء لذلك في تعاملات الولد مع أخواته البنات، وبهذا إذا كبر ذلك الطفل وتزوج وتعرض لمواقف مع زوجته، فقد تحول كلمة اعتذار بينه وبين هدم بيته ولكنه لن يقولها أو لن يقبلها من زوجته إن كانت هي المخطئة.

كم من بيوت خربت وكم من قضايا رفعت وأضاعت الوقت والجهد والمال، وكم من عداوات دامت طويلًا وأثرت على أجيال متعاقبة وتسببت في قطيعة أرحام طويلة ممتدة، وكم من دماء أهريقت بين الرجال أو الأسر، وكان يكفي لوأدها في مهدها كلمة واحدة فقط وهي كلمة الأسف أو الاعتذار، والتي لو قيلت بعد مرور وقت لن تجدي نفعًا ولن يكون لها أية قيمة ولا أثر، فلِم تتكبر عنها النفوس التي تعلم أن العودة للحق خير من التمادي في الباطل؟

ولنا في خير الناس صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، إذ نراه يرق لرجل ويكرمه لمجرد أنه عبس في وجهه مرة واحدة -وهو أعمى لم ير ذلك العبوس- بعد أن أنزل الله في شأنه قرآنًا معاتبًا نبيه صلى الله عليه وسلم، ففي مسند أبي يعلى عن أنس رضي الله عنه قال: "جاء ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يكلِّم أُبي بن خلف، فأعرض عنه، فأنزل الله: عَبَسَ وَتَوَلَّى قال: فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه"، ونجده صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يطيب خاطره وهو الأعمى الذي لا يستطيع القتال، فنجده في غير مرة يوليه الإمارة على المدينة عند خروجه صلى الله عليه وسلم للقتال.

ولنا فيه صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة في قبول اعتذار المعتذر، فكان لا يرد معتذرًا لما كان فيه من كرم نفس وحسن خلق، ففي موقفه مع حادثة قتل ابنته زينب رضي الله عنها خير دليل على سعة عفوه وعظيم نفسه، فعند هجرتها رضي الله عنها دفعها رجل كان مشركًا وقتها وهو هبار بن الأسود، دفعها وهي حبلى فسقطت من فوق بعيرها فأسقطت جنينها ولا زالت مريضة في المدينة بعدها حتى لقيت ربها، فيذكر ابن حجر القصة في الإصابة أن هبار بن الأسود نخس زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أرسلها زوجها أبو العاص بن الربيع إلى المدينة فأسقطت، وبعد الفتح يأتي هبار إلى رسول الله ويعتذر إليه فيقول ابن حجر: "فوقف هبار فقال: السلام عليك يا نبي الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، ولقد هربت منك في البلاد وأردت اللحاق بالأعاجم ثم ذكرت عائدتك وصلتك وصفحك عمن جهل عليك، وكنا يا نبي الله أهل شرك فهدانا الله بك وأنقذنا من الهلكة فاصفح عن جهلي وعما كان يبلغك عني فإني مقرٌ بسوء فعلي، معترفٌ بذنبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قد عفوت عنك وقد أحسن الله إليك حيث هداك إلى الإسلام والإسلام يجب ما قبله»".

والمواقف كثيرة في قبول رسول الله للأعذار منها موقفه من مشركي مكة يوم الفتح، وموقفه من ابن عمه أبي سفيان بن الحارث، وكلها مشهورة ومعلومة، وكذلك مواقف اعتذار صحابته لبعضهم البعض كما حدث بين بلال وأبي ذر رضي الله عنهما، وكعفو أبي بكر عن مسطح، ما يدلنا على سمة عظيمة سادت بين هذا الجيل الذي اختصه الله بكل الخير واختارهم الله لصحبة نبيه، فهلا تأسينا بهم؟!

ليس من يعتد بنفسه حقيقة من يأبى الاعتذار إن أخطأ، ولكن المعتد بنفسه المكرم لها هو من يصون نفسه ولا يوردها مورد الخطأ كي لا يُضطر إلى الاعتذار، ففي السلسلة الصحيحة للألباني عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صل صلاة مودع، كأنك تراه، فإن كنت لا تراه، فإنه يراك، وأيس مما في أيدي الناس تعش غنيًا، وإياك وما يُعتذر منه»، ويوصى بها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ولده عند موته فيقول: «وإياك وما يُعتذر إليه من العمل والقول واعمل ما بدا لك».

وما كانت التوبة إلى الله سبحانه إلا المظهر الأسمى للاعتذار، حين يرفع العبد كف ضراعته إلى ربه نادمًا باكيًا متعذرًا يقول كما قال أبواه بعد أول ذنب ارتُكب بين البشر: {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف:23]، وما كان مَن الله وكرمه ومغفرته إلا أنموذجًا علويًا لقبول المعذرة من المخطئين التائبين المعتذرين.

هناك منزلة عظمي لا يدركها إلا كل من صفا قلبه وسمت روحه، وهي التماس الأعذار للمخطئين حتى قبل أن يعتذروا هم بأنفسهم، فالمدرك لحقائق النفس البشرية الذي يعرف دروبها ومسالكها جيدًا قد يجد الأعذار للمخطئ بمجرد وقوع الخطأ، فيسلم قلبه من أي عرض يؤثر عليه وتسلم جوارحه من أي فعل قد يرتكبه ساعة غضبه، ففي البخاري قال أنس رضي الله عنه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصفحة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: «غارت أمكم» ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت".

وينبغي على المخطئ أن يسارع في الاعتذار، لأن البطئ فيه يزيد الهوة بينهما ويغلف القلوب بحجاب يزداد سمكه بالوقت ويفتح الباب لكل شيطان من الإنس أو الجن للعبث بالقلوب وتغييرها.

وينبغي على المعتذر أن يجعل اعتذاره -ما أمكنه- بمثل ما كانت إساءته، فالسر بالسر والعلانية بالعلانية، فلا يصلح أن يكون الخطأ معلنًا والاعتذار مستورًا فهذا ليس من الإنصاف، ومن زيادة حسن الخلق وسعة الكرم أن يكون الخطأ سرًا والاعتذار علنًا فهذا دليل على صدرٍ رحبٍ ونفسٍ عالية.

وينبغي على المُعتذر إليه أن يقبل الاعتذار العملي ولا يشترط اللفظي، فكثير من الناس من لا يمتلك القدرة على التلفظ بالاعتذار، ولكنه يأتي بأفعال ليس لها إلا معنى الاعتذار الضمني، فيبغي قبول ذلك منه ومعاونته على نفسه كي لا يغلبه شيطانه ويفسده بعد أن سار في طريق الإصلاح.

يحيى البوليني| 27/5/1432 هـ

  • 12
  • 2
  • 29,421

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً