كبر مخك!

منذ 2015-01-08

يظل الكتاب هو البطل المشترك حين كانت القراءة يومًا ثابتًا في حياتنا على اختلاف مشاربها وتنوعاتها، وتطورها عبر المراحل العمرية المختلفة، وعلى الرغم من الكثير من المآخذ والانتقادات التي ربما نأخذها على محتوى بعض تلك الكتب والمصنفات، إلا أن وجود الكتاب بتنوعاته المختلفة كان يعطي عمقًا مختلفًا لتصوراتنا واختلافاتنا، أين كل ذلك الآن؟ أو على الأقل أين بدائله المعاصرة؟ ما الذي يقرأه أطفالنا وشبابنا اليوم؟

يا راجل كبر مخك.. هو أنا لسة هأقرأ كل ده؟!
تثير تلك العبارة دومًا شجنا في نفسي، حتى حين يقولها أو يكتبها البعض على سبيل المزاح، شجنا يعيدني إلى لحظة قديمة طالما حن القلب إليها، تلك اللحظة التي كنا نخفي أثناءها (الألغاز) داخل كتاب المدرسة، ونعمل نفسنا بنذاكر والحقيقة أننا كنا نلتهم سطور الرواية التهامًا..

أبناء جيل الثمانينات وأوائل تسعينات القرن الماضي يذكرون جيدًا تلك الحيلة التي تورط فيها كثير منهم، إنهم قراء جيلنا ممن نشأوا قبل (التوك شو) والمواقع التواصلية، أولئك الذين كانت تسليتهم الأساسية روايات الجيب التي كان ثمنها يقل كثيرًا عن جنيه واحد، وكان يحلو لهم تسميتها بالألغاز، وتورط كثير منهم في عملية إخفائها داخل الكتاب المدرسي متظاهرًا بالمذاكرة، بينما هو يحبس أنفاسه متابعًا أحداث الرواية المثيرة، أو يخبئها تحت البطانية ليطالع سطورها بشغف على ضوء الوناسة، بعد أن يخلد والداه إلى النوم..

مَن مِن أبناء هذا الجيل لا يتذكر (تختخ، ونوسة، ولوزة، ومحب، وعاطف) المغامرون الخمسة؟
من منا لا يتذكر المقدم (ممدوح) بطل المكتب رقم (١٩) وعماد وعلا بطلي (ع* ٢)، وبالطبع أدهم صبري ومنى توفيق، وقدري البدين ونور الدين محمود؟! من لا يتذكر العجوز (رفعت إسماعيل) والخيالية عبير وغيرهم من أبطال وبطلات (الألغاز)، أبطال ما قبل ثقافة (التيك أواي) أبطال ما قبل الفضائيات والتوك شو والفيس بوك والبلاي ستيشن، والسمارت فون، والتابليت، واللاب توب، والإكس بوكس..

يتطور الأمر تدريجيًا ويتغير الأبطال حين يبدأ الجامعي المثقف بمطالعة روايات أعمق، وكتب أكثر نضجًا وتبدأ الطبيعة الأيديولوجية تتشكل وتغير توجهات المطالعة لديه، فمنهم من يكاد يلتهم الصحف التهامًا ومنهم من يركز مطالعته على الكتب الدينية، ومنهم من يقرر التوجه للكتب التراثية والتاريخية، أو يصرف بصره تجاه المؤلفات السياسية والفكرية، ومنهم من ينشغل بالأدب العالمي والقراءات الفلسفية..

لكن يظل الكتاب هو البطل المشترك حين كانت القراءة يومًا ثابتًا في حياتنا على اختلاف مشاربها وتنوعاتها، وتطورها عبر المراحل العمرية المختلفة، وعلى الرغم من الكثير من المآخذ والانتقادات التي ربما نأخذها على محتوى بعض تلك الكتب والمصنفات، إلا أن وجود الكتاب بتنوعاته المختلفة كان يعطي عمقًا مختلفًا لتصوراتنا واختلافاتنا، أين كل ذلك الآن؟ أو على الأقل أين بدائله المعاصرة؟ ما الذي يقرأه أطفالنا وشبابنا اليوم؟

لا شك أنهم يقرأون فلا يوجد على ما أعتقد من لا يلاحظ هذا الكم من الوجوه الشاردة، والأعين المنهمكة في مطالعة الأجهزة المحمولة في كل مكان حولنا، نعم الشباب يقرأون.. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يقرأونه؟ وهل مطالعة الفيس بوك لساعات طويلة وقضاء الأوقات في دردشات (الشات)، أو خناقات تويتر أو متابعة إعجابات الصور السيلفي التي التقطها لنفسه يعد قراءة، ويبني حالة من الثراء الثقافي والمعرفي؟!

هل الاكتفاء ببضعة سطور لمنشور (بوست) على هذه الصفحة أو تلك لا يلبث قارئه أن يمل بمجرد أن يزيد المنشور عن سطرين أو ثلاثة، ليسارع بكتابة التعليق العتيد: "يا راجل كبر مخك هو أنا لسة هأقرأ كل ده؟!"، هل هذه النفسية المتسرعة التي لا تصبر على دقائق من المطالعة ستكبر لتكون يومًا قيادة فكرية عميقة، أو عقلية قادرة على التغيير والتأثير في واقعها المحيط، وهل ما يقرأونه يعد فعلاً قراءة؟!

طبقًا للتقرير العربي الأول للتنمية الثقافية والذي صدر عام (٢٠٠٧) وشاركت في رعايته المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا فإن دوافع استخدام الإنترنت لدى المواطن العربي يأتي فيها دافع الترفيه أولاً بنسبة (٤٦٪)، بينما دافع التماس المعلومات يبلغ (٢٦٪) على أقصى تقدير.

يعني حتى عبر عالم الإنترنت تأثيرنا محدود للغاية، واستخدام شبابنا له يعد بشكل غالب غير مفيد، حيث لا يشكل مجموع عدد المواقع العربية على الشبكة العنكبوتية نسبة (0.026 %) من إجمالي عدد المواقع العالمية، أما لو ذهبنا لإحصائيات الكتب فإن النتيجة ستكون أشد إيلامًا، والأرقام ستسبب حزنًا أكبر على حالنا الذي خلاصته أننا لم نعد نكتب ولا حتى.. نقرأ!

فطبقا لنفس التقرير السابق إجمالي عدد الكتب التي نشرت في العالم العربي كله في ذاك العام بلغت ما يقارب 28 ألف كتاب بمعدل كتاب لكل لكل (١٢ ألف) مواطن عربي، بينما هناك كتاب لكل خمسمائة مواطن إنجليزي، وكتاب لكل تسعمائة مواطن ألماني!

وطبقا لنفس التقرير فإن معدل القراءة في العالم العربي لا يتجاوز ٤٪ من معدل القراءة في إنجلترا.
وفي إحصائيات أخرى لمؤسسة الفكر العربي يدل واقع النشر بالعالم العربي على حالة ثقافية مزرية، فما تنتجه الدول العربية من كتب يبلغ (١,١ ٪) فقط من معدّل الإنتاج العالمي للكتاب.

وحسب إحصائية اليونسكو فإن الدول العربية مجتمعة أنتجت (6.500) كتاب عام 1991، بالمقارنة مع (102.000) كتاب في أمريكا الشمالية، و(42.000) كتاب في أمريكا اللاتينية والكاريبي، ولقد تضاعف هذا العدد في السنوات الأخيرة ليصير ما تصدره الولايات المتحدة وحدها ما يزيد على (290) ألف كتاب جديد سنوياً (تقرير التنمية البشرية لعام 2003، النسخة الإنجليزية، ص 77).

ووفقًا للتقرير السابق أيضًا فإن المعطيات التي يوردها حول الترجمة إلى اللغة العربية تبين بأن الدول العربية ككل هي أدنى القائمة، إذْ قال التقرير إن اليابان تترجم حوالي (30) مليون صفحة سنوياً، في حين أن ما يُترجم سنوياً في العالم العربي هو حوالي خُمس ما يترجم في اليونان، والحصيلة الكلية لما ترجم إلى العربية منذ عصر المأمون إلى العصر الحالي (10.000) كتاب وهي تساوي ما تترجمه أسبانيا في سنة واحدة..!

وتبين مقارنة أعداد الكتب المترجمة إلى اللغة العربية مع لغات أخرى سِعةَ الهوة بين العالم العربي بمجمله، وبين أية دولة في العالم، ففي النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين، كان متوسط الكتب المترجمة لكل مليون على مدى خمس سنوات هو (4.4) كتاب -أقل من كتاب لكل مليون عربي في السنة- بينما في هنغاريا كان الرقم (519)، وفي أسبانيا (920).

وتشير بعض الدراسات إلى أن عدد الكتب المؤلفة سنويًا للطفل العربي لا تزيد عن متوسط 400 كتاب سنويًا بينما هناك (13260 كتابًا) في السنة للطفل الأمريكي و(3837 كتابًا) للطفل البريطاني و(2118 كتابًا) للطفل الفرنسي، (1458) كتابًا للطفل الروسي، هذا هو للأسف واقع أمة إقرأ بالنسبة للقراءة والمعرفة..!

واقع آثرت ألا أذكر جميع إحصائياته خشية التطويل، لكنها باختصار تؤدي إلى تلك النتيجة المؤسفة حتى على مستوى التسلية، التي لا يحلو لنا تقليد الغرب فيها إلا بالمنطق الاستهلاكي السطحي! بينما شبابهم حين يتسلون فإنهم أيضا يقرأون وتتكون لديهم منذ الصغر حالة من الألفة والارتباط مع الكتاب، حتى أن مبيعات أحد أجزاء رواية هاري بوتر بلغت (10 مليون) نسخة في اليوم الأول لصدورها، وهي بالمناسبة رواية ضخمة تحتاج لساعات طويلة لقراءتها، لقد انتقلت ثقافة (التيك أواي) من بطوننا إلى عقولنا حتى صرنا نتعامل مع المعرفة كما نتعامل مع الوجبة الخفيفة، وهذا حال من يتناولون تلك الوجبة أصلاً.

فما بالك عزيزي القارىء بمن يأبى تناولها أساسًا، ولا يرى لها قيمة ويكتفي فقط بالتحسر على الحال الذي وصلت إليه أمتنا دون أن يفكر للحظة أنه جزء من المشكلة، فقد قرر أن ببساطة أن يستريح بأن يبدأ الكلام بتلك العبارة الحاسمة والتساؤل الذي ينهي الأمر مبكرًا، عبارة: يا راجل كبر مخك..! هو أنا لسة هأقرأ كل ده؟! 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
  • 12
  • 0
  • 3,218

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً