نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

حلق رأس المولود بين الإعجاز العلمي والتحدي التربوي

منذ 2014-10-27

يقول الدهلوي: "إن المولود لما انتقل من الجنينية إلى الطفولة، كان ذلك نعمة يجب شكرها، وأحسن ما يقع به الشكر ما يؤذن أنه عوضه، فلما كان شعر الجنين بقية النشأة الجنينية، وإزالته أمارة للاستقلال بالنشأة الطفولية، وجب أن يؤمر بوزن الشعر فضة، وأما تخصيص الفضة؛ فلأن الذهب أغلى ولا يجده إلا غني، وسائر المتاع ليس له بال بزنة شعر المولود".ا.هـ

من الشعائر الإسلامية التي سنَّها النبيُّ صلى الله عليه وسلم والمتعلقة بالمولود: حلق رأسه يوم سابعه، والتصدُّق بوزن شعره فضة، قال أبو عمر بن عبدالبر: "أما حلق رأس الصبي عند العقيقة، فإن العلماء يستحبون ذلك".

وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم كما في حديث سمرة عند أهل السنن قال: «كلُّ غلامٍ رَهِينَةٌ بعقِيقَتِهِ، تُذبَحُ عَنهُ يومَ سابِعهِ، وَيُسَمَّى فيه، ويُحلَقُ رأْسُهُ» (صحيح).

عن الحسن عن سمرة قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الغلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع، ويسمى، ويحلق رأسه»[1].

وعن علي بن حسين عن أبي رافع قال: لما ولدت فاطمة حسنًا قالت: "ألا أعقُّ عن ابني بدم؟ قال: «لا، ولكن احلقي رأسه، وتصدقي بوزن شعره من فضة على المساكين والأوفاض»، وكان الأوفاض ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم محتاجين في المسجد، أو في الصفَّة، ففعلت ذلك، قالت: "فلمَّا ولدت حسينًا، فعلت مثل ذلك"[2].

وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة لما ولدت الحسن: «احلقي رأسه وتصدَّقي بوزن شعره فضة على المساكين»[3].

وروى الإمام مالك أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها وزنت شعر الحسن والحسين وزينب وأُم كلثوم، فتصدَّقت بزنة ذلك فضَّة[4].

قال الحافظ أبو زرعة العراقي: "وفيه استحباب حلْق رأس المولود يوم السابع؛ وبه صرَّح الشافعية والحنابلة، ومن المالكية: ابن حبيب وابن شعبان وغيرهما، وابن المنذر وابن حزم"[5].

وأما التصدق بوزن الشعر المحلوق فضة، فقد جاء في مصنف عبدالرزاق عن أبي جعفر قال: "كانت فاطمة بنت رسول الله لا يولد لها مولود إلا أمرت بحلق رأسه وتصدَّقت بوزنه ورقًا"[6].

الذكر والأنثى في الحلق سواء[7]

واختلف العلماء في حلق شعر المولود الأنثى، فذهب الشافعية والمالكية إلى أنه سنة كذلك؛ قياسًا على الذكر، ولعموم النصوص الواردة في سنية الحلق.

وذهب الحنابلة إلى كراهة حلق شعر المولود الأنثى، قال البُهُوتي في كشاف القناع: "ويُحلق رأس الذكر لا الأنثى يوم سابعه، ويُتصدَّق بوزنه ورقًا". ا.هـ

والراجح -والله أعلم- أن السنيَّة في حلق شعر المولود تعم الذكر والأنثى؛ لما سبق ذكره.ا.هـ[8]

الحكمة من الحلق

وكما هو عهد التشريع الإسلامي الذي لا يُلزِم المسلمين بتشريعاته تعنُّتًا وإرهاقًا؛ بل لحِكَمٍ ومقاصدَ سامية، فضلاً عن كونها طاعة وقربة لله تعالى؛ فإنها تحمل الخير في الجانب الصحِّي والتربوي الفردي والاجتماعي.

1. الجانب الصحِّي:
يقول الأطباء: ينبُت شعر الجنين خلال الشهر الثالث أو الرابع من الحمل، وتطفو على بشرة جسمه مادة شمعية رطبة عازلة شبيهة بطلاء دهني يكسو الجلد، وتقي هذه المادة بشرة الجنين من الجفاف الذي قد تُسببه مكونات السائل السلوي داخل الرحم، وعند الولادة تظل هذه المادة العازلة على جسم الجنين لحمايته خلال اللحيظات التي تلي ولادته من الصدمات المحتملة للجو الجديد الذي يجده خارج رحم أمِّه الدافئ، وتُنبت البصيلات شعيرات رفيعة وناعمة عديمة اللون على جسم الجنين بكامله، ويُطلَق على هذا الشعر الذي يكسو جسم الجنين: "زغب الجنين" أو "الشعر الجنيني".

ومن الناحية العلمية: إن شعر الطفل يكون حاملاً لبعض الميكروبات بسبب الولادة، وحلاقة الشعر تحمي البصيلات من هذه الميكروبات، وتظل سليمة، ويخرج الشعر من جديد نظيفًا معافًى.

ويُؤكِّد الأطباء أن حلاقة شعر الطفل بعد فترة طويلة من الولادة لا فائدة منها؛ لأن البُصَيلات يكون قد وصل لها ما وصل وضعفت.

وكان حلق رأسه لإماطة الأذى عنه، وإزالة الشعر الضعيف؛ ليخلفه شعر أقوى وأمكن منه، وأنفع للرأس، مع ما فيه من التخفيف عن الصبي، وفتح مسام الرأس؛ ليخرج البخار منها بيسر وسهولة، وفي ذلك تقوية بصره وشمِّه وسمعه، وحلاقة شعر المولود نهائيًّا تساعد على نمو أفضل من السابق وأنعم بكثير، ولكن بشرط أن يتم هذا في خلال الأسبوع الأول من عمر الطفل.

بل إن الشعر الجديد يكون في الغالب مختلفًا عن شعر الرَّحِم الجنينِيّ، سواء من حيث اللون أو الكثافة أو النوع؛ ولذلك فإن على الوالدين أن يَعِيَا أن شعر الرأس الجنيني الذي يولد به الرضيع ليس هو الشعر نفسه الذي سيلازمه بقية حياته، وهو ما يحدث فعلاً بعد بضعة أشهر؛ إذ يبدأ شعر الرحم الرفيع جدًّا والناعم في التَّساقط، ويُستبدل به شعر آخر بديل يكون مختلفًا.

ويقول الدكتور مايكل سميث -طبيب أطفال ومتخصص في الأمراض الجلدية-: "لا بأس على الأبوين بحلق شعر رأس مولودهما الجديد إذا أرادا ذلك، لكن عليهما أن يختارا حلاَّقًا جيِّدًا؛ حتى يحرص على حلق شعر الرضيع برِفْق، ودون أن يُحدِث في فروة شعره أيَّ جُرْح".

يقول الدكتور صالح بن أحمد رضا: "إنَّ في إزالة شعر رأس المولود نظافة وحماية وراحة ونشاطًا، فالحلاقة هي أفضل وسيلة للنظافة مما قد يعلق في الشعر من الأوساخ".

يقول الدهلوي: "إن المولود لما انتقل من الجنينية إلى الطفولة، كان ذلك نعمة يجب شكرها، وأحسن ما يقع به الشكر ما يؤذن أنه عوضه، فلما كان شعر الجنين بقية النشأة الجنينية، وإزالته أمارة للاستقلال بالنشأة الطفولية، وجب أن يؤمر بوزن الشعر فضة، وأما تخصيص الفضة؛ فلأن الذهب أغلى ولا يجده إلا غني، وسائر المتاع ليس له بال بزنة شعر المولود".ا.هـ

2. الجانب الاجتماعي:
تتجسد الحكمة الاجتماعية لهذه الشعيرة في تعزيز روح التكافل الاجتماعي، ومشاركة المسلم أفراحه مع الفقراء.

إشاعة جو من الفرح والسرور في الأسرة، والحفاوة بهذا الإنسان الجديد، وإظهار روح التكافل الاجتماعي والتراحم والإحسان إلى الآخرين.

وفي ذلك أيضًا القضاء على الأمراض القلبية التي قد تنشأ عند البعض نتيجة الحقد والحسد، وكذلك فهو حث على النظافة، واهتمام بالمظهر الذي هو عنوان الشخصية المسلمة، والشريعة الإسلامية مليئة بالأحكام المتعلقة بنظافة المسلم.

ويتفرع عن الحلق مسألة القزع:
ومعناه: حلق بعض رأس الصبي وترك بعضه، وجاء النهي عنه صريحًا، في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القزع".
والقزع الذي يشمله النهي أربعة أنواع:
الأول: أن يحلق من رأسه مواضع من هاهنا وهاهنا.
الثاني: أن يحلق وسطه ويترك جوانبه.
الثالث: أن يحلق جوانبه ويترك وسطه.
الرابع: أن يحلق مُقدمه ويترك مُؤخره.

وهذا كله -كما يقول ابن القيم- من كمال محبة الله ورسوله للعدل، فإنه أمر به حتى في شأن الإنسان مع نفسه، فنهاه أن يحلق بعض رأسه ويترك بعضه؛ لأنه ظُلْم للرأس حيث ترك بعضه كاسيًا وبعضه عاريًا، ونظير هذا أنه نهى عن الجلوس بين الشمس والظل، فإنَّه ظُلْم لبعض بدنه، ونظيره أيضًا أنَّه نهى أن يمشى الرجل في نعل واحدة، بل إما أن ينعلهما أو يحفيهما[9].


---------------------
[1] (رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني في المشكاة).

[2] (أخرجه البيهقي، وأحمد [6/390،392]، قلت (الألباني): "وإسناده حسن"، وقال الهيثمي [4/57]: "رواه أحمد، الطبراني في "الكبير"، وهو حديث حسن").

[3] (رواه أحمد، وحسَّنه الألباني في المشكاة [1175]).

[4] (الموطأ [1083]).

[5] (طرح التثريب [5/1413]). 

[6] (أخرجه عبدالرزاق من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينارعن أبي جعفر [4/333]. ورق: يعني فضة).

[7] (فتاوى الشبكة الإسلامية؛ عنوان الفتوى: "هل يحلق شعر المولود الأنثى؟"، رقـم الفتوى [17732]، تاريخ الفتوى: الخميس 3 ربيع الآخر 1423/13-6-2002).

[8] هل يحلق رأس الأنثى؟ (نثر الورود بأحكام المولود، ماجد بن عبدالله السبت):
قولان للعلماء: أظهرُهما -والله أعلم-: هو أن السنَّة حلق رأس الذكر والأنثى عند تسميته في اليوم السابع، وهو قول بعض فقهاء الحنابلة وغيرهم؛ وذلك لأمرين: 
الأول: يرجع للمعنى اللغوي للعقيقة: حيث يقول ابن منظور: "وأصل العقيقة: الشَّعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، وإنما سمِّيت تلك الشاة التي تذبح في تلك الحال عقيقة؛ لأنه يحلق عنه ذلك الشعر عند الذبح؛ ولهذا قال في الحديث: «أميطوا عنه الأذى»، يعني بالأذى ذلك الشعر الذي يحلق عنه، وما دام أن الأنثى يُعق عنها، فكذلك يُحلق رأسها.
ولأن لفظ المولود يشملهما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «النِّساء شقائق الرجال»، فما يثبت للرجال يثبت للنساء، خاصة إذا كان لفظ الحديث يدل على ذلك، ويؤيِّده قول الله تعالى: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء من الآية:1].
ومما يقوي هذا العموم كذلك: ما تقدَّم ذكره عند عبد الرزاق في مصنَّفه عن فاطمة، وكذلك ما جاء عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه قال: "وزنت فاطمة بنت رسول الله شعر الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم، وتصدَّقت بوزن ذلك فضَّةً".
الثاني: أنه في الحديث قال: «كلُّ غلام مُرتَهَنٌ بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويماط عنه الأذى»، وفسَّر أهل العلم إماطة الأذى بحلق الرأس، وألحقت الأنثى به في العقيقة يوم السابع، فتلحق به في هذا الحكم أيضًا؛ لأن العلَّة واحدة.
والأمر في ذلك واسع؛ فمن أخذ بالقول الثاني ولم يحلق شعر الأنثى، فقد تبع في هذا القول أئمة من العلماء.

[9] (تربية الأولاد في الإسلام، ج1: ص[63]).

  • 1
  • 3
  • 8,946
i