الآباء والمراهقون .. تجارب عملية

منذ 2015-01-20

الانتقال من مرحلة الطفولة إلى الرجولة تمر بفترة حرجة على الإنسان وعلى والديه، وهذه المرحلة اصطلح على تسميتها " مرحلة المراهقة ".وقد دأب علماء النفس والتربية على تقسيم حياة الإنسان وتصنيفها إلى عدة مراحل تبعاً لصفاتها ومشكلاتها.

الانتقال من مرحلة الطفولة إلى الرجولة تمر بفترة حرجة على الإنسان وعلى والديه، وهذه المرحلة اصطلح على تسميتها " مرحلة المراهقة ".وقد دأب علماء النفس والتربية على تقسيم حياة الإنسان وتصنيفها إلى عدة مراحل تبعاً لصفاتها ومشكلاتها.

وهنا سؤال يطرح نفسه لماذا يعاني الآباء والأمهات من أبنائهم المراهقين؟ ولماذا اعتنت الدراسات المتأخرة بهذه المرحلة بالذات؟ وهل هناك حلول عملية للتعامل مع المراهقين؟

إننا نشعر بأهمية كبيرة لمرحلة المراهقة في حياة الشباب، ذلك أن مرحلة الشباب في أي أمة من الأمم تُعتبر المرآة الصادقة التي تعكس واقع المجتمع ومدى تقدمه ونهضته. يقول الدكتور محمد عرجون في كتابه "الدين منبع الإصلاح الاجتماعي": إن الشباب هم عصب الأمة وموضع آمالها، وهم الذين يقودون الأمة في مستقبلها فإن لم يلق الشباب توجيهاً تربوياً يقوم على دعائم الوعي والفضيلة، والتمسك بآداب الدين والعلم والمعرفة، فإنه يذهب بكل عمل تعمله ويهدم كل بناء تبنيه". أ. هـ

إن معاناة الآباء والأمهات مع أبنائهم المراهقين ناتج عن عدم معرفتهم وإلمامهم بصفات تلك المرحلة، والتغييرات التي تطرأ على حياتهم من الناحية الجسمية والنفسية، وكثير من الآباء يعامل أبناءه في تلك المرحلة على أنهم ما زالوا أطفالاً لا بد أن يستجيبوا لـه في أوامره و نواهيه، ونسي هذا الأب التغيرات الكبيرة التي طرأت على ابنه ودخوله في مرحلة أخرى، وهنا تنشأ المشكلة بين الوالدين وأبنائهم المراهقين.

وتزداد صعوبة كلما ازداد ضغط الوالدين تجاه أبنائهم؛ فيحدث العناد والتمرد وينتج عنه مشكلات كثيرة. يقول د. مصطفى فهمي: "إن المراهقة مرحلة تغيير كلي شامل في حياة الفرد، وليست أزمة في النمو. على أنه إذا لم يجد المراهق التوجيه المناسب في هذه الفترة فلا شك أن حياته تتصف بالفوضى النفسية والانهماك في المشكلات الجنسية والعدوان المدمر، والتمرّد الهدام، وبذلك تصبح بحق أزمة من الأزمات".

 

رسالة من مراهق إلى أبيه:

أخي القارئ أنقل لك رسالة كتبها طالب في الصف الأول ثانوي عندما طلب منهم معلم اللغة العربية كتابة "رسالة إلى الأب" تتضمن مشاعرك تجاه أبيك.

فكتب الطالب الرسالة التالية:

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى: - أبي الغالي...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد

أكتب هذه الرسالة وأنا في المدرسة. وقد وضعت كتابي حائلاً بيني وبين زميلي المجاور حتى لا يقرأ ما أكتبه... أتعرف لماذا يا أبي؟

لأني لا أريد أن أفشي أسرار منزلي. أبي العزيز... لم تُقصر علينا بالطعام والشراب والملبس وجميع هذه الأمور متوفرة ولله الحمد. ولكن هل تتوقع أن هذه الأمور تكفي؟! لا... لا يا أبي!!

لماذا تعاملني بقسوة كبيرة... لا يمضي يوم بدون ضرب أو تهديد أو وعيد!! لا تريدني أن أخرج من المنزل، ولا تريدني أن أصاحب أصدقائي!! هل تذكر عندما تأخرت عن المنزل في أحد الأيام، وكان استقبالك لي بالضرب بالعصا حتى أثر في يدي تأثيراً بالغاً!!.. وعندما تغيّبت عن المدرسة وذهبت في اليوم التالي ويدي مصابة وسُئلت عن ذلك قلت لأصدقائي... كنت ألعب الكرة وسقطت على الأرض....

لا أريد أن يعرفوا أنها منك.... لماذا.... كل ذلك لأني أقدرك، وأحبك، ولا أستطيع أن أقولها أمامك؟! ألا تعلم يا أبي أني كبرت... ومللت من الجلوس في المنزل مع إخواني الصغار... ومللت أيضاً من كلمة ذاكر... ذاكر... اجتهد في دروسك.... وإذا لم اسمعها منك يوماً سمعتها من أمي....

ابنك المحب

نعم هذه رسالة تحكي واقعاً ملحوظاً لكثير من الأسر في تعاملهم مع المراهقين بأسلوب الشدة والعنف، وتكرار التوجيه دون مراعاة لفترة التحول الجسمي والنفسي في عمر المراهق، ولا بد أن نعي أن تلك الفترة من عمر الشاب تمثل مرحلة خطرة فعن طريقها تتكون اتجاهات المراهق وميوله ومستقبله، فالحرص الزائد من الآباء يولد نتيجة عكسية.

إن الأسرة في ا لحقيقة تُعتبر المؤسسة الاجتماعية التي يتعامل معها الفرد منذ اللحظات الأولى في حياته، لذا كان لزاماً على الآباء والأمهات العناية بأبنائهم والتوسط في التعامل معهم، فالتوازن مطلب، ومعنى تحقق ذلك فإننا -على الأرجح- سوف نصل إلى تربية متميزة لأبنائنا.

 

* صفات وسمات المراهقين:

للمراهقين صفات تميزهم عن غيرهم. وفيما يلي نستعرض أهم تلك الصفات حتى نستطيع إدراكها والتعامل معها.

أولاً: الميل إلى إثبات الذات والقدرات:

وهذا الأمر يدفع المراهق إلى التحرر من قيود الأسرة، ويُفرط في الاستقلالية، ويرفض غالباً أي وصاية، ويميل إلى اختيار أصدقائه والارتباط بهم أكثر من أسرته.

ثانياً: التهور والعناد:

وهذه صفة واضحة في المراهق لإثبات رجولته، وعدم الانسياق لأسرته، ذلك أن فترة المراهقة تُعدّ جسراً ينتقل فيها من الطفولة إلى الرجولة، فهو يُريد أن يُظهر أمام الآخرين رجولته، وهذا الشعور يولّد لديه الرغبة في التهور والعناد دون التفكير في عواقب الأمور.

لذا نجد أن هناك فئة من المراهقين بسبب التهور والاندفاع يقع في الجنوح الشديد من تعاطي المخدرات أو السرقة ـ أو التفحيط بالسيارة... وغيرها.

ثالثاً: الميل إلى الغريزة الجنسية:

تبلغ الشهوة منتهاها في فترة المراهقة، وغالباً ما يلجأ المراهق إلى أساليب عديدة في إشباع رغباته، وتختلف المجتمعات في التعامل مع تلك الظاهرة تبعاً للثقافات والموروثات الاجتماعية. فهناك فئة لا تراعي هذا الأمر مطلقاً وتحاول عدم إثارته أو التحدث مع المراهق بأي شيء يتعلق به. وفئة أخرى تركز على هذا الجانب، وتوضح للشاب المراهق بأسلوب واقعي خطورة الانسياق وراء المغريات أو الوقوع في شِراك الرذيلة.

وهنا نقف وِقفة تستحق التأمل وإعادة النظر، حيث إن هناك فئة من أولياء الأمور يقعون في التناقض دون قصد منهم، حيث تجدهم يحذّرون أبناءهم من الانسياق وراء الشهوات والمغريات وفي الواقع العملي تجد أن في المنزل وفي معظم الغرف قد احتوت على مجموعة كبيرة من القنوات الفضائية ووسائل الاتصال الأخرى " إنترنت "، وهذه القنوات تعرض في مجملها مشاهد العري والتفسخ التي تؤجج الغريزة، وتدفع الشاب إلى إشباعها والوقوع في الرذيلة؟! لذا كان لزاماً علينا الاختيار المناسب من القنوات الفضائية، والحذر من تلك القنوات التي تبث السموم لهدم القيم الأخلاقية والاجتماعية.

رابعاً: الاضطراب والتقلّب في المزاج:

غالباً ما يخضع المراهق لتقلّبات مزاجية ظاهرة وباطنة، ويتصف بالعصبيّة الزائدة، وهذا يدفعه إلى مشكلات سلوكية فيها نوع من العدوانية.

 

كيف نتعامل مع المراهقين؟

لا يمكن لنا معشر الآباء والمربين أن نجيد التعامل مع المراهقين إلاّ بعد إدراك صفاتهم السالفة ورغباتهم وميولهم فعن طريقها تُضاء لنا الطريق.

ثمة أمر مهم، يرد على ذهن الآباء أسئلة كثيرة، وتتوارد في خواطرهم مشاعر كبيرة وربما البعض منهم يرفع الراية البيضاء، إشارة منه بالاعتراف بالهزيمة وعدم القدرة والسيطرة على أبنائه المراهقين. ونقول: إن الحديث عن المراهقين لا يمكن أن يُكتب له النجاح إلا إذا تحققت فيه الواقعية وعدم المثالية، وما يعانيه أكثر الآباء واقع ملموس. ومَنْ مِنّا لم يعانِ في تعامله مع المراهقين؟! سواء كان أباً أو أماً أو معلماً.

وسوف أستعرض أبرز النقاط التي تسهم بشكل كبير في التعامل معهم:

أولاً: إن التغـيرات النفـسية لدى المراهـق تـحـتّم علينا أن نتعـامل معه بأسـاليب كـثيرة للوصـول إلى الأسلوب الناجح، ودون الاكتفاء بأسلوب واحد فقط، وهذا الأمر يتطلب منا الاستعانة بالله - عز وجل - والدعاء بصلاح الأبناء ثم الصبر... الصبر. وإذا لم يصبر الأب على أبنائه متى يصبر؟.. وإذا لم تصبر الأم على بناتها فمتى الصبر إذاً؟

دعونا نفكر ملياً: هل غضب الأب على ابنه المراهق وباستمرار يُغيّر من حقائق الأمور؟!... ألم نسمع دوماً من بعض الآباء قولهم: إن ارتفاع السكر والضغط بسبب أبنائهم المراهقين!!

إننا بحاجة ماسة إلى إعادة صياغة تعاملنا مع المراهقين. فليس عن طريق الغضب أو العنف أو الشدة ننجح في التعامل معهم، قال – صلى الله عليه وسلم -: " الرفق ما كان في شيء إلاّ زانه وما نُزع من شيء إلاّ شانه".

ثانياً: إن مساعدة المراهقين في اكتشاف قدراتهم ومواهبهم تسهم بشكل كبير في توجيهها إلى الهدف المنشود، وتصرف طاقاتهم فيما يفيد. وإذا أغفلنا هذا الجانب فإنه -وبلا شك- سوف يصرف طاقاته ومواهبه فيما يضر أو يكون رهيناً لتوجيه رفاق السوء.

إن الطاقة المتوهجة لدى المراهق تدعونا إلى إيجاد المكان المناسب لممارستها. ومن أعظم الأمور أن نساعده على اختيار الرفقة الصالحة ليشاركهم في إبراز طاقاته وإبداعاته، والمجالات في هذا متعددة منها: حلق تحفيظ القرآن ـ أندية الحاسب الآلي ـ المنتديات المسائية في المدارس التي تحتوي على برامج متنوعة ـ ثقافية ـ رياضية ـ اجتماعية.

إن الرفقة الصالحة تساعد المراهق على الاندماج في المجتمع والاستفادة من أوقاته وتريح الآباء في الاطمئنان على سلوك أبنائهم.

ثالثاً: التغاضي عن الهفوات والزلاّت مطلب مُلح. يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: " يعجب ربك من شاب ليس لـه صبوة" حسنه الهيثمي في مجمع الزوائد 10/270

ومرحلة المراهقة والشباب مظنة الوقوع في الخطأ والتقصير المتكرر الذي يتطلب منا التغاضي عنها. كما قال الأول:

 

ليس الغبي بسيدٍ في قومه *** لكن سيّد قومه المتغابي

 

رابعاً: الغريزة الجنسية تشكل هاجساً لدى المراهقين، مما يدعونا إلى توخي الحكمة والحذر من إشباعها في المحرمات، والبحث عن السبل الكفيلة لتخفيف وطأتها لا سيما أن مرحلة البلوغ تبلغ ذروتها في عمر المراهقة.

تحدثنا كتب السنة " أن فتى شاباً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله: ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه.. مه!! فقال - عليه الصلاة والسلام - ادنُ مني، فدنا الشاب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتحبّه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال رسول الله: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله، جعلني فداك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال: أفتحبه لخالتك قال: لا والله جعلني فداك. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. فوضع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده على صدره وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهّر قلبه، وحصّن فرجه. فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء" رواه الإمام أحمد 5/256.

تأمل أخي القارئ هذا الأسلوب النبوي الكريم في معالجة هذا الشاب الذي ثارت غريزته وتأججت، حتى وصلت إلى الرغبة في إشباعها عن طريق الزنا. ولكن داعي الإيمان في قلبه أرشده إلى استشارة النبي الرحيم، فماذا قال - عليه الصلاة والسلام -؟. هل وبّخه؟!. هل أنّبه؟! لم يحدث ذلك مطلقاً بل أرشده بأسلوب حواري هادئ حرّك فيه غيرته على محارمه، ثم قال - عليه الصلاة والسلام - بعد تهيئة نفسه: وكذلك الناس لا يرضونه على محارمهم. ثم دعا له - عليه الصلاة والسلام -. فما أعظمه من نبي ومن مربّ رحيم بأمته!

أيها الأب المبارك إن الغلظة والجفاف من قبل بعض الآباء يولد النفور وهروب الأبناء، وارتكابهم الموبقات العظيمة، إن التعامل بالشفقة والحوار المبني على الاحترام يعيد ثقة الشاب بنفسه، ويحافظ عليه من الانحراف السلوكي.

خامساً: إن التنوع في أساليب التربية والتعامل مع الأخطاء بالتوجيه تارة، وبالنظرة تارة، والإشارة تارة أخرى تشكّل لدينا منهجاً متكاملاً في التربية بعيداً عن التقليدية المفرطة في زمن التطورات المتسارعة.

سادساً: هل المراقبة والمتابعة المستمرة تجدي مع المراهق؟

لا بد من الإشارة إلى أن مرحلة المراهقة تُعدّ من أخطر المراحل في حياة الإنسان. والدخول مع الشاب المراهق في دائرة المراقبة المستمرة، يورث لديه الشك في تصرفاته، وانتزاع الثقة منه مما يترتب عليه الوقوع في الكذب والاضطراب المستمر مع أسرته.

إن المتابعة والاهتمام بأحوال المراهق عن بعد دون إشعاره بالمراقبة تضفي على شخصيته الهدوء والثقة في النفس، والتعامل الواقعي الصريح مع أسرته، وتجنّبه مخاطر الانزلاق، والدخول في دائرة الشك والريبة.

سابعاً: إن تعزيز الصفات الإيجابية لدى المراهق، يدفعه إلى العمل ويحقق الثقة بالنفس والتفاعل مع مجتمعه. إننا نفرط في أغلب الأحيان بذكر السلبيات والتحذير منها أو التوبيخ عليها. علماً أن المدح والثناء على بعض الأعمال يشجع المراهق ويهيئه في نفس الوقت للابتعاد عن ممارسة وارتكاب الأخطاء.

ثمة أمر مهم لا بد من العناية به، وهو عدم إدخال المراهق في مقارنات مستمرة مع أقرانه كقول البعض مثلاً: " إن ابن فلان أفضل منك حصل على الترتيب الأول في المدرسة ".

هذا الأسلوب لا يحقق التحفيز لدى المراهق، بل يُثير في نفسه الحسد والحقد على قرينه، إضافة إلى تحطيمه. إن علينا أن ندرك أن القدرات والمواهب تختلف بين المراهقين، فعقد المقارنات مع اختلاف القدرات ينتج عنه التحطيم النفسي للمراهق، وربما يصل الحد إلى ترك الدراسة إذا كانت هي محور المقارنة.

إن الله - عز وجل - لحكمته البالغة خلق لكل إنسان قدرة وموهبة تختلف عن الآخر، وعلينا اكتشاف تلك المواهب والقدرات، ونحققها على أرض الواقع ونستثمرها في صالح الإنسان ومجتمعه وأمته. إن تلك القدرات والمواهب في حال استثمارها تكوّن لدينا منظومة متكاملة في الأخلاق والقيم، وتهيّئ لنا بيئة خصبة للإبداع والتميّز في جميع المجالات. وبالتالي ينشأ المراهق في بيئة صالحة للعطاء وينظر لأسرته ومجتمعه بنظرة تفاؤل واستشراف للعمل والبناء.

عبد الرحمن العبود

  • 4
  • 1
  • 11,548

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً