سيكولوجيا الانحراف - (1) من أسرى إلى متعاونين مع العدو!

منذ 2015-07-19

قصتنا تبدأ مع الأسرى الأمريكيين العائدين من معسكرات الاعتقال في الصين الشيوعية بعد الحرب الكورية التي اشتركت فيها الدولتان في الخمسينات من القرن الماضي، حيث تفاجأت القيادة الحربية الأمريكية بنجاح مقلق للمستجوبين الصينيين في تطويع الجنود الأمريكيين واستخراج المعلومات منهم بدون استخدام الأساليب الوحشية والتعذيب!

أسرى إلى متعاونين مع العدو...حركات (أسلمة الديمقراطية) هل تسير على نفس الطريق؟


السلام عليكم ورحمة الله. 
إخوتي الكرام أحد أكثر الكتب مبيعًا في أمريكا هو كتاب (Influence: The Psychology of Persuasion) (التأثير وسيكولوجيا الإقناع) للكاتب الأمريكي البروفيسور Robert Cialdini. هذا الكتاب يتناول في الفصل الثالث منه أسلوب (الالتزام والتوافق) (Commitment and Consistency) كواحد من أنجح الوسائل في الإقناع، حيث استخدمه المحققون الصينيون لإقناع الأسرى من الجنود الأمريكيين بالتعاون معهم في الحرب الكورية.

وقد قام الأخ محمد الكيلاني بترجمة هذا الفصل وإسقاطه على واقع الحركات المنتسبة إلى العمل السياسي الإسلامي، والتي تُستدرج إلى فخ الالتزام والتوافق لحرفها عن مسارها. وسنرى إن كان ذلك ينطبق أيضًا على ما يحصل الآن في سوريا من استدراج لبعض الفصائل المقاتلة للالتحاق بالمجلس العسكري وإفشال مشروع الدولة الإسلامية.

سنعرض بداية لما جرى مع الأسرى الأمريكيين لنفهم من خلاله أسلوب (الالتزام والتوافق): قصتنا تبدأ مع الأسرى الأمريكيين العائدين من معسكرات الاعتقال في الصين الشيوعية بعد الحرب الكورية التي اشتركت فيها الدولتان في الخمسينات من القرن الماضي، حيث تفاجأت القيادة الحربية الأمريكية بنجاح مقلق للمستجوبين الصينيين في تطويع الجنود الأمريكيين واستخراج المعلومات منهم بدون استخدام الأساليب الوحشية والتعذيب! فقد كان الأسرى متعاونين إلى أقصى الحدود في الإبلاغ عن محاولات الهروب لزملائهم، وكانوا يقدمون هذه المعلومات دون إكراه وبمجرد أن تُعرض عليهم مكافأة لا قيمة لها ككيس من الأرز.

على إثر ذلك شكلت القيادة الحربية الأمريكية فريق التقييم النفسي والعصبي بقيادة الدكتور هنري سيغال الذي قام باستجواب أسرى الحرب العائدين بشكل مكثف للوقوف على طرق الصينيين في استمالتهم للتعاون معهم وتغيير قناعاتهم. فتبين أن الصينيين يعتمدون طريقةَ (انتزع تنازلاً صغيراً ثم ابنِ عليه)، بحيث ينتزعون من الأسير الأمريكي أي تنازل يسير، ثم يوثقون هذا التنازل، ثم يستدرجون الأسير إلى الاعتراف بتبعات ولوازم هذا التنازل، فيلتزم الأسير هذه التبعات ويقرُّ بها، إلى أن يجد نفسه يغير نفسيته ليصبح منسجمًا مع موقفه الجديد، ومن ثم تتفاقم تنازلاته إلى أن يصبح في النهاية عميلاً من حيث لا يشعر. هذه هي خلاصة أسلوب الالتزام والتوافق (Commitment and Consistency).

تعالوا نتابع تفاصيل هذه القصة لننفهم هذا الأسلوب بعمق:

بداية كان الصينييون يطلبون من الأسرى الأمريكيين أن يعطوا تصريحات تبدو في غاية البساطة وبدون أية تبعات تذكر، مثل: "الولايات المتحدة الأمريكية ليست كاملة" أو: "لا توجد مشكلة البطالة في الدولة الشيوعية". ولكن ما أن تتم تلبية هذه الطلبات "البسيطة" حتى يطالب الأسرى باتخاذ موقف آخر يبدو نتيجة تلقائية للتصريح الأول، لكنه يمثل تنازلاً أكبر وتلبية أقرب لمطالب العدو.

فمثلاً الأسير الذي يوافق مع المستجوب الصيني على أن الولايات المتحدة ليست كاملة يطلب منه كتابة قائمة بالمشاكل في أمريكا التي تجعلها غير كاملة، ثم يوقع باسمه على القائمة. ثم بعد فترة يُطلب منه قراءة هذه القائمة في مجموعة نقاش مع الأسرى الآخرين. وقد يطلب منه بعدها أن يكتب مقالاً يتوسع فيه بشرح تفصيلي للنقاط التي كتبها في قائمته وجوانب تلك المشاكل. ويقال له في ذلك كله: "أليس هذا ما تعتقده أنت بنفسك دون إجبار أحد؟ لا نطالبك بأكثر من أن تصرح بمعتقدك. إن كنت واثقاً من معتقدك فأنت على استعداد أن تلتزم به. أليس كذلك؟".

وهذا ما نقصده بالالتزام (Commitment): صَرَّح الأسير تصريحاً بسيطاً لكنه التزم بتبعاته.

وكان الصينيون يُجرون مسابقات بين الأسرى الأمريكيين لأحسن مقال عن مقارنة نظام أمريكا بالشيوعية، وأحياناً يفوز مقال يمدح في عمومه الولايات المتحدة لكن يلين لوجهة النظر الصينية الشيوعية في موضع أو موضعين.

المهم انتزاع أي تنازل بسيط.

ثم إذا بالصينيين يبثون مقال الأسير الأمريكي مع اسمه على الراديو الموجه للقوات الأمريكية المقاتلة وكذلك في كل معسكرات الاعتقال، بحيث يسمعه الأسير نفسه. وفجأة يجد الأسير الأمريكي نفسه قد قام بتصرفات تخدم العدو، أي أنه أصبح بطريقة أو بأخرى (متعاونًا مع العدو).

والمهم جدًا في الأمر أن الأسير يدرك في نفسه أنه قد كتب مقاله واتخذ مواقفه طواعية بدون تهديدات شديدة أو إكراه. فلو تم الأمر بالإكراه لوجد الأسير لنفسه عذرًا لمواقفه هذه وكذلك الناس حوله، بل سيؤدي الإكراه إلى نفوره من المواقف التي اتخذها ورفضها وتبرؤه الداخلي منها. لكنه، في الواقع، فعل ما فعل دون إكراه.

فينتهي الأمر بالأسير إلى تغيير نظرته إلى نفسه حتى يصبح متوافقًا ومنسجماً (consistent) مع الفعل الذي قام به ومع التعريف الجديد لنفسه كـ (متعاون مع العدو). بدأ الأمر بتصريحات تبدو تافهة وعديمة القيمة، لكن الأسير التزم بهذه التصريحات ثم استُدرج لخطوات أخرى غيرت من نفسيته، وهذا التغيير بدوره سمح له بتقديم تنازلات أكبر، وهكذا دواليك على مبدأ الحلقة الخبيثة (vicious cycle) إلى أن يكتب مقالاً موسعاً ينتقد فيه نظام الدولة التي كان يحارب من أجلها بل ويتعاون مع عدوها.

هذه خلاصة أسلوب الالتزام والتوافق.

وقد لاحظ الفريق النفسي عوامل مهمة للغاية لضمان فعالية هذا الأسلوب في تغيير موقف الأسير وقناعته.

1) ضرورة أن يوثق الأسير الأمريكي موقفه أو تصريحه، حيث أن هذا التوثيق أقوى في تغيير انطباعه عن نفسه وانطباع زملائه عنه. فالشخص يستحضر لا شعوريًا مواقفه السابقة، وخاصة الموثقة منها، وكأنها المصدر الرئيسي لمعلوماته عن نفسه وتحديد شخصيته. وعليه فقد كان الصينيون حريصين على انتزاع موقف موثق منسجم مع رغباتهم، إلى درجة أن الأسير إذا رفض أن يكتب العبارات المذكورة أعلاه مثل "أمريكا ليست كاملة" أو "لا بطالة في الشيوعية" فإنه كان يُطلب منه نسخ سؤال وجواب مكتوبين له مسبقاً فيهما هذه المعاني. فهذه الكتابة بخطه -كدليل ملموس- تستدرج الأسير إلى التغيير النفسي ولو بدأ قليلاً، كما أن الصينيين كانوا يطلعون الأسرى الآخرين عليها لتتغير نظرتهم إلى زميلهم. والغريب في الأمر أن الآخرين، حتى وإن علموا بأن الكاتب لم يختر كتابة تلك السطور بدافعية ذاتية، إلا أنهم سيشعرون بأن تلك الكتابات تمثل حقيقة اعتقاد الأسير وإحساسه طالما أن صياغتها لا تُشعر بأنه كتبها مكرهًا. وهذه خلاصة دراسة لعالمي النفس إدوارد جونز وجيمس هاريس. وليس ببعيد عن أذهاننا التراجعات التي نشرت منسوبة إلى بعض منظري التيار الجهادي وتأثر الناس بها على الرغم من معرفتهم بأن هؤلاء المنظرين لا زالوا في الأسر!

تغير نظرة الآخرين لك تجعلك تغير نظرتك لنفسك.

العامل الثاني لضمان نجاح الاستدراج إلى الالتزام والتوافق هو: 

2) الالتزام العلني:
فالذي يتخذ موقفًا معلناً يكون أكثر التزامًا به ودفاعًا عنه ممن لا يعلن موقفه على الملأ. 

لذا فقد كان الصينيون في المسابقات المذكورة يأتون بالمقال الذي يلين ولو قليلاً للشيوعية وسط مديح كثير لنظام أمريكا، فيعلقونه في معسكر الاعتقال ويبثونه بالراديو، ليجد صاحب المقال نفسه مدفوعاً إلى المحافظة على الموقف الذي اتخذه، مبررًا للتصريح الذي صرح به، ليبدو كإنسان لديه مبدأ ثابت، كإنسان منسجم مع ذاته ومتوافق مع أفعاله. وهنا حبكة الموضوع.

فالشخص الذي يتصرف بأشكال متناقضة يبدو في عيون الناس متقلباً غير واثق، مشتت الفكر، غير جدير بالثقة. وهذه الخصائص كلها مكروهة من المجتمع ومن الشخص نفسه. بينما يبدو الشخص المتوافق الثابت في تصرفاته بأنه واثق سديد الرأي. ولذلك فإنك تجد الناس يسعون دائمًا لأن يكونوا متوافقين في تصرفاتهم ويتجنبوا كل ما يمكن اعتباره تضارباً في مواقفهم.

3) الجهد الإضافي المبذول: فهو يؤدي إلى التزام أعلى.
في عام 1959م قام الباحثان إليوت أرونسون وجدسون ميلز بدراسة بينت أن الشخص الذي يخوض ألماً وعناءًا شديدين في سبيل الحصول على شيء ما فإنه يعطي هذا الشيء أهمية أكبر بكثير ممن حصل على الشيء نفسه بجهد قليل. وفي حالة الأسرى الأمريكيين فإن كتابة مقال موسع سعياً للفوز في المسابقة لم تكن أمرًا سهلاً. 

العامل الرابع لنجاح استدراج الأسير بأسلوب التوافق والالتزام هو: 
4) الاختيار الذاتي: وهو العامل الأكثر أهمية! 
ففي تجربة الأسرى الأمريكيين فإنه يتبادر إلى الذهن أنه حتى يتم تحفيز الأسير للفوز في مسابقة بكتابة مقال يلين للشيوعية فإن الجوائز مقابل ذلك يجب أن تكون ذات قيمة عالية. ولكننا نجد أن الجوائز كانت ذات قيمة قليلة، فمن بعض السجائر إلى القليل من الفواكه الطازجة، وليس جائزة كبيرة مثل ملابس دافئة في البرد القارص أو تسهيل الاتصال بالعالم الخارجي. كان هدف حجب الجوائز الكبيرة هو أن يحس الأسير بأن كتاباته هي ملكه ونابعة من ذاته، بدون أن ينظر لنفسه على أنه كتب ما كتب من أجل جائزة كبيرة. والهدف من ذلك كله هو أن يتحمل الأسير أمام نفسه مسؤوليةً عما كتب. 

فالهدف من هذه المحفزات هو تحفيز الأسرى للمشاركة في المسابقة، والحدُّ من قيمتها هو لئلا يشعروا بأنهم غيروا مبادئهم من أجلها. إذ أن المطلوب هو أن يقبل الأسرى المسؤولية الذاتية الداخلية عن عملهم وكتاباتهم ويشعروا بأنهم ملزمون به ومضطرون للدفاع عنه.

كانت هذه خلاصة تجربة الأسرى الأمريكيين الذين قدموا تنازلات تبدو عديمة التبعات في البداية لكنهم وصلوا في المحصلة إلى تغيير مبادئهم والتعاون مع العدو. 

ما علاقة ذلك كله بانحرافات (الإسلاميين) في العمل السياسي وانحرافات الفصائل المقاتلة في سوريا؟ بل وانحراف الافراد بل وبعض الدعاة؟ 

هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة بإذن الله، وهي حلقة في غاية الأهمية فتابعوها. 
والسلام عليكم ورحمة الله. 

  • 4
  • 0
  • 2,514
 
المقال التالي
(2) هكذا تنحرف الدعوات

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً