ابن أمير المؤمنين!

منذ 2015-02-22

نظرة خاطفة وسريعة على جميع المؤسسات حولنا وبلا استثناء.. سنجد أن كل من يشغلون الوظائف فيها أبناء المديرين والرؤساء والوزراء.. أصبحت جميع الوظائف بالوراثة وليس بالكفاءة.. الرئيس يخلف ابنه وراءه وكذا الوزير والمحافظ ومثلهم المدير.. حتى الأساتذة في الجامعات والمدرسين في المدارس!!

 

بسم الله الرحمن الرحيم


نظرة خاطفة وسريعة على جميع المؤسسات حولنا وبلا استثناء.. سنجد أن كل من يشغلون الوظائف فيها أبناء المديرين والرؤساء والوزراء.. أصبحت جميع الوظائف بالوراثة وليس بالكفاءة.. الرئيس يخلف ابنه وراءه وكذا الوزير والمحافظ ومثلهم المدير.. حتى الأساتذة في الجامعات والمدرسين في المدارس!!

يستقطعون من حق الرعية ليميزوا أبناءهم ويحتفظوا لهم بامتيازات فوق باقي الخلق.. كيف لا؟ وابنه (ابن سعادة المدير).. أو (ابن حضرة القاضي).. أو (ابن الأستاذ الجليل)!!

طلباته أوامر.. إن اشتهى سيارة.. جيء له بها، وإن أراد قصرًا.. بني له خصيصًا، وإن أشار إلى قطعة أرض أعجبته.. أُخذِت عنوة من صاحبها.. لتكون تحت إمرته يتصرف فيها كيفما شاء!! ولا تجرؤ على فتح فمك.. أليس هو (ابن سيادة الوزير)؟!

يستحلون أخذ حقوق الناس، ويسلبونهم إياها.. وباقي الرعية تكافح وتناضل من أجل الحصول على حقها فقط!!

 

فيا أيها المدير.. ويا أيها الوزير.. ويا أيها الرئيس.. ألم تسمع يومًا بخبر (ابن أمير المؤمنين)؟؟
نعم.. لم تسمع

فهاك إذن خبر أمير المؤمنين وابنه..
أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.. وابنه عبد الله رضي الله عنه.

 

ذهب أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه في يوم من الأيام إلى السوق ليتفقد الأحوال كما كانت عادته (مع العلم أنه لم يكن له موكب يحرسه ولم يكن يرسل الشرطة قبلها ليخلوا له الطريق).. المهم.. أخذ يتجول في السوق ولفت انتباهه إبل جميلة وسمينة يكسوها اللحم.. فسأل الناس: إبل من هذه؟
فجاء الرد: إنها إبل عبد الله بن عمر!!

عبد الله بن عمر.. ابني!! هذه إبله؟!

بخٍ.. بخٍ (يعني: يا حلاوة يا ولاد)

من أين لكَ هذه الإبل يا ابن أمير المؤمنين؟

هكذا سأله.. ألم يفرح ويغتبط بهذه الإبل السمينة؟!

 

تعالوا لنعرف من أين جاءته هذه الإبل.. يا تُرى هل أعطى أحدهم (ابنَ أمير المؤمنين) إياها هدية؟ أم يا ترى هل أعجبت هذه الإبلُ (ابنَ أمير المؤمنين) فتمناها فعلم بذلك المقربون منه فأخذوها من صاحبها غصبًا؟

لا والله.. بل هي إبل عادية اشتراها عبد الله من (حر ماله) وأرسلها إلى المرعى لترعى كباقي الإبل.. يفعل كما يفعل باقي الناس!

 

فما المشكلة إذن يا أمير المؤمنين؟!

فكرتُ في المشكلة.. وأنتَ أخي الكريم فكّر في المشكلة.. لم تظهر لي أي مشكلة وربما لا تظهر لكَ أيضًا

لكن انظر إلى ورع عمر رضي الله عنه وكيف نظر إلى الأمر بطريقة أخرى.. قال لابنه عبد الله: "فيقولون: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين"!!

 

يا الله! أهكذا نظر أمير المؤمنين إلى الأمر؟!

لم يخطر ببالي ولا ببالكّ ولا ببال (ابن أمير المؤمنين) هذا الأمر.. ولكنه الورع عندما يتمكن من القلوب فهكذا يفعل ويأتي الأمر: "يا عبد الله بن عمر اغدُ إلى رأس مالك، واجعل باقيه في بيت مال المسلمين"!! وقُضي الأمر؛ يبيع الإبل ويأخذ رأس ماله فقط ويجعل الربح في بيت مال المسلمين.. دون تذمر ودون نقاش حتى.

 

فأين خبر (ابن أمير المؤمنين) مما يحدث الآن؟!

وليس هذا هو الموقف الوحيد لابن أمير المؤمنين.. بل هناك الكثير مثلها. فقد روي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "شهدت جلولاء -إحدى المعارك ببلاد فارس- فابتعت من المغنم بأربعين ألفًا، فلما قدمتُ على عمر قال: أرأيت لو عرضتُ على النار فقيل لك: افتده، أكنت مفتديًا به؟ قلت: والله ما من شيء يؤذي بكَ إلا كنتُ مفتديًا بك منه. قال: كأني شاهد الناس حين تبايعوا فقالوا: عبد الله بن عمر صاحب رسول الله، وابن أمير المؤمنين وأحب الناس إليه- وأنت كذلك- فكان أن يرخصوا عليك أحب إليهم من أن يغلوا عليك، وإنى قاسم مسؤول وأنا معطيك أكثر ما ربح تاجر من قريش، لك ربح الدرهم درهم، قال: ثم دعا التجار فابتاعوا منه بأربعمائة ألف درهم، فدفع إليّ ثمانين ألفا، وبعث بالباقى إلى سعد بن أبى وقاص ليقسمه"!!

 

هكذا عاش (ابن أمير المؤمنين) يا سعادة الوزير.. وهكذا كانوا يتورعون أن تشوب أموالهم وممتلكاتهم شائبة.. أو أن يخالطهم شك في أن الناس إنما ميزوا أبناءهم لكونهم (أبناء أمير المؤمنين).

ماذا أقول.. أظن أن الموقف لا يحتاج لمزيد شرح، واللبيب بالإشارةِ يفهمُ.

 

وإن كنتَ لم تفهم بعد.. فإليك هذا الموقف أيضًا الذي حدث في عام الرمادة وهو العام الذي حدثت فيه مجاعة في أرض الحجاز في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمسكت السماء عن المطر وأجدبت الأرض وماتت الأنعام ونفذ ما ببيت مال المسلمين.. وكان عمر رضي الله عنه (أمير المؤمنين) وقتها لا يأكل الخبز إلا بالزيت فقط حتى ضعف جسمه ونحل.. ثم نظر ذات يوم فرأى بطيخة في يد ولد من أولاده, فقال له على الفور: بخٍ بخٍ يا ابن أمير المؤمنين، تأكل الفاكهة وأمة محمد هَزْلى؟ فخرج الصبي هاربًا يبكي، ولم يسكت عمر إلا بعد أن سأل عن ذلك وعلم أن ابنه اشتراها بكف من نوى.

 

فأين حكام المسلمين مما يحدث الآن؟!

الناس جوعى وهم في قصورهم يتلذذون بأجود أنواع الطعام!!

الناس يفترشون الأرض ويلتحفون السماء وهم يتنعمون في الفراش الوثير!!

الناس يتجمدون في هذا البرد القارس وهم قد استحلوا العيش في الدفء بين جنبات قصورهم غير مبالين بما يحدث لإخوانهم!!

فوا أسفاه.. وا أسفاه.. ورحم الله أمير المؤمنين وابن أمير المؤمنين ورضي عنهم وأرضاهم.

 

  • 3
  • -4
  • 20,017

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً