إبراهيم عليه السلام وسهم الزمن (2)

منذ 2014-11-13

المُتأمِّل لقصة ابراهيم عليه السلام في هذا السياق نجد أنه عليه السلام قد عّرَّف ربه للنمرود قائلًا: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} حيث أنها خصيصة فريدة لله عز وجل أنه "يحيى من موت، ويُميت من حياة"، وهي خصيصة تتجلى فيها القدرة على القيام بأقصى العمليات اللا عكوسية استعصاءًا على الانعكاس وهي إحياء الموتى كانعكاسٍ لسنةٍ إلهيةٍ سرمدية.. بعمق الزمن وهي إماتة الأحياء، ففوجِئَ إبراهيم عليه السلام بمِراء ذلك النمرود ومغالطنه عندما رد قائلًا: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}...

تلخيصٌ للجزء الأول:

سبق أن عرضنا في الحلقة السابقة ثمّة خصائص لانعكاس سهم الزمن:

الخاصية الأولى:

أن انعكاس سهم الزمن ينقسم إلى قسمين:

1- انعكاس سهم الزمن بالنسبة للعلمليات البسيطة (تُسمّى العمليات العُكُوسية) كاصطدام كرة البلياردو مرةً واحدة بحائطٍ وانعكاسها (في وسطٍ خالٍ من الاحتكاك إن أردنا الدقة!).

2- انعكاس سهم الزمن بالنسبة للعمليات المُعقّدة (تُسمّى العمليات اللا عُكُوسية) مثل: حركة الغازات، وانتقال الحرارة من الجسم الأسخن إلى الجسم الأبرد.

الخاصية الثانية:

الانعكاس ليس مستحيلًا استحالة فيزيائية... فهو لا يتناقض مع قوانين الفيزياء الأساسية إذا أنها متماثلة بالنسبة لاتجاهي محور الزمن ولا تتغير بينهما.

إلا أن الانعكاس صعبٌ في العمليات العُكوسية إلا أنه يتطلّب بدأ العملية بالعكس تمامًا بنفس الشروط الابتدائية لكن باتجاهات معاكسة في القوى والسرعات! وتتناسب الصعوبة هنا مع صعوبة وضع النظام في شروط ابتدائية معاكسة.

بينما الانعكاس مستحيل استحالة عملية (وليست فيزيائية) في العمليات اللا عكوسية مثل: انكسار الكوب، واحتراق الورقة، والموت!

إبراهيم عليه السلام والانعكاسات الثلاثة:

الانعكاس الأول:

المُتأمِّل لقصة ابراهيم عليه السلام في هذا السياق نجد أنه عليه السلام قد عّرَّف ربه للنمرود قائلًا: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} حيث أنها خصيصة فريدة لله عز وجل أنه "يحيى من موت، ويُميت من حياة"، وهي خصيصة تتجلى فيها القدرة على القيام بأقصى العمليات اللا عكوسية استعصاءًا على الانعكاس وهي إحياء الموتى كانعكاسٍ لسنةٍ إلهيةٍ سرمدية.. بعمق الزمن وهي إماتة الأحياء، ففوجِئَ إبراهيم عليه السلام بمِراء ذلك النمرود ومغالطنه عندما رد قائلًا: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}... وكان مُريدًا دفع إبراهيم في جدلٍ عقيم أنه إن حكم على إنسان بالقتل فقد أماته وإن عدل عن حُكمه بالعفو فقد أعفاه!

إلا أن إبراهيم عليه السلام كان أذكى من أن يجره ذلك المجادل إلى ساحته حيث يتقن الجدل الأحمق، فباغته إبراهيم بتحدٍ من نفس صِنف ما جادله به النمرود، صِنفٌ متشبِّع بعكس اتجاه سهم الزمن! فقال له: {فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ}...!

يا له من تحدٍ... وكيف له بعكس اتجاه دوران الأرض حول نفسها إلا بأمرين لا ثالث لهما! إما بقوة نظرية هائلة توقف الأرض فتُديرها عكس دورانها الأول فتُهلِك من عليها جميعًا وفيهم النمرود وإبراهيم فلا تُقام حجة إبراهيم نظريًا! إذ كيف سيشهدان حدثًا وهم أموات! وإما أن إبراهيم تحدّى النمرود بعكس سهم الزمن على النظام الشمسي كله أو بعضٍ منه، وهذا لا يعارض قوانين الطبيعة في شيء! إذا أن السرعة لن تنعكس حينها لأن الزمن انعكس معها! وعليه فلا تهدم ناموس القصور الذاتي!

وعلى الرغم من أن هذا النوع من الانعكاس هو القسم الأول -وهو الأسهل- من قسمي الانعكاس المذكورين أعلاه، إلا أن نتيجة التحدي كانت {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ}... فأني له ذلك؟!

دروسٌ مستفادة:

1- لا تدع خصمك يجرُّك إلى جدلٍ مائع وتنخرِط في تفنيده، بل انقله أنت إلى حُجةٍ صلبة تبهَته ولا يُوهمنَّك الشيطان أن تركك لجدله المائع هو انهزام أمامه فيجرمنك هذا على أن تستمر معه فتضيع قضيتك!

2- أن المؤمن حصيفٌ فِكرُهُ مستنيرٌ بنورِ الله أما الكافر الظالم نفسه فضالٌ "  {وَاللَهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

الانعكاس الثاني:

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:260].

هذا مثالٌ سهلٌ على الأفهام لإعطاء قارئِنا راحةً للمثال القادم...

فهنا.. قد عكس الله اتجاه الزمن عندما فرغ إبراهيم عليه السلام من تفريق قطيعات الطيور الأربع على الجبال، فإذا بالعملية قد انعكست وإذ بهم يلتم شملُ أجسادهم وترتد فيهن حيواتهن وأرواحهن، فتسيل الدماء من جديدٍ بعد جمودها! وترتد من جديدٍ إلى أجسادهن، فتسيل من جديدٍ في شرايينهن وأوردتهن! ويسيل التيار الكهربي من جديدٍ بعد توقفه، ثم مالَ يفتأن أن يأتين إبراهيم عليه السلام سعيًا فيكُنًّ مثالًا حيًا على انتقال الحياة بعد الموت... وذلك بعِزَّةِ الله وحِكمته...

الانعكاس الثالث:

أرأيت إن كنت في الشتاء ولمست مقبض الباب المعدني بيدٍ والباب الخشبي باليدِ الأُخرى، فأيهما تشعر ببرودته أكثر؟ إنه المقبض المعدني وذلك بالرغم من تساوِ درجة حرارة مكونات النظام في حالة الاتزان الحراري، فدرجة حرارة المقبض قد تكون مساويةً لدرجة حرارة الباب إلا أنك تشعر بالمقبض أبرد!

تُرى ما القانون الفيزيائي القابع وراء هذا؟

إن التوصيلية الحرارية للمعدن أكبر بكثيرٍ من تلك التي للخشب! فيؤدي ذلك أن الحرارة تنساب من يدك اليُمنى إلى المقبض بمعدلٍ أضعاف أضعاف معدل انسيابها من يدك اليُسرى إلى الباب!... حسنًا!

والعكس صحيح إن كنت في صيفٍ قائظ ولمست ذات المقبض بيدٍ ونفس الباب بالأخرى، من ستشعر بحرارته أكثر؟

انه المقبض المعدني وهذا لذات العِلّة الفيزيائية.

الآن هب أننا بصدد عكس اتجاه الزمن وأنت تلمِس نارًا مستعرة! هل ستشهر ببرودةٍ أم سخونةٍ إذا الزمن انعكس ولماذا؟!

سخونة كالعادة؟! لا... تخمين خاطئ... بل ستشعر بالنار باردةً جدًا جدًا أبرد من الثليج نفسه!

لا... لا امزح! تخيل فقط اتجاه الحرارة الآن بعد الانعكاس، هل سيكون من النار لإصبعك أم سيكون من إصبعك للنار؟! نعم، إنه سيكون من إصبعك للنار فيتجمّد إصبعك ويموت تجمدًا وتزداد النار استعارًا!

هل خمّنت أيها القارئ لماذا أُحدِّثك كل هذا الحديث عن انعكاس اتجاه في تفاعل النار بإصبعك؟ نعم هو ذاك!

إنها قصة محاولة حرق إبراهيم عليه السلام بالنار من قومه، ماذا قال الله للنار؟!

{قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا}! وّيكَأَن الله قال لزمن عملية تفاعل النار مع إبراهيم بمجرِّد تلامسهما... "انعكس"... وّيكَأَن الحرارة الآن تتدفق من إبراهيم للنار فيبرد إبراهيم وتزداد النار استعارًا!... إلا أنه لو تم عكس نفس معدل اختراق الحرارة المتوقع لجسد إبراهيم فلن تكون النار بردًا فقط على إبراهيم! إذ سيتجمّد إبراهيم في ثوانٍ! ويهلك! وّيكَأَنه لهذا لم يكتفِ الله بقوله للنار: {كُونِي بَرْدًا} بل قال: {كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}... {بَرْدًا وَسَلَامًا} وليس (بردًا وهلاكًا)! وّيكَأَنه ليحدث ذلك ستكون "سرعة" انعكاس الزمن في هذا الموقف أبطأ كثيرًا من "سرعة" جريان الزمن العادي..

* بترتيب عكس ترتيب موتهم بل ترممهم مثلما قص علينا ربُنا عز وجل [البقرة:259] - إحياء حمار الرجل الذي أماته الله مائة عام {وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا}.

للبحث المستقبلي إن شاء الله.

فكما كَوَّن الله القرآن المُعجِز من ذات الحروف التي يتكون منها كلام العرب ثم أعجزهم أن يأتوا بمثله هم ومعهم الإنس والجان معًا... وكأنه قائلٌ لهم... ها هي نفس لبنات البناء، لكن المختلف هي هندسة البناء ومحتواه! فلم آتِ بحروفٍ إلهية، لكني بنيت بناءًا إلهيًا تعجزون عنه...

كما فعل ذلك في معجزة القرآن الكريم الخاتَمة، هل فعل ذلك عز وجل في بعض معجزاته الأخرى مثل التي عكس فيها اتجاه الزمن -إن صحت نظرية البحث-...؟! فقد استخدم ذات القوانين الكونية فبنى منها بناءًا فيزيائيًا مُعجَزًا لا يقدر على بنائه إلا هو؟! ويكأنه يقول للبشر: ها هي تلك القوانين الكونية الأولية المخلوقة نفسها سخَّرتها لكم، لكن ها هي معجزات من بناءٍ فيزيائيٍ إلهي بنفس تلك القوانين المُسخَّرة لكم... إلا أنكم تعجزون عن تكرار ذات الظواهر؟!

سؤالٌ للبحثِ يطرح نفسه...!

والله أعلم.

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

أحمد كمال قاسم

كاتب إسلامي

  • 0
  • 0
  • 2,088

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً