شرح وأسرار الأسماء الحسنى - (39) اسم الله تعالى الشكور والشاكر

منذ 2015-01-02

يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: "الفرق بين الشكر والحمد أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه وأخص من جهة متعلقاته. فالشكر يكون بالقلب خضوعاً وإستكانة، وباللسان ثناءً وإعترافاً، وبالجوارح طاعة وإنقيادًا". قلبك ينكسر بشهود النعمة، فشهود النعم أحد مرققات القلوب ومن أعظم أسباب علاج قسوة القلب، تقول: قلبي قاسي جداً لا يشعر بشيء؟ اجلس اذًا وعدد النعم.

ورد اسم الله تعالى الشكور في أربع مواضع:
1. قوله تعالى: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر:30].
2. وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطرمن الآية:34].
3. وقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} [الشورى من الآية:23]، ولاحظ اقتران اسم الله تعالى الشكور باسمه الغفور في هذه المواضع ، فلهذا أسراره لا شك.
4. ورد اسمه تعالى الشكور مقترناً باسمه الحليم في قوله تعالى: {إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} [التغابن:17].

وقفة مع الآيات:
قبل الشروع في مدارسة اسم الله الشكور، نتوقف مع هذه الآيات وقفة تدبر. فورود التزييل بهذه الأسماء لابد أن يكون موظفاً في خدمة الهدف الذي أتت السورة لإيضاحه، وهذا ما سنقف عنده. فكل سورة في القرآن لها مقصد عام تتوافق آياتها معه؛ ودائما خواتيم الآيات تخدم هذا المقصد وتغذيه.

فمثلاً إذا توقفنا مع الآية الأولى: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر:30]، نجد تناسب اسم الله تعالى الشكور مع الآية. فالله سبحانه وتعالى من نعمة على عباده أنهم إذا أحسنوا بحسنة وفّاهم أجرهم وأعطاهم ثوابهم بل زادهم من فضله.

ولكن السؤال هنا.. لم قرن اسم الله الشكور باسمه الغفور؟!
لم لم يقل إنه شكور حميد مثلاً؟!

فإذا تدبرت ستجد أنه ما من عمل إلا وفيه وجه نقصان فيجبر ذلك مغفرة الله للعبد وتجاوزه عن هذا النقص وشكره للقليل. فكأن الآية تلفت النظر إلى نقصان العمل مهما تم وكمل في ظاهره ونعمة الله بالمغفرة ومقابلة الإحسان على نقصانه بالشكر!

الآية الثانية: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} [الشورى من الآية:23]، وهنا نتوقف مع لفظ (يقترف).. فلمَ لمْ يقل (ومن يأت بحسنة)؟ لأن لفظ يقترف على وزن يفتعل.. فتشعرك بالكلفة والمعاناة في إتيان الفعل.. دلالة على المجاهدة في فعل الحسنة، لذا قال {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ}، يغفر للعبد تقصيره الذي صعب عليه دفع نفسه للطاعة، ويشكر له مجاهدته تلك النفس في فعل الطاعة.

الآية الثالثة: {إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} [التغابن:17]، 
{إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ}، هذا الرجل سيتصدق بصدقة عن طيب نفس، فيجزيه الله أن يضاعف له الأجرويجعل صدقته كفارة لذنبه فيغفر له ذنوبه القديمة.

يقول: {وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ}، ما الذي جاء بحليم هنا؟ لأنه مهما أتى العبد من عمل يجب أن يستحقره في جنب عظمة الله.

«لو إن رجلاً يخر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرماً فى مرضاه الله عز وجل لحقره يوم القيامة» (صحيح لغيره، الألباني، صحيح الترغيب [3596])، فالأصل أن العبد بتقصيره مستحق للعقوبة لأنه أسر نفسه في أسر الشهوات والملذات والمخالفات والمنكرات. فيستحق وهو يقوم بهذه الأمور أن يُعجل له العقاب، لكن الله يحلم عليه ولا يعاجله بالعقوبة، ثم هو بعد ذلك يأتي بصدقة ربما تكون لا تتوازى أبداً مع جرمه فيحلم عليه ويتقبلها على ما فيه من عيب ونقصان بل ويشكرها له، فهو سبحانه تعالى يحلم ويغفر ويشكر.

معنى الشكر
يقول ابن القيم رحمه الله في المدارج: "الشكر أصله في وضع اللسان ظهور أثر الغذاء في أبدان الحيوان ظهوراً بيناً"، فالعرب كانت تقول: شكرت الدابة؛ إذا ظهر عليها أثر العلف، فهذا هو أصل الكلمة؛ أن يظهر أثر الغذاء في أبدان الحيوانات ظهوراً بيناً، فإذا ظهر عليها أثر العلف سُميت دابة شكور.

وقالوا الشكر في الإصطلاح: هو ظهور أثر نعمة الله على لسان العبد ثناءً واعترافاً، وعلى قلبه شهوداً ومحبة، وعلى جوارحه انقياداً وطاعة.

1. أولاً: على لسانه اعترافاً وثناءً، أنه يعترف بها ويثني على الله تعالى، ويتحدث بها في خاصة أمره بينه وبين نفسه وبينه وبين الناس {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ[الضحى:11].

2. ثانياً: وعلى قلبه شهوداً، عندما تستشعر أن هذه العطايا من ربك هي منن تنزل عليك {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً[لقمان من الآية:20]، يبعثك هذا إلى أن تحبه لأنه يسدي إليك هذا المعروف. فيشهد القلب النعمة ويقر بها ويراها ويلاحظها طوال الوقت.

3. ثالثاً: وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة، فلو أن القلب أقر وشهد وأحب ومال، مالت الجوارح وتنقاد. فتجد الإنسان الشكور دومًا مخبت منكسر عليه معاني الذل والافتقار، ودوماً قلبه منشرح لإحساسه بفضل ربه عليه.

الشكر علم وحال وعمل
وقال الغزالي رحمه الله في الإحياء: "واعلم أن الشكر من جملة مقامات السالكين وهو ينظم من علم وحال وعمل".

قال: فالعلم هو الأصل، وهو يُورث الحال، والحال يُورث العمل، أما العلم فمعرفة النعمة من المنعم وأما الحال فهو الفرح الحاصل بإنعامه وأما العمل فالقيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه.

ودعونا نفصل هذا الكلام الماتع:
1. العلم: "معرفة النعمة من المنعم"، معرفة أن هذه النعمة ليست من أحد سوى الله، ولا تلتفت للأسباب مطلقاً بل ترى نجاحك وتوفيقك في شتى أمورك محض فضل من ربك.

والحقيقة أننا ننسب الحسنة لأنفسنا وننسب السيئة إلى الله عياذاً بالله، إذا وفقت في شيء تجد نفسك تقول: لولا أني فعلت كذا ما فلحت، ولأني قمت بكذا نجحت، أما لو لمناك على شر وقلنا لك: لمَ فعلت ذلك؟ تقول والله لم أكن أريد لكن الشيطان شاطر، لكن قدر الله، لكن.. لكن، فانتبه لهذا وانسب النعمة لصاحبها.

2. الحال: "هو الفرح الحاصل بإنعامه" وإن لم تجد هذا الفرح فاعلم أنك لم تعرف نعمة الله من الأساس. لذا دائماً أقول اكتبوا نعم الله ، تفكروا فيها، وانظروا لمن حرمها.

انظر لمن فقد بصره حتى تفرح ببصرك، وانظر لمن حرم الأولاد وينفق الآلاف لكي يرزق بطفل واحد وأنت عندك ثلاثة وأربعة، انظر له لتفرح بنعمة ربك. إذا فقدت إحساسك بالنعمة فابحث عن من فقدها، فإذا استشعرتها وشعر قلبك بالفضل والفرح والانشراح بها فهنا يتولد عن هذا الحال العمل.

تجدك تريد أن تبذل لله.. تصلي أو تتصدق أو تكشف كربة أو تعين أحداً.. تفعل أي شيء يرضي الله فتفعل "ما هو مقصود المنعم ومحبوبه"، لذلك الشكر بالقلب والجوارح واللسان، فلا يكون شاكر إلا إذا كان قلبه مخبت، ولسانه ذاكر، وكذلك جوارحه منقاده بالطاعة لله سبحانه وتعالى.

يقول الأصفهاني في المفردات: "الشكر تصور النعمة وإظهارها وهو ثلاثة أدرب:
- شكر القلب: وهذا بتصور النعمة ودوام رؤيتها.
-وشكر اللسان: بالثناء على المنعم.
- وشكر سائر الجوارح: وهو مكافأة النعمة بقدر إستحقاقها، وهو أن كل شيء بك يذعن لله سبحانه وتعالى".

الفرق بين الشكر والحمد
قالوا الشكر مثل الحمد إلا أن الشكر أخص، فإنك تحمد الإنسان على صفاته الجميلة وعلى معروفه ولا تشكره إلا على معروفه دون صفاته. فمثلاَ الرجل الخلوق المهذب، أنت تحمد له أدبه بالثناء عليه وإنما تشكر له فعل الأدب نفسه إن وقع.

فالحمد يكون على الصفات وعلى المعروف، أما الشكر فيكون على المعروف دون الصفات، قال ثعلب وهو أحد أئمة اللغة: "الشكر لا يكون إلا عن يد، أما الحمد فيكون عن يد أو عن غير يد"، سواء أعطاك أو لم يعطك.

قال القرطبي: "وتكلم الناس في الحمد والشكر هل هو بمعنى واحد أم بمعنيين فذهب الطبري والمبرد إلى أنهما في معنى واحد وهذا غير مرضي! والصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سابق إحسان، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان".

لذا قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّـهِ} [الفاتحة من الآية:2] ابتداءً سواء أسدى إليك أم لم يسد فهو محمود سبحانه وتعالى لذاته بجميل صفاته بجميل أفعاله.

يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين"الفرق بين الشكر والحمد أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه وأخص من جهة متعلقاته. فالشكر يكون بالقلب خضوعاً وإستكانة، وباللسان ثناءً واعترافاً، وبالجوارح طاعة وانقيادا". قلبك ينكسر بشهود النعمة، فشهود النعم أحد مرققات القلوب ومن أعظم أسباب علاج قسوة القلب، تقول: قلبي قاسي جداً لا يشعر بشيء؟ اجلس اذا وعدد النعم.

اذكر كيف منّ الله عليك بالتوبة، حلم عليك وأعطاك ما لم تكن تعلم وما لم تكن تأمل و أصبغ عليك نعمه الظاهرة والباطنة. منّ عليك بالإسلام إبتداءً وبالالتزام بعد ذلك وأذن لك بذكره وأذن لك بمعرفته. فكل نعمة منها تكسر القلب، هذا غير النعم الخاصة لكل شخص، كمحنة نجاه الله منها أو كرب كشفه عنه أو ستر اسدله عليه، عدد النعم ينكسر قلبك.

من حيث المتعلقات: أي أن الشكرمتعلق بالنعم دون الأوصاف. فأنت تشكر على النعم ولا تشكر على الصفة، يعني لا تشكر الله أنه تواب وإنما تحمده أنه تواب وتشكره أنه تاب عليك. لذلك لا يُقال شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه إنما يقال حمدنا الله فهو المحمود عليها كما هو محمود على إحسانه وعدله.

معنى اسمه تعالى الشكور في حقه سبحانه وتعالى
ماذا يعني أن ربنا شكور؟ قالوا: شكور للحسنات يضاعفها، شكور على يسير الطاعات فيثيب عليها جزيل الحسنات، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم «ما تصدَّقَ أحدٌ بصدَقَةٍ منْ طيِّبٍ، ولا يقبَلُ اللهُ إلَّا الطيبَ، إلَّا أخذَها الرحمنُ بيمينِهِ، وإِنْ كانتْ تَمْرَةً، فتربُو في كفِّ الرَّحمنِ حتى تَكونَ أعظمَ مِنَ الجبلِ، كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّهُ أوْ فَصيلَهُ» (صحيح، الألباني، صحيح الجامع [5600]). 

قالوا ومن معنى الشكور أنه سبحانه يرغب الخلق في الطاعة قلّت أو كثرت لئلا يستقلوا القليل من العمل، لذا كانت عائشة رضي الله عنها عندما تقرأ {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ . وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ[الزلزلة:7-8]، تأتي بشطر تمرة وتتصدق به وتتأول الآية وتقول مثقال ذرة إذا تمرة خيراً يره. 

قالوا وإذا أثنى الرب على عبده فقد شكره، والثناء يكون في الملأ الأعلى كما ورد في حديث ثناء الله على عبده وهو يقرأ الفاتحة.

فإذا قالَ العبدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2]، قالَ اللهُ تعالى: حمدني عبدي، وإذا قالَ: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة:3]، قالَ اللهُ تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قالَ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة:3]، قالَ: مجَّدني عبدي. (رواه مسلم).

فيثني عليه في الملأ الأعلى ربنا سبحانه وتعالى بذلك، وحين تصلي على النبي صل الله عليه وسلم يثني عليك في الملأ الأعلى، «من صلَّى عليَّ واحدةً، صلَّى اللهُ عليه عشرَ صلواتٍ، و حطَّ عنه عشرَ خطيئاتٍ، و رفعَ له عشرَ درجاتٍ» (صحيح، الألباني، صحيح الجامع [6359]). 

وثناء الله غير ذكره لعبده {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُم[البقرة من الآية:152]، جميل أن يذكرك، لكن هذه يثني عليك
قال الغزالي في المقصد: "الرب تعالى إذا  أثنى على أعمال عباده فقد أثنى على فعل نفسه لأن أعمالهم من خلقه فإن كان الذي أعطى فأثنى شكور، فالذي أعطى وأثنى على المعطي هو أحق بأن يكون الشكور. مر أحد الصالحين على قارىء يقرأ قول الله تعالى {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:30]، قال: "سبحان الله يعطي ويثني!!""، فالغزالي رحمه الله يشير إلى هذا المعنى أن الأعمال أصلاً منه.

قال موسى عليه السلام: "يا رب إن أنا بلغت رسالاتك فمن عندك وإن أنا صليت فمن عندك وإن أنا فعلت كذا وكذا من أفعال الطاعات فمن عندك ومن قبلك فكيف أشكرك؟، قال: "الآن شكرتني"، فالعجز عن الشكر تمام الشكر.

أثر الإيمان بهذا الاسم الشريف
أولاً: إذا كان الله سبحانه وتعالى الشكور الشاكر على الإطلاق يقبل القليل من العمل ويعطي الكثير من الثواب مقابل هذا العمل القليل، فإن حظ المؤمن من هذا ألا يستصغر شيء من أعمال البر ولا يحقر من المعروف شيئاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا تحْقِرَنَّ من المعرُوفِ شيْئًا، ولوْ أنْ تلْقَى أخاكَ بوجْهٍ طلْقٍ» (صحيح، الألباني، صحيح الجامع[7245]). 

حتى تبسمك في وجه أخيك قربى، وصدقتك ولو بشق تمرة قربى، والكلمة الطيبة منك قربى، «اتّقُوا النّارَ ولَو بشِقّ تَمرَة فمَن لم يجِدْ شِقّ تَمرَة فبكَلِمةٍ طيّبَة» (صحيح البخاري [3595])، فلا تحتقر من العمل شيئًا مهما صغر.   

ثانياً: مما يجب معرفته أن ما يقدمه المسلم في تقربه إلى الله تعالى من صلاة أو صيام أو حج لا يخلو من التقصير والسهو و النسيان، فلا يظن أنها الثمن المطلوب للجنة، ولا ينظر لها من الأساس بل ينظر ويتعلق برحمة الله وفقط.

لأن هذه الأعمال في الأساس لن تدخلك الجنة، فالجنة هي سلعة الله الغالية، ولكن لأن الله شكور عظم من شأنها وأعطاك بها على صغرها وعيبها هذه المنة العظيمة.. سلعة الله الغالية.

ثالثاً: وهو الأهم: هو تحقيق الشكر، وهو واجب على كل مكلف. فكيف نشكر الله تعالى، يقول ابن القيم رحمه الله: "الشكر مبني على خمس قواعد، سأذكرها لك وأذكر حظك منها فانتبه:
1. خضوع الشاكر للمشكور، وحظها منك الذل والانكسار لله تعالى.
2.  حبه له، أن يزداد المؤمن في حبه لله تعالى.
3. اعترافه بنعمته، فيكثر من قوله: أبوء لك بنعمتك علي، ويكثر من التحدث بنعم الله تعالى. يتحدث بالنعمة لذكر المنعم وبيان فضله لا لبيان النعمة والزهو بها.
4. ثنائه  عليه بها.
5. وألا يستعملها فيما يكره، لا يعصي الله ويبارزه بها.

كيف يتحقق الشكر؟
أولاً:  يتحقق الشكر بمراعاة آثاره. بأن تحرص على حفظ النعمة وزيادتها، ربنا قال: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ[إبراهيم:7]، فإذا عرفت ثمرة الشكر، الزيادة، جاهدت على تحقيقه. فمثلاً حينما يمن الله عليك بمال وتعلم أن أعظم وسيلة لتنميته واستثماره أن تنفق منه لا أن تدخره،حينها ستفعل. فأول وسيلة لتحقيق الشكر أن تعرف الثمرة لتكون باعث لك عليه.

المعنى الثاني: أن يضع العبد نصب عينيه الجزاء العظيم الأخروي الذي سوف يمن الله عليه به إذا شكر النعمة، قال الله عز وجل: {سَيَجْزِي اللَّـهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران من الآية:144]، وقال: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران من الآية:145]، ​ومنه:
ما جاء في بعض الآثار أن من ابتلى فصبر وأعطي فشكر، وظُلم فغفر، أن أولائك الذين لهم الأمن وهو مهتدون، فالشاكرون يأمنون من فزع يوم القيامة ويكونون من المهتدين في الدنيا والأخرة.

ذكر الخرائطي صاحب كتاب فضيلة الشكر: عن ابن عباس أنه قال: "أول من يدخل الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء"، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري تعليقاً، قال: «الطَّاعِمُ الشَّاكرُ لَهُ مثلُ أجرِ الصَّائمِ الصَّابرِ» (صحيح، الألباني، صحيح بن ماجة [1440])، إذاً معرفة الأجر الذي سوف يمن الله عليه به باعث للشكر.

كذلك من ثمار الشكر الدافعة له على العمل وشكر نعمة الله تعالى عليه؛ رفع العذاب في الآخرة، ألا ترى قول الله تعالى {وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ[إبراهيم:34]، ففيه إشارة إلى أن الخروج من ظلم الإنسان وكفرانه بنعم الله تعالى أن يضعها نصب عينيه، فيكون هذا سبب إن شاء الله تعالى في أن يُرفع عنه هذا الظلم للنفس الذي يقع الإنسان به.

منها كذلك أن ينجو من عذاب الدنيا، يقول الله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ[النحل:112]، والسياق مؤداه أن العكس صحيح أنها إذا شكرت أنعم الله أمنت من عذاب الله تعالى العاجل في الدنيا.

وقد بين القرآن أن الشاكرين ينجون من عذاب الله تعالى كما حصل هذا لنبي الله تعالى لوط {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بالنّذر . إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ . نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ[القمر:33-35]، إذًا الشكر هو عنوان النجاة من العذاب إلى غير هذا من  الآيات التي تشير إلى هذا المعنى. أيضاً أن يعلم العبد أن من أعظم ثمرات الشكر حب الله تعالى له كما ورد في الحديث «أحِبوا اللهَ لما يغْذوكم من نعَمِه، وأحِبُّوني بحُبِّ اللهِ، وأَحِبُّوا أهلَ بيتي بحُبِّي» (غريب حسن، الترمذي [3789]). 

إن محبة الله تعالى أثر فطري عن الشعور بنعمة الله فإذا علم العبد أنه لو شكر سيحبه الله وأن الله لو أحبه نجا فهذا باعث له على الشكر، وكذا يتنزل عليك برضوانه، قال عزوجل {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ[الزمر من الآية:7]. 

ولكي أزيدك في تحقيق الشكر من الناحية العملية، فأنصحك بالآتي:
أول شيء وكواجب تطبيقي لهذا الاسم الشريف العظيم أن تكتب نعم الله عليك التي جائتك بفرحة وسعادة، بعدها تذهب في زيارة لمريض وتتخيل نفسك مكانه، لو أن الله كان قدر عليك تتألم بهذا الألم وكيف أن الله عافاك.

الأمر الثاني كثرة ذكر المحمود باللسان، فتكثر من الحمد لله، وستجد لها طعم وأثر على القلب جميل.

الأمر الثالث التحدث بالنعم أو بجميل منن الله على عباده، كما كان يقول سيدنا عبد الرحمن بن عوف عندما قالت له السيدة عائشة: "أنت آخر من يدخل الجنة من العشرة تدخلها زحفاً" قال: "ولمَ  يا أم؟" قالت: "أما ترى هذه الأموال كلها أين ستذهب بها"، قال: "وما أصنع إن كنت أنفقه في الليل فيأتيني في النهار فأنفقه في النهار فيأتيني بالليل؟".

ألا تعلمون أثر سيدنا داود أن الله قال له: "يا داود وأحب أحبائي وحببني إلى خلقي" قال: "يارب أحبك وأحب أوليائك ولكن كيف أحببك إلى خلقك؟" قال: "تذكرني ولا تذكر مني إلا حسناً".  

ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وعلى والدينا واجعلنا من عبادك الشاكرين 

هاني حلمي عبد الحميد

حاصل على ليسانس دار العلوم وحضر الماجستير في فقه وأصول أحد الفقهاء السبعة.

  • 32
  • 2
  • 75,266
المقال السابق
(38) اسم الله الجواد
المقال التالي
(40) اسما الله الشاكر والحميد

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً