شريعة الذئاب - (1) الغاية الشيطانية

منذ 2015-05-11

إنكم أعددتم في ديار الإسلام شبابًا لا يعرفون الصلة بالله، ولا يريدون أن يعرفوها، وأخرجتم بعضهم من الإسلام، ولم تدخلوه النصرانية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقًا لما أراده الاستعمار: لا يهتم بالعظائم، ويحب الراحة والكسل، ولا هم له في دنياه إلا الشهوات، فإذا تعلَّم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإذا تبوَّأ أسمى المراكز فللشهوات، وفي الشهوات يجود بكل شيء فإن هذا جهد كبير يباركه الرب

فلنتحدّث أولًا عن أثر الشريعة في حياتنا؛ للشريعة أثرٌ عظيمٌ في حياتنا و... لا تحب السرد بهذه الطريقة الرتيبة؟ حسنًا، أعدك ألا أفعل، فأنا أعرف كيف نجح الآخرون في إثارتكم وتشويقكم بينما يتحسر هؤلاء على إعراضكم عن الكتابات القيمة، فقط لأنها لا تثير شغفكم، وأعرف كذلك كيف اسـ... ولكن دعك الآن من الهوّة بين الأجيال ولنتحدث هذه المرة عن.. أثر الشريعة في حياتنا.
  
"أيها السادة، أعضاء اللجنة، إن أوروبا كلها تحتفل اليوم بانتصار النصرانية، لقد انتهى الإسلام الذي ظل يسيطر على العالم منذ 1400م، إن "كريمان خالص" ملكة جمال تركيا تمثل أمامنا المرأة المسلمة.. ها هي "كريمان خالص" حفيدة المرأة المسلمة المحافظة تخرج الآن أمامنا "بالمايوه"، ولا بد لنا من الاعتراف أن هذه الفتاة هي تاج انتصارنا.. ذات يوم من أيام التاريخ انزعج السلطان العثماني"سليمان القانوني" من فن الرقص الذي ظهر في فرنسا، عندما جاورت الدولة العثمانية حدود فرنسا، فتدخل لإيقافه خشية أن يسري في بلاده، ها هي حفيدة السلطان المسلم، تقف بيننا، ولا ترتدي غير "المايوه"، وتطلب منا أن نُعجب بها، ونحن نعلن لها بالتالي: إننا أُعجبنا بها مع كل تمنياتنا بأن يكون مستقبل الفتيات المسلمات يسير حسب ما نريد، فلتُرفع الأقداح تكريماً لانتصار أوربا".
فلترفع الأقداح إذن، ولتنسكب على أوربا، لا يبدو أن كريمان فهمت هذه الكلمات ، لعلها اكتفت بابتسامة بلهاء وهي ترى الأقداح ترفع دون أن تدري أنها إنما رفعت لكونها مسلمة لا لكونها فاتنة، فلنتركها وشأنها فهناك ما هو أكثر إثارة من إعجاب هذا الـ... بها، هناك انتصار النصرانية، وانتهاء الإسلام بزعمهم، والمرأة المسلمة، وهناك السلطان سليمان، والدولة العثمانية، والسيطرة منذ 1400م، بالطبع هناك أقداح أوربا المنتصرة، ربما تتساءل كذلك عن هذا المخبول الذي يسب دينه، فكيف يصف عاقل العري بأنه انتصارٌ لدينه على دينٍ آخر، فليس العري هو الغاية إذن، إنما هو وسيلة في سبيل غايتهم السامية، كان رئيس لجنة التحكيم ذئبًا وقحًا، ولكن ما هي هذه الغاية اللعينة..

" لقد صرفنا من الوقت شيئاً كثيراً وأنفقنا من الذهب قناطير مقنطرة، وألّفنا ما استطعنا أن نؤلّف وخطبنا، ومع ذلك كله فإننا لم ننقل من الإسلام إلاّ عاشقاً بنى دينه الجديد على أساس الهوى، فالذي نحاوله من نقل المسلمين من دينهم هو باللعب أشبه منه بالجد.. وعندي أننا يجب أن نعمل حتى يصبح المسلمون غير مسلمين. إنّ عملية الهدم أسهل من البناء في كل شيء إلاّ في موضوعنا هذا، لأنّ الهدم للإسلام في نفس المسلم معناه هدم الدين على العموم."

" إن المهمة التي نَدَبَتْكم إليها دول المسيحية في البلاد المحمدية - ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هدايةً لهم وتكريمًا، وإنما مهمتكم أن تُخْرجوا المسلم من الإسلام؛ ليصبح مخلوقًا لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها؛ وبذلك تكونون بعملكم هذا طليعةَ الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به خلال الأعوام المائة السالفة خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه، وتهنئكم عليه دول المسيحية ، لقد قبضنا - أيها الإخوان - في هذه الحقبة من الدهر، على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، ونشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير، والكنائس، والجمعيات، والمدارس النصرانية الكثيرة، التي تهيمن عليها دول أوروبا وأمريكا، أيها الزملاء: إنكم أعددتم في ديار الإسلام شبابًا لا يعرفون الصلة بالله، ولا يريدون أن يعرفوها، وأخرجتم بعضهم من الإسلام، ولم تدخلوه النصرانية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقًا لما أراده الاستعمار: لا يهتم بالعظائم، ويحب الراحة والكسل، ولا هم له في دنياه إلا الشهوات، فإذا تعلَّم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإذا تبوَّأ أسمى المراكز فللشهوات، وفي الشهوات يجود بكل شيء فإن هذا جهد كبير يباركه الرب".

علام الابتسام؟! كنت الأذكى فلم تشارك في مسابقة ملكة جمال أوربا وفوت عليهم مرادهم!، جميل، دعك من أنها كانت عام 1923 أصلًا، وفي أنقرة - نكاية في الإسلام واحتفالًا بسقوط الخلافة العثمانية- ، وانها للسيدات فقط، وأنّ صاحب هذه الكلمات الرائعة هو صامويل زويمر وليس رجل الأقداح هذا، وإن تشابهت قلوبهم فتشابهت أقوالهم وأفعالهم، دعك من كل هذا ولنربط بين المقطعين الأخيرين؛ الرجل يئس من نقل المسلمين إلى دينه فقرر أنهم لا يستحقون هذه الهداية، وأن عليهم فقط أن يردُّوهم عن دينهم ويضلّونهم، فياللحسد!، وهكذا يكون البذل المبارك في سبيل نصرانيتهم وانتصارها، ولا تسألني كيف يزعم أنّ الرب يبارك هذا الجهد المريع! ربما هذه أحدث الافتراءات العديدة على الله التي فشلوا في إقناع المسلمين بالإيمان بها، وفشلوا هم أنفسهم في الاتفاق عليها..  مخلوقاتٌ مشوهةٌ لا صلة لها بالله! ولا يريدون أن يعرفوها ربما لظنهم أنهم لا يحتاجون لمعرفة الله وشريعته! هذا هو الإصلاح الفكري والديني والإسلام المعتدل الذي يريدونه إذن، بالمناسبة؛ زويمر هذا كان رئيسًا للقسم اللاهوتي لدراسة الأديان في مدرسة الدراسات الشرقية بالجامعة الأمريكية، أنت من الجامعة الأمريكية!.. لاعليك، رأيت مخلوقات رائعة درست هناك، كان زويمر ثعلبًا فظًا، فهناك من كانت كلماته أكثر أناقةً وخبثًا؛ فقد صاغ روبرت آندروس مفهوم التبشير الذي تقوم به الجامعة بعباراتٍ أكثر رقةً فزعم أنه  "لا يعني إحداث تحول من ديانة إلى أخرى ، ولكن هو محاولة لأن يصل الناس إلى درجة التشبع بوجهات النظر والمفاهيم والمثاليات المسيحية"[1].. ياللمفارقة! الإثنان لا يريداننا ترك الإسلام إلى النصرانية بل ترك الإسلام إلى شيئًا ءاخر نفهم الآن كيف يوصف بالتشبُّع والتشوُّه في آن واحد؛ تشبُّعٍ بمثالياتهم، وتشوُّهٍ منقطع الصلة بالله، فمثالياتهم ومفاهيمهم مشوهةٌ منقطعةُ الصلة بالله، على أن المسيح عليه وأمِّه السلام براءٌ من كل هذا، فلو عرفوا دينه بحق لعملوا على الدعوة له وليس للإلحاد أو الانحلال، إن هناك نقطة غامضة في الأمر للبعض ويوضحها لنا ديننا بأن الدين عند الله الإسلام، ولو أنهم دعوا إلى دين آخر بدلًا عن أفاعيلهم فقد يؤول بهم الأمر مع التجرد للحق إلى الدين الحق -الإسلام- في النهاية بإذن الله.. كان آندروس وغدًا لبِقًا، ولكن لم يكن التعليم والوسائل التي ذكرها زويمر هي فقط المستخدمة، فهناك السيطرة على وسائل الإعلام، والتشويه، وآليات الـ...، أثر الشريعة! جميلٌ منكَ أن تذكرني، هذا الجيل لا يتحلى بالصبر، ولكن لماذا أيضًا يكنُّون للإسلام، وللدولة العثمانية والسلطان سليمان بالأخصِّ كل هذه الأحاسيس..

"يا بُنَيّ، هأنذا أموت، ولكنِّي غير آسفٌ لأنّي تاركٌ خلفًا مثلك، كن عادلًا صالحًا رحيمًا، وابسط على الرعيةِ حمايتك دون تمييز، واعمل على نشر الدين الإسلاميّ، فإن هذا هو واجب الملوك في الأرض، قدِّم الاهتمام بأمر الإسلام على كلِّ شيء، ولا تفتر في المواظبة عليه، لا تستخدم الأشخاص الذين لا يهتمون بأمر الدين، جانب البدع المفسدة، وسِّع رقعة الجهاد، واحرس أموال بيت المال من أن تتبدد، إياك أن تمُدَّ يدك إلى مال أحدٍ من رعيتك إلا بحق الإسلام، واضمن للمعوزين قوتهم. العلماء الصالحون هم قوة الدولة، فعظِّم جانبهم وأكرمهم، وإذا سمعت بعالمٍ في أيِّ بلدٍ فاستقدمه إليك وأكرمه".

كلا.. متسرعٌ أنت كغالب أبناء جيلك، ليست وصية السلطان سليمان، هذه وصية أحد أجدادِه، ذي الشهرة العظيمة الذائعة  بأعماله السياسية والحربية وفتوحاته العديدة في أوربا وآسيا، والتي أغشت أبصار الكثيرين عن مآثره في ميادين الثقافة والعلم والإدارة والحكم- لا سيما فتح القسطنطينية عاصمة النصرانية في الشرق، حتى لقبّه أهل أوربا بالسيد العظيم "GRAND SEIGNEUR"، كان هذا محمد الفاتح، أما السلطان سليمان فكان الأجدر من الأحفاد بتنفيذ هذه الوصية،ولذا كان الأجدر كذلك بأن يكرهه الأوربيون كما كرهوا الفاتح، يكرهونه لأنه تبع دين جده الفاتح -فكم من خلف لم يتبعوا سلفهم ووالوا الكفار وأطاعوهم من دون الله-، ويعتبر عصره هو ذروة النفوذ والقوة في الدولة العثمانية، فقد كانت الدولة في عهده  بالغةً في الاتساع الجغرافي ونفوذها السياسي وتقدمها العلمي واستقرارها الاجتماعي وثباتها المؤسسي وثرائها الاقتصادي وتفوقها العسكري وذكائها الدبلوماسي، حتى إن الأوربيين قد أطلقوا عليه "سليمان العظيم"، وهو السلطان العثماني الوحيد الذي قهر الإمبراطور شارلكان عاهل الإمبراطورية الرومانية الشهيرة، وحاصر عاصمته فيينا وكاد أن يفتحها، وضمَّ إلى دولته أجزاءً من المجر بما فيها عاصمتها بودابست، وفتح بلغراد، ورودس وغيرها، وفرض الأسطول البحريّ سيطرته في بحار عدة، وقهر البرتغاليين، والصفويين، واشتهر بسليمان القانوني، لأنه وضع قوانين تنظم الحياة في دولته ونظمًا داخلية في كافة فروع الحكومة، وجعل أكبر الوظائف العليا وظيفة المفتي، وحرص أن تتفق مع الشريعة الإسلامية، ولم تكن مستمدة من القوانين الوضعية كما قد يتبادر إلى الأذهان، ولم يُطلق الشعبُ على السلطان سليمان لقب القانوني لوضعه القوانين؛ وإنَّما لتطبيقه هذه القوانين بعدالة [2]، و... لماذا فغر فاك هكذا؟! من الصادم أن يكتشف المرء كم كان جاهـلًا بـ... كنت تتثاءب! من الصادم أن يكتشف المرء كم كان مملًا، قد شارفنا على الانتهاء، بالطبع كان جديرًا بالفاتح وسليمان أن يشوههما الغرب وأذنابه في العالم الإسلامي، فافتروا أشياءً على الفاتح أمتعض من ذكرها، وصنع أذنابهم "حريم السلطان" لسليمان وقد شوّهوا هارون الرشيد من قبل.
  
المهم أن الغرب قد علم قيمة الشريعة الإسلامية بمفهومها الواسع الشامل في نفوس المسلمين، وفزع من تكرار تجارب قيام الدول الإسلامية بعد أفول نجمها في مناطق أخرى كحال الدولة العثمانية التي تجاهلوا نشأتها واستخفوا بها في البداية، ورأوا إحدى الخصائص الأكثر خطورة عليهم: " إن الحركات الإسلامية تتطور عادة بصورة مذهلة، تدعو إلى الدهشة، فهي تنفجر انفجاراً مفاجئاً قبل أن يتبين المراقبون من أماراتها ما يدعوهم إلى الاسترابة في أمرها، فالحركات الإسلامية لا ينقصها إلا وجود الزعامة، لا ينقصها إلا ظهور صلاح الدين جديد"، ويُكمل تحذير جب هذا قولُ مونتجومري وات: "إذا وجد القائد المناسب، الذي يتكلم الكلام المناسب عن الإسلام، فإن من الممكن لهذا الدين أن يظهر كإحدى القوى السياسية العظمى في العالم مرة أخرى"، لذلك كان الأهم بالنسبة إليهم الهيمنة الفكرية والأخلاقية،وملاحقة الحركات الإسلامية أيمّا ظهرت، ولنقفز من وصايا الفاتح إلى وصايا راند الفاتنة.. كف عن الأسئلة العبثية، كلا لم تكن من ملكات العهد العثماني، كنت أعني الوصايا الفاتنة لراند، فقد أعدت وصاياها من أجل فتنتك أنت.. يمكنك أن تسميها "عجوز البيت الأبيض المتسلط"، أو "شيطانة الحرملك الأبيض"، ولكنك أرهقتني حقًا، لن أخبرك الآن وأفسد عليك متعة البحث، وإلى أن نلتقي... لماذا تتهمني بالخداع، من أول حديثنا إلى آخره وأنا أكلمك عن أثر الشريعة، وأنت لا تدري! أنت إذن من يريد الأساليب التقليدية لا أنا، حسنًا؛ للشريعة آثارٌ عظيمةٌ في حياتنا: لعل أعلاها أن تكون إنسانًا طيبًا، عظيم الأثر، ذو صلةٍ قويةٍ بربك، وأقلها أن.. ترتجف الأقداح بأيديهم في أوربا.

وإلى أن نكون كذلك أو نلتقي قبل، أوصيك بالتاريخ، التاريخ الحقيقي، ابحث عنه؛ عن مكامن القوة فينا ونقاط الضعف، وكذا في أعدائنا، عن راند وغيرها، عن أساليب خصومنا الحقيرة التي جعلوها شريعة يواجهوننا بها، ليهيمنوا على قيمنا وأفكارنا، شريعة الخسة والحقد، شريعة الخيانة والغدر، شريعة الكذب والإفك،شريعة التشويه والأفكار الشيطانية الهدامة، شريعة الثعالب والذئاب.. فالمستقبل يقبع هناك؛ في أعماق التاريخ.

----------------------------------------

 [1]-من مقال الأهداف الخفية للجامعة الأمريكية بالقاهرة- أحمد غانم، نقلًا عن دراسة للدكتورة سهير البيلى الأستاذة بكلية التربية بجامعة طنطا وجاءت تحت عنوان (أهداف الجامعة الأمريكية في القاهرة .. دراسة وثائقية منذ النشأة وحتى عام 1980)
[2]-  موقع قصة الإسلام - مقالات عن السلطان سليمان 

  • 0
  • 0
  • 2,406
 
المقال التالي
(2) بذور الشر

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً