الشتاء عدو!

منذ 2015-01-09

حقًا هو عدو؛ فإن القلوب خلقت من طين، فهي تلين في الشتاء كما يلين الطين فيه.

حقًا هو عدو، فما يشعر به الناس من شدة البرد باختلاف مناطقهم ومناخهم هو نفسٌ من أنفاس نار جهنم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشتكت النار إلى ربها فقالت: «يا رب أكل بعضي بعضًا فجعل لها نفسين، نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فشدة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدون من الحر من سمومها» (رواه البخاري ومسلم).

حقًا هو عدو، فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا حضر الشتاء تعاهد أصحابه، وكتب لهم بالوصية أن الشتاء قد حضر، وهو عدو فتأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب، واتخذوا الصوف شعارًا ودثارًا، فإن البرد عدو سريع دخوله بعيد خروجه، وإنما كان يكتب عمر إلى أهل الشام لما فتحت في زمنه، فكان يخشى على من بها من الصحابة وغيرهم ممن لم يكن له عهد بالبرد أن يتأذى بالبرد -برد الشام-، وذلك من تمام نصيحته، وحسن نظره، وشفقته وحياطته لرعيته رضي الله عنه.

حقًا هو عدو، فإن من جيراننا وأقاربنا وإخواننا المسلمين يجلسون جلستهم العائلية بلا مدافئ، وترتعد أجسادهم في جنح الليالي من شدة البرد، ويذهب أطفالهم إلى مدارسهم من غير الكساء الذي يلبسه أبناءنا وإخواننا؛ فيخترق البرد عظامهم، وليس ذلك إلا من قلة ذات اليد، وقلة المحسنين.

نعم هو عدو، فإن إخواننا وأهلينا في الشام الحبيب قد ضربت بلادهم عاصفة ثلجية، جمدت سائلهم، وصدعت جامدهم، وهدمت خيامهم، على ما هم فيه من رقة في الثياب، ونقص في الغطاء، وحرمان من الطعام، وصعوبة في النجدة، وانشغال الناس عنهم، مزق البرد أوصالهم، وأسال دموعهم، وجمد جلودهم، وأذاقهم الحزن الأليم، واجتمع مع ذلك فقد الأهل والوطن، وعدم المأوى والكساء، يفترشون الأرض، ويلتحفون السماء، لا يجدون لهم من دون الأرض مفرشًا، ولا يجدون لهم من البرد غطاء، ونحن المسلمين كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

وقد امتن الله بنعمة الدفئ قائلًا: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الاْنْعَـامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَـامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَـاثًا وَمَتَـاعًا إِلَى حِينٍ. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الْجِبَالِ أَكْنَـاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل:80-81]، فلنجعل لهم من أموالنا نصيبًا، ومن مشاعرنا حظًا، نذكرهم إذا مررنا بليلة شاتية فيها برد قارص، ومطر هاطل، وجدنا منه لحاف دافئ، وسكن صارم.

حقًا هو عدو، قيل لأبي حازم الزاهد: "إنك لتشدد -يعني في العبادة-، فقال: وكيف لا أشدد وقد ترصد لي أربعة عشر عدوًّا؟ قيل له: لك خاصة؟ قال بل لجميع مَنْ يعقل، قيل له: وما هذه الأعداء؟ قال: أما أربعة؛ فمؤمن يحسدني، ومنافق يبغضني، وكافر يقتلني، وشيطان يغويني ويضلني، وأما العشرة، فالجوع والعطش، والحر والبرد، والعري والمرض، والفاقة والهرم، والموت والنار، ولا أطيقهن إلا بسلاح تام، ولا أجد لهن سلاحًا أفضل من التقوى"، فعدّ رحمه الله الحر والبرد من جملة أعدائه.

حقًا هو عدو، قال الأصمعي: "كانت العرب تسمي الشتاء الفاضح، فقيل لامرأة منهم: أيما أشد عليكم القيظ أم القرّ؟ قالت: سبحان الله، مَنْ جعل البؤس كالأذى؟! فجعلت الشتاء بؤسًا والقيظ أذى".

حقًا هو عدو، قال أبو عمرو بن العلاء: "إني لأبغض الشتاء لنقص الفروض، وذهاب الحقوق، وزيادة الكلفة على الفقراء".

حقًا هو عدو، وقال بعض السلف: "البرد عدو الدين"، يشير إلى أنه يفتر عن كثير من الأعمال ويثبط عنها، فتكسل النفوس بذلك، وقال بعضهم: "خلقت القلوب من طين، فهي تلين في الشتاء كما يلين الطين فيه".

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

محمد سلامة الغنيمي

باحث بالأزهر الشريف

  • 15
  • 0
  • 3,993

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً