خديجة!

منذ 2015-02-08

هذه القصة حدثت بالفعل، ولا يزال بعض أبطالها يتنفّسون الحب.. الحب لنشر دين الله بالقدوة الحسنة، والتمسك بالعفة والفضيلة والأخلاق السامية..

هذه القصة حدثت بالفعل، ولا يزال بعض أبطالها يتنفّسون الحب..
لم يكن آدم يعلم أن صداقته لهذا الشاب المصري -والذي يدين بمثل دينه- ستكون هي السبب، لا زال يذكر صوته على الهاتف وهو يقول له بمرح: "لا بد أن تفكر في زيارة مصر يا آدم، تعال معي وستقضي وقتًا ممتعًا معنا في المنصورة".

أجابه آدم بلطف: "وهل حقًا مصر بلد جميل ويستحق الزيارة؟".
ردّ صديقه بثقة قبل أن يودّعه: "جرّب بنفسك".
أطرق آدم يفكّر، هل لا بد من زيارة مصر أم من الأفضل أن يسافر في إجازته إلى مكان آخر، فهو فعلاً يحتاج للاستجمام والراحة، فعمله كضابط حربي في كندا مرهق جدًا..

مرّت أيام قبل أن يتخذ القرار، وقام بالفعل بمهاتفة صديقه وأخبره أنه سيسافر معه إلى مصر..
تذكرة بسرعة ثم جواز السفر، حقيبة، ملابس..، هيا بنا.. إقلاع.. ثم هبوط.

كانت الصورة التي يعرفها عن مصر أنها صحراء، رمال صفراء، جوّ حار، وبعض العرب يجرّون الجمال
لكنه فوجيء بالحقيقة..! هي ليست كذلك إطلاقًا، ولكنها تبقى ذات نكهة خاصّة، اصطدمت عيناه ببعض السلبيات، ولكنه لم يتمكّن من إخفاء إنبهاره بآثار مصر الفرعونية القديمة.. حضارة قديمة لوثها البشر.

أعجبته الشوارع، وفتن بروح الأسرة المصرية، الوجوه الباسمة، البساطة، الودّ الواضح في تعبيرات وجوههم وهم يتحدثون إليه.. صوت الآذان الذي جذب انتباهه، مآذن المساجد، الأضواء المضاءة ليلاً ونهارًا أيضًا ولا يدري لماذا! رائحة المقاهي، أصوات الباعة الجائلين، ورائحة الفول... إنها مصر تلك الضجّة وهذا الصياح الممزوج بضحكات عالية، والذي لا يخلو منه شارع.

اضطر إلى الذهاب إلى أحد المصالح الحكومية فكان اللقاء الأول..
وقف حائرًا أمامها يسأل بارتباك عن أوراقه، قامت بحياء وتنحّت جانبًا لتسمح لأحد الرجال بالعبور من الباب! لا تريده أن يلمسها، اقتربت بحجابها الفضفاض وكأنها تطير بجناحين حريصة عليهما، وكأنها فراشة تخشى من خربشات البشر، تحدّثت إليه بأدب جمّ وانضباط، وحيّرته بطريقتها، عيناها الجميلتان تنظر إليه خطفًا وتغضّهما سريعًا لكي لا تتفحصه..

صوتها مسموع، لكنه لا يخضع، يداها تتحركان أمامه لكنها لا تلمسه، تقدّم إليه العون ولا تريد منه شيئًا، لماذا نظراتها لا تشبه نظرات كلّ النساء اللاتي التقيت بهن من قبل!
أخبريني من أنت..؟ ما اسمك؟ "خديجة".

شكرًا يا خديجة أنت حقًا رائعة!
رحل وترك معها قلبه، وكان لا بد من عودة مرّات ومرّات لإنهاء الأوراق، سألها بكل صراحة وببساطة: هل تقبلين الزواج مني؟

أجابته باستنكار: "وكيف هذا؟! أنا لا أستطيع الزواج منك أبدًا لأنني مسلمة".
تركها والأفكار تدور كطواحين الهواء في رأسه: مسلمة.. إسلام.. خديجة.. قلبي.. عيناها.. أحببتها، لماذا؟
ورحل عن مصر وقد أصيب قلبه بضربة من تلك الضربات التي لا تحدث كدمات لكنّها موجعة، واستقبله ألم الفراق على أعتاب وطنه فعاش فيه غريبًا.

حاول أن ينساها وتزوج من أخرى من كولومبيا، وأنجب منها فتاة جميلة أطلق عليها اسم (آنا)، ضحكات الصغيرة (آنا) لم تمنعهما من الشجار، نظراتها الحلوة لم تحجب مرارة الأيام، حتى وهو يحملها على صدره لم تتمكن بذراعيها الصغيرين من منح أبيها بعضًا من السكينة التي كان يبحث عنها..

عاد للتفكير في (خديجة) والتي لم ينساها أبدًا، كان الفضول لمعرفة المزيد عن دينها الذي جعلها ترفضه يسيطر عليه، قرر أن يتواصل معها مرّة أخرى فلجأ لصديقه النصراني وهاتفه قائلاً: "اتصل بأهلك أو أرسلوا من يأتيني برقم هاتفها، أريد أن أتحدث إليها، أحتاج هذا بشدّة أرجوك".

وبدأ البحث عنها، وسريعًا ما كان رقم هاتفها بين يديه، رنين جرس الهاتف كان يخترق أذنيه بينما دقات قلبه تتسارع لتسابقه، ردّت أخيرًا: "السلام عليكم".

- خديجة من فضلك حدثيني عن الإسلام.
- "حسنًا ولكن ليس على الهاتف! لا بد أن تعود لمصر".
- نعم سأعود قريبًا.

وعاد (آدم) وذهبت (خديجة) للقائه مع شقيقتها في مكان عام، أحسّت أنها قد كلفت بمهمة خطيرة، إنها تحمل له الإسلام، أخذت معها فكرًا ولسانًا ومنطقًا مقبولاً وتطبيق صادق لتعاليم دينها والكثير من الكتب..
دقّ قلبه وأسعده اللقاء بها وجلس ينصت باهتمام لكلامها عن دينها الذي تحبه، استطاعت أن تشرح له ثوابت الإسلام لأنها بكل بساطة تطبقها وتفعلها! تركها وحمل الكتب وهو لحبها أكثر ميلاً من حبّه للإسلام.

ولكن.. وبعد أن انفرد بنفسه مع ترجمات القرآن، دار في صدره حوار ذّاتي وتسرّب اليقين إلى فؤاده، وبعد أن جلس يقرأ، ويقرأ، ويقرأ اكتشف أنه الآن فقط وجد الطريق، زلزال داخلي هزّ أركانه وطرح كل شائبة كانت عالقة في صدره..

ارتعشت ملامح وجهه وهو يقرأ معاني الآيات، أجاب الإسلام على كل سؤال كان يحيره، لامس القرآن كل موطن أوجعه في عقيدته يومًا ما، شعر أنه الآن في سلام انشرح صدره وبكى كثيرًا، وبدأت البشريات، تلك الارتعاشات الأولى وهو ينطق الشهادتين، وهذه العبرات التي انهمرت كالشتاء الدافيء، وصوته الذي كان يتلجلج في صدره.. وأخيرًا لسانه الذي لفظ بصعوبة وبحروف متكسّرة: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا رسول الله".

وصارت خديجة تفّاحة آدم التي أدخلته لجنّة الإسلام، ومرت أيام، واقترب موعد رحيله وكان السؤال مرّة أخرى: هل تقبلين الزواج مني يا خديجة؟

أجابته بفرحة: "نعم أوافق، ولكن! لا بد أن يوافق أبي".
وانطلقت إليه ترجوه وهو يخاف، "أبي أرجوك"، "يا حبيبتي لا أستطيع أن ألقي بك في غربة لا أعرف عنها شيئًا، وأخشى أن يرتد عن الإسلام فيؤذيك".

- "يا أبي أرجوك"، "أين ستذهبين وتتركيني يا قرّة العين".
"أبتاه رفقًا بقلبي"، "له زوجة أخرى يا خديجة ألا تخافين"!
- "أبي أرجوك.."، "لا... لن أوافق أبدًا".

وعاد آدم إلى كندا بفرحة يشوبها الألم، فرحة بإسلامه، وألمًا لفراق خديجة، وعاد للخلاف مع زوجته الكولومبيه، وأخيرًا طلّقها وصار وحيدًا، أرسل إلى خديجة مرّة أخرى، ولا زالت تلح على أبيها أن يوافق على زواجها من آدم، تلاحقه بالبيت.. "أرجوك يا أبي ليثبت على دين الله"، "لا".

- "حتى أنال الأجر يا أبتاه"، "لا... لا".
- "أنا أدرك ما أنا مقبلة عليه وسأتحمل المسئولية كاملة يا أبي، اتركني لله، احتسبني في سبيله، أنا لله".
- "لا.. لا.. لا"، وبعد حوارات طالت لأيام وشغلت ليال طوال وافق أخيرًا على زواجها من آدم على أن تدرس في كندا في جامعة ما وترتقي بنفسها حيث لا يقلق عليها، وطارت خديجة إلى هناك، طافت السعادة في نفسها أخيرًا وسكنت إلى زوجها كما يسكن الطير الغريب للعش الهادىء.

وتزوجها في حفلٍ بسيط بعيد تمامًا عن حلم كل فتاة أخرى، لكنّه كان حلمها الوحيد...
التقى الحبيبان أخيرًا وذاقا معًا رحيق الحب وأمطرهما الله بالرحمات
أصرّت خديجة أن تقيم مع أهله ببيتهم، ابتسمت في وجوههم، أضحكتهم، صلّت أمامهم، رحمت أم زوجها التي كانت في شهور حملها الأخيرة! وعاونتها في أعمال البيت، ولم تخلع حجابها أمام أشقائه الرجال، تعجب أخوه وناداه لينزوي به في ركن الغرفة ومال عليه برأسه، وسأله بفضول: "ما هذا؟"، حجاب

"ولم تغطي شعرها أمامنا؟"، لأنها لي فقط، هي تخصّني وحدي، وهكذا أمرها الله إنه الإسلام!
ابتسم شقيقه وقد أعجبه الكلام وجلس يثني عليها وعلى أخلاقها، وراقبها وهي تعامل أخيه آدم بحب واحتواء.
أطلق آدم لحيته فبدأت معاناته في عمله بسبب إسلامه، فقرر أن يترك هذا العمل..

وضعت أمه مولودة جميلة، ووقفت خديجة مع آدم وهو يؤذن في أذن شقيقته (سميّة) اليمنى ويقيم الصلاة في أذنها اليسرى، اقشعرّ بدنه ورقّ قلب خديجة، وحملت الصغيرة واحتوتها في حضنها، هي أيضًا تتمنى أن تكون أمًا ويؤذّن هو في أذن أبنائها.

أسلم شقيق آدم واختار اسم (يوسف) ثم أسلمت زوجته، وبعدها أسلم الآخر واختار لنفسه اسم (مصعب)، وأطلّ الإسلام مشرقًا جميلاً، من بيت حملته إليه خديجة في قلبها ودعتهم إليه بذكاء.

تأخّر حملها فصبرت وثبتت، وبدأت تبحث عن جامعة لتدرس بها هناك.
اختبارات وتقييم ودراسة حتى قررت أن تدرس طب الأسنان، وبالفعل بدأت رحلتها الدراسية، سافر آدم للعمل في فرنسا وطال غيابه، فقلقت على دين زوجها فنصحته أن يتزوج من فرنسية من المسلمين الجدد من غير العرب لتعفّه وربما تنجب له طفلاً جميلاً، وظلّت تلح عليه..!

ماذا تفعلين يا خديجة..! تزوجينه بنفسك؟!
يبدو أن هناك حبّا أكبر من حبّ آدم في قلبك، الآن كشفت الحجب عن فؤادك يا طيبة القلب، يبدو أنك تشبهين خديجة، يا خديجة! وتزوج آدم بالفعل من فتاة فرنسية من المسلمين الجدد، والمفاجأة أن بعد زواجه رزقت خديجة بحمل مبارك وأنجبت (محمد)، كانت سعادة آدم بابنه لا توصف..

- وأخيرًا قطعة من حبيبتي بين يديّ وتحمل اسمي الله أكبر.
بدأت المشاكل مع زوجته الفرنسية والتي أصرّت على عدم ارتداء الحجاب، ولم تكن يوما مثل خديجة، مما أصابه بضيق شديد، علمت خديجة فطلبت منه أن يحضرها لتقيم معها بالبيت لتثبتها على الإسلام، لكن الأخيرة غارت من خديجة غيرة شديدة، وخاصّة بعد أن رزقت خديجة بحمل آخر، وأنجبت (ليلى) الجميلة، فغضبت ضرّتها وطلبت الطلاق..

تم الطلاق واكتشف آدم أن طليقته حامل، وأنجبت لاحقًا إبراهيم الذي ظلّ أبوه قلقًا على دينه لفترة طويلة..
نصحته خديجة أن يردّها ليكون إبراهيم أمام عينيه، لكنها رفضت لأنه اشترط عليها أن تتمسك بتعاليم الإسلام والحجاب، وتكون مثل خديجة، وبقي ابنه معها.

توفي والد آدم على غير الإسلام فحزن حزنًا شديدًا، وقرر دعوة أمّه للإسلام لينقذها من النار قبل فوات الأوان، وظلّت ترفض، بدأت خديجة تسأله أن يحضر (آنا) و (إبراهيم) لتعلمهم الإسلام..

- "(آنا) تعالي يا حبيبتي، إبراهيم اجلس بجوار محمد هنا أحبكم كثيرًا".
بالحب علمتهما! مرّت أعوام وتخرجت خديجة من كلية طب الأسنان، وبدأت تعمل في عيادتها الخاصّة لعلاج الفقراء من الهنود والمكسيكيين لتدعوهم إلى الإسلام، أسست خديجة جمعية للأيتام وبدأت تبحث عن المسلمين الجدد لتساعدهم.

اهتمت بمجهولي النسب حيث كانت الكنسية تحاول التخلّص منهم، فتأخذهم الأسر الهندوسية لترعاهم، وتوسّعت وبدأت تعلمهم القرآن، ومرّت السنون وبدأت الجاليات تنضم لجمعيتها وأصبحت أكبر جمعية في الولاية، سافر أشقاء آدم إلى ألمانيا (يوسف) الذي صار له أربعة من الأبناء، و(مصعب) الذي أنجب طفلين واستقرا هناك، وتزوجت أخته التي أسلمت من إمام مسجد هناك.

توسّع آدم في الدعوة وبدأ نشاطه في كندا وإنجلترا وكولومبيا، وشغل في الكثير من المؤتمرات والندوات،
أصبحت الأسرة كلها دعاة للإسلام، تزوجت (آنا) ابنة آدم في فرنسا من شاب مسلم، انتقل (إبراهيم) من فرنسا وأقام مع زوجة أبيه التي يحبها خديجة، وشقيقة محمد وشقيقته ليلى في كندا، أخيرًا أصبح آدم مطمئنًا على أبنائه جميعًا لأنهم في حضن الإسلام.

وبدأت خديجة تخرج وتطرق البيوت وتحمل المال والمساعدات إلى بيوت الفقراء كل شهر، وكانت تلازمها كظلها شقيقة زوجها (سميّة) -والتي أنجبتها حماتها بعد انتقالها معهم في بيت أهل آدم وأذّن آدم في أذنها-، كانت سمية تحب خديجة جدًا، واتخذتها قدوة لها..

وفي أحد الأيام، قررت خديجة أن تجهّز مجموعة كبيرة من المصاحف وتحملها للمسلمين الجدد من الهنود والفقراء في أحد المناطق البعيدة، سافرا بالفعل وقاما بتوزيع المصاحف، وبقيت كمية بسيطة، وكان الجو باردًا جدًا، فاتفقا على العودة في وقت لاحق لإكمال التوزيع، إعصار شديد، سيول هائلة، لا نرى الطريق، ما الذي يحدث؟ ما هذا؟ انقلبت السيّارة..

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا رسول الله، ماتت الحبيبة خديجة ومعها حبيبتها سمية..
ماتت بعد أن أنارت لآدم الطريق وأرشدته إلى البداية، وتركت معه قرّتا عينيها (محمد، وليلى) وقد علّمتهما الكثير، انفطر فؤاده وبكاها كثيرًا، لم يطيب جرحه إلا بعد أن قرر أن يكمل الطريق، قرر أن تستمر الدعوة التي أطلقت خديجة إشارة بدايتها، عندما وقفت أمامه بحجابها في عزّة وحياء، فلفتت نظره وتركت لديه بصمة عميقة جعلته يتساءل.. من هي؟ ولماذا حجاب!

لا زالت أمه على غير الإسلام، ولا زال يبكي خوفًا وإشفاقًا عليها.
مرضت أم آدم مرضًا شديدًا ودخلت في غيبوبة، أفاقت منها مرّة فدخل عليها محمد ابن خديجة، فأسلمت أخيرًا على يديه ليصبّ هذا كلّه في ميزان خديجة،

كانت بداية الحكاية حجابًا تحبّه فتاة جميلة اسمها (خديجة) وتلفّه حول وجهها لإرضاء ربها.
ولا زالت حكايتها مستمرّة وكأنها بسطت حجابها ليسيروا جميعًا عليه، وتطأه أقدامهم لجنّات العلى والكلّ يلهج لسانه بالشهادتين..

اللهم ارحم خديجة، وأمنا خديجة، وكل خديجة على وجه كوكب الحب.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

حنان لاشين

كاتبة إسلامية ملقبة بأم البنين

  • 16
  • 0
  • 16,033

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً