الختان

منذ 2015-07-08

إذا استبان أنَّ ختان البنات مِن فطرة الإسلام، وطريقتُه على الوجه الذي بيَّنه رسولُ الله، فإنَّه لا يصحُّ أن يُترك توجيهُه وتعليمه إلى قولِ غيره ولو كان طبيبًا؛ لأن الطبَّ علم، والعلم متطوِّر، تتحرَّك نظرتُه ونظريَّاته دائمًا؛ ولذلك نجد أنَّ قول الأطبَّاء في هذا الأمر مختلف.. وفي الختان عامَّة نذكِّر المسلمين بما جاء في فقه الإمام أبي حنيفة: لو اجتمع أهل مِصر على ترك الختان، قاتلَهم الإمامُ؛ لأنَّه من شعائر الإسلام وخصائصه.

الحمد لله العظيم، والصلاة والسلام على سيد المرسلين.

قضيَّة الختان من أكثر القضايا التي نالت جدلاً واسعًا في الآونة الأخيرة، وبالتحديد ختان الإناث، لا سيَّما في مصر، بعد الحملة التي تزعَّمتها منظَّمة الصِّحة العالميَّة لمنعه؛ بحجَّة أن فيه أضرارًا نفسيَّة وجسدية للمرأة، فتوجَّهت الأنظار حينها إلى مصر الأزهر حيث العلماء، فانصدع صفُّهم فريقين: فريقًا طَأْطأ لرياح الحَمْلة، وآخر تصدَّى لها.

وقَبل الخوض في تفاصيل الموضوع، ما دام هناك خلاف فلا بدَّ من حَسْمه أولاً، وما دمنا لسنا في مقام تأصيل، فلا ينبغي أن نخوض في غمار الأدلَّة وتفنيدها، وإنَّما نلجأ إلى عالِم ربَّاني مشهودٍ له بالعلم والنزاهة، محايد لكلا الفريقين.. ولم نجد أفضلَ من الإمام الأكبر فضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، لنُحِيل القضيَّةَ إليه [1].

لخص فضيلته الخلاف في ثلاثة آراء:
1- أنَّه سنَّة في حقِّ الرِّجال والنساء (مالك، أبو حنيفة، بعض الشافعية).
2- أنَّه واجب في حقِّ الرجال والنساء جميعًا (الشافعي، كثير من العلماء، سحنون المالكي).
3- أنَّه واجب في حقِّ الرجال، سُنَّة في حقِّ الرجال النساء (بعض الشافعية، أحمد بن حنبل في رواية).

وجمَع بينهم في قوله: من هنا اتَّفقَت كلمةُ فقهاء المذاهب على أنَّ الختان للرجال والنساء مِن فِطرة الإسلام وشعائرِه، وأنَّه محمودٌ، ولم يُنقل عن أحدٍ من فقهاء المسلمين فيما طالعنا من كتبِهم القولَ بمَنْع الختان للرجال أو النساء، أو عدم جوازه، أو إضراره بالأنثى، إذا هو تمَّ على الوجه الذي علَّمه الرسولُ صلى الله عليه وسلم لأمِّ عطيه: «إذا ختَنتِ فلا تنهِكي؛ فإنَّ ذلك أَحظى للمرأة، وأحب للبَعْل» [2]، أمَّا الاختلاف في وَصْف حكمه بين واجب وسنَّة ومكرمة، فيكاد يكون اختلافًا في الاصطلاح الذي يندرج تحته الحكمُ.

واستطرد قائلاً: إذا استبان ممَّا تقدَّم أنَّ ختان البنات مِن فطرة الإسلام، وطريقتُه على الوجه الذي بيَّنه رسولُ الله، فإنَّه لا يصحُّ أن يُترك توجيهُه وتعليمه إلى قولِ غيره ولو كان طبيبًا؛ لأن الطبَّ علم، والعلم متطوِّر، تتحرَّك نظرتُه ونظريَّاته دائمًا؛ ولذلك نجد أنَّ قول الأطبَّاء في هذا الأمر مختلف.

ويقول: وفي الختان عامَّة نذكِّر المسلمين بما جاء في فقه الإمام أبي حنيفة: لو اجتمع أهل مِصر على ترك الختان، قاتلَهم الإمامُ؛ لأنَّه من شعائر الإسلام وخصائصه.

بين الشَّرع والطب:
ذكرنا أنَّ هناك خلافًا بين الأطباء حول الختان؛ بعضهم يرى أن له أضرارًا تَلحق بالأنثى خاصَّة، والبعض الآخر يرى منافِع وفوائد جمَّة تتميز بها الأنثى المختونة.

ولو أجمع أهل العلم جميعًا على مضرَّة الختان -والشَّرعُ على ما تقدَّم من مشروعيَّته، وكونه فطرة الإسلام وصبغته- ضُربَ بأقوال الأطبَّاء عرض الحائط؛ لأنَّ نظرياتهم في تغيُّرٍ وتطوُّر مذهل، أما الشَّرع فمِن عند حكيمٍ خبير، خلَق فسوَّى وشرع فهدى، فلا يُعدل عنه إلى قولِ مَن تحرفه الشبهات، وتثِيره الشهوات، ولطالما عارَض العلمُ الشرعَ وما لبث أن وافقَه، بعد الاعتراف بخطئه والإقرار بفشله.

المضامين التربوية للختان:
بَعث الله النبيَّ صلى الله عليه وسلم برسالته الخالدة استكمالاً وامتدادًا لمن سَبقوه من أنبياء الله عليهم السلام، ولم يأتِ ليهدم مَن سبقوه، وذلك هو سرُّ عظمة هذه الأمَّة؛ أنَّها تستفيد من تجارب الأمَم وخبرات السابقين، تأخذ منها ما يندرج ضمن الإطار الَّذي خطَّه الإسلام لإصلاح بني الإنسان.

فأخذ الإسلام خصالَ الفِطرة -التي هي مسلَّمات النظافة- من الحنيفيَّة، وكان الختان على رأس هذه الخصال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الفطرةُ خمس: الخِتان، والاستحداد، وقصُّ الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبْط» [3]، كلُّها دعوة للطهارة والنظافة، وإزالة الأوساخ والقذارات التي قد تلحق بالجسد، ففي هذه الأماكن يترسب أنواع عديدة من الميكروبات الدَّقيقة التي تؤدِّي إلى أضرارٍ بالغة بالإنسان، وعلى رأس هذه الخصال الفطريَّة الحنيفية: الختان؛ لما له من أهميَّة بالغة [4].

والختان يهذِّب كثيرًا مِن إثارة الجِنس، لا سيما في سنِّ المراهقة التي هي أَخطر مراحل حياة الفتاة، ولعلَّ تعبير بعض روايات الحديث الشريف في ختان النِّساء بأنه مَكرُمَة يهدينا إلى أنَّ فيه الصَّون، وأنَّه طريق للعفَّة فوق أنَّه يقطع تِلك الإفرازات الدهنيَّة التي تؤدِّي إلى التهابات مجرى البول وموضع التَّناسل، والتعرُّض بذلك للأمراض الخبيثة؛ هذا خلاصة ما قاله الأطبَّاء المؤيِّدون لختان النساء.

وأضافوا أنَّ الفتاة التي تُعرِض عن الختان تنشأ من صغرها وفي مراهقتها حادَّة المزاج سيِّئة الطبع، وهذا أمرٌ قد يصوِّره لنا ويحذِّر من آثاره ما صِرنا إليه في عصرنا من تداخُل وتزاحم، بل وتلاحم بين الرِّجال والنساء في مجالات الملاصَقة والزحام التي لا تَخفى على أحدٍ، فلو لم تختَتن الفتيات على الوجه الذي شرحه حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمِّ عطية لتعرَّضن لمثيراتٍ عديدة تؤدِّي بهنَّ -مع موجباتٍ أخرى تزخر بها حياةُ العصر، وانكماش الضوابط فيه- إلى الانحراف والفساد (ا.هـ).

كما تُشعرنا هذه الخصال بوحدة الرِّسالات السماويَّة، وبخروجها من مَعِين واحد يهدف إلى غايةٍ واحدة تتَّسق مع الهدف الذي من أجلِه خُلق الإنسان وفي سبيلِه يحيا.

الإعجاز العلمي في الختان:
أثبتَت الدراسات الطبيَّة الكثيرَ من الفوائد للختان؛ بل أثبتَت الدِّراسات أنَّه وقاية مِن كثير من الأمراض المهلِكة التي تَكثر بين القلفاء، ومن تلك الفوائد [5]:

1 - الخِتان وقايةٌ من الالتهابات الموضعية في القضيب؛ فالقُلْفَة التي تحيط بالقضيب تكون مكانًا لتجمُّع الأوساخ التي يصعُب تنظيفها، والتي تساعِد في تكوين أنواعٍ من الجراثيم، مؤدِّية بذلك إلى التهاب الحشفَة أو التهاب الحشفة والقلفة الحادِّ أو المزمِن، وقد تؤدِّي إلى التهاب المجاري البوليَّة عند الأطفال غير المختونين [6].

إنَّ الإفرازات قد تتجمَّع خلف القلفة ممَّا يؤدِّي إلى الالتهابات المزمِنة في الحشفة، وإلى تكوين أنسِجة، إنَّ الإفرازات قد تتجمَّع خلف القلفة ممَّا يؤدِّي إلى الالتهابات المزمِنة في الحشفة، وإلى تكوين أنسِجة ليفيَّة من شأنها أن تؤدِّي إلى ضيق فتحة البَول؛ ممَّا قد يؤدِّي إلى احتباس البول؛ إذ تتجمَّع فيه مفرزات القضيب المختلفة بما فيها ما يفرِز سَطحُ القلفة الداخلي من مادَّة بيضاء ثخينة تُدعى اللخن Smegma وبقايا البول والخلايا المتوسفة، والتي تساعِد على نموِّ الجراثيم المختلفة، وهذا نادِر الحدوث جدًّا عند المختونين، في حين يكثر وجوده عند غيرهم ممَّن لا يَختتِنون، والتي يصبح معها الختان أمرًا علاجيًّا لا مفرَّ منه.

2 - الختان يقي الأطفالَ من الإصابة بالتهاب المجاري البولية؛ وجد جنز برغ أنَّ 95% من التهابات المجاري البوليَّة عند الأطفال تَحدث عند غير المختونين، ويؤكِّد أنَّ جعل الختان أمرًا روتينيًّا يجرى لكلِّ مولود في الولايات المتحدة مَنَع حدوث أكثر من 50 ألف حالةٍ من التهاب الحويضة والكلية سنويًّا عند الأطفال، بل أكَّدت المصادر أنَّ التهابات المجاري البوليَّة عند الأطفال تؤدِّي في 35% من الحالات إلى تجرثُم الدَّم، وقد تؤدِّي إلى التهاب السحايا والفشل الكلوي.

3 - الختان والأمراض الجنسية:
وجد الأطبَّاء أنَّ الختان يَقي من كثيرٍ من الأمراض الجنسيَّة، وفي ذلك يؤكِّد البروفيسور وليم بيكوز الذي عمل في البلاد العربيَّة لأكثر من عشرين عامًا، وفحص أكثر من 30 ألف امرأة - نُدْرةَ الأمراض الجنسيَّة عندهم، وخاصَّة العقبول التناسلي والسيلان والكلاميديا والتريكو وناز وسرطان عنق الرحم، ويرجِع ذلك لسببين هامَّين: نُدرة الزِّنا، وانتشار خِتان الرِّجال، ويرى آريا وزملاؤه أنَّ للختان دورًا وقائيًّا هامًّا من الإصابة بكثيرٍ من الأمراض الجنسيَّة، وخاصة العقبول والثآليل التناسلية، كما أعد فنك (Fink) أكثر من 60 دراسة علميَّة أثبتَت كلها ازدياد حدوث الأمراض الجنسيَّة عند غير المختونين [7].

4 - الختان والوقاية من السرطان:
يقول البروفسور كلودري: "يمكن القول وبدون مبالغة بأنَّ الختان الذي يجري للذُّكور في سنٍّ مبكِّرة يخفض كثيرًا من نسبة حدوث سرطان القضيب عندهم، ممَّا يجعل الختان عمليَّة ضروريَّة لا بدَّ منها للوقاية من حدوث الأورام الخبيثة"، وقد أحصى د. أولبرتس وجود (1103) مرضى مصابين بسرطان القضيب في الولايات المتَّحدة، لم يكن من بينهم رجلٌ واحد مختون منذ طفولته.. 

وفي المؤتمر الذي عُقد في مدينة دوسلدورف الألمانيَّة عن السرطان والبِيئة، كشف النِّقاب عن أنَّ النساء المتزوِّجات من رجال مختونين هنَّ أقل تعرُّضًا للإصابة بسرطان الرَّحِم من النِّساء المتزوجات مِن رجال غير مختونين، من هنا نفهم أنَّ دور الختان لا يقتصر على حِماية الرَّجل المختون من الإصابة بالسرطان؛ بل يَظهر تأثيره الوقائي عند زَوجات المختونين أيضًا [8].

5-الختان وقاية من الإصابة بالعُقم:
كشف العلمُ الحديث أن عدم الختان بالنسبة للذكور يسبب العقم؛ إذ إنَّ بقاء هذه القلفة يكون بمثابة المستنقَع الذي تنمو فيه عوامل الأمراض، ويغذِّيها البولُ بنجاسته فتنتعش وتتكاثر، حتى تتكون مادَّة بيضاء مترسِّبة نتيجة بقايا الجراثيم والفطريات وإفرازات الغدد الدهنية والعرقية، مع توسفات النسيج المخاطي وترسُّبات البول ومحتوياته، فتدخل هذه المواد من صماخ البَول عند مَن لم يَختتن وتلِج إلى الإحليل ومِنه إلى المثانة ثمَّ إلى الكلية، وقد تُتَابع طريقها إلى البروستات أو الخصية والبربخ.. 

وربَّما سبَّبَت العقمَ عند الرجال نتيجة لالتهاب الخصيَة والبربخ، ولأنَّه عند الاتِّصال الجنسي يضطر الرَّجل غير المختون إلى رَفع القلفة لدى كلِّ مُواقعةٍ جنسية، وفي ذلك مشقَّة أيضًا لا تُنكَر، وإذا تكاسَل عن رفعها وظلَّت منسدِلة عاقت خروجَ المنِي واندفاعه بالقوة الطبيعية المطلوبة لإيصاله إلى الرَّحِم، ممَّا يعوق حدوث الحمل.

هذه بعض فوائد الختان الذي عدَّه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إحدى السُّنن التي تدعو إليها الفطرةُ السليمة، والتي جاءت مكتَشفَات العلم الحديث بتصديقها وإقرارِها، ولا يزال العِلم كل يوم يكشِف المزيدَ من الأسرار التي جاءَت بها السنَّة النبوية، فصلوات الله وسلامُه على معلِّم البشريَّة وهادي الإنسانية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] بيان للناس - الجزء الثاني - ص649 بتصرف.
[2] صحيح بشواهده؛ السلسلة الصحيحة (722).
[3] أخرجه البخاري 5891 ومسلم 257.
[4] بيان للناس؛ مرجع سابق.
[5] الإعجاز العلمي فـي الختان وأثره في اختلاف الفقهاء؛ الدكتور: يعقوب ناظم أحمد السعدي
[6] الدكتور محمد نزار الدقر، الختان بين موازين الطب والشريعة 33، دار الكتب العلمية بيروت 1993.
[7] Physician نقلاً عن كتاب الختان؛ للدكتور محمد البار، وكتاب:.Pikers W Med.Dijest Jour.April.1977..
[8] الختان بين موازين الطب والشريعة؛ للدكتور محمد نزار الدقر 36. 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

محمد سلامة الغنيمي

باحث بالأزهر الشريف

  • 6
  • 1
  • 8,065

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً