نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

الحج المبرور جزاؤه الجنة

منذ 2015-09-15

الحمد لله الذي جعل كلمة التوحيد لعباده حرزًا وحصنًا، وجعل البيت العتيق مثابة للناس وأمنًا، والصلاة والسلام على محمد نبي الرحمة وسيد الأمة، وعلى آله وصحبه الطيبين أتباع الحق، وسادة الخلق.

ثم أما بعد:

فإنّ الحج من أعظم أركان الإسلام، وفريضة عظيمةٌ بها يُهدمُ ما قبلها من الذنوب لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص رضي الله عنه: «أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنَّ الحج يهدم ما كان قبله» [1]، ويبشره النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا بقوله: «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» [2] قَالَ اِبْن خَالَوَيْهِ: "الْمَبْرُور الْمَقْبُول"، وَقَالَ غَيْره: "الَّذِي لَا يُخَالِطهُ شَيْء مِنْ الْإِثْم"، وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيّ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْأَقْوَال الَّتِي ذُكِرَتْ فِي تَفْسِيره مُتَقَارِبَة الْمَعْنَى، "وَهِيَ أَنَّهُ الْحَجّ الَّذِي وُفِّيَتْ أَحْكَامه، وَوَقَعَ مَوْقِعاً لِمَا طُلِبَ مِنْ الْمُكَلَّف عَلَى الْوَجْه الْأَكْمَل"، وَاَللَّه أَعْلَم [3].

ومما يدل على فضل الحج المبرور أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل الحج للنساء جهادًا لما روى البخاري أن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: "يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟" قال: «لا، لكُنَّ أفضل الجهاد حجٌّ مبرور»، وقد سئل عليه الصلاة والسلام: "أي العمل أفضل؟" فقال: «إيمان بالله ورسوله» قيل: "ثم ماذا؟" قال: «الجهاد في سبيل الله» قيل: "ثم ماذا؟" قال: «حج مبرور» [4]، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "شدوا الرحال في الحج فإنه أحد الجهادين".


وكم تشتاق نفس الحاج عندما يسمع حديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: «والحجُّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» [5]، فيبدأ يتساءل: كيفَ يحقِّق الحجَّ المبرور؟ قال ابن عمر رضي الله عنهما لمجاهد حين قال: "ما أكثر الحاج!!" قال: "ما أقلَّهم ولكن قل: ما أكثر الركب".
لأن الحج المبرور لايتأتى لكل أحد حج البيت، بل لا بد له من وسائل لتحصيله:

أولها: الإخلاص لله، فمن خرج من بيته متطلِّعًا إلى المدح والثناء، والسمعةِ والمباهاة؛ هبط عمله، وضلَّ سعيُه قال تعالى في الحديث القدسي: «من عمل عملًا أشرك فيه معيَ غيري تركتُه وشركَه» [6]، ولذا كان صلى الله عليه وسلم يحذِّر من ضدِّ ذلك فيدعو مستعينًا بربِّه قائلًا: «اللهم حجةً لا رياء فيها ولا سمعة» [7].

ثانيها: أن يكون الحاج في غايةِ الذلّ بين يدي الله، مطهّرًا قلبَه من آفة العجب بالعمل، بل إنَّه يرى عملَه مهما عظُم صغيرًا جدًا أمام ما أنعم الله عليه من النعم.

ثالثها: تقام شعائرُ الحجِّ في مشاعر عظيمة وأماكن لها قدسيتُها، ومن برِّ الحج احترامُها فضلًا عن الفساد أو مقارفة شيء منها.

رابعها: ومن برِّ الحج الاجتهادُ في موافقته لهدي النبي صلى الله عليه وسلم فيما قلَّ أو كثر، وعدم مخالفته لشيء من سنته عليه الصلاة والسلام، وقد نُقلت سنته لأمتِه في كلِّ موقف وقول، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «خذُوا عنِّي مناسككم» [8]، والتساهل في السنن قد يؤدِّي إلى التسَاهل في الواجبات والأركان، وقد تتوالى الأخطاءُ التي قد تفسِد الحجَّ أحيانًا، والخيرُ كلُّ الخير في تعلُّم هدي الرسول صلى الله عليه وسلم.

خامسها: ومن برِّ الحجّ التسليمُ للشارع، والانقياد لأوامر الله ورسوله، وحسن الاتباع فيما لم يُكشف عن معانيه ولو لم تُعلم الحكمة منه، فها هو الفاروق عمر رضي الله عنه يقبِّل الحجرَ الأسود ويقول: "أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استلمك ما استلمتك" فاستلمه.

سادسها: إن مال الحجّ المبرور يجبُ أن يكون حلالًا طيبًا؛ لأنَّ النفقةَ الحرام من موانع الإجابة، وفي الطبراني مرفوعًا: "إذا خرج الرجلُ حاجًا بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك، زادُك حلال، وراحلتك حلال، وحجُّك مبرور، وإذا خرجَ بالنفقة الخبيثة، ووضع رجله في الغرز فنادى: لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا وسعديك، زادُك حرام، ونفقتُك حرام، وحجّك غير مبرور" [9].

سابعها: وإن أيامُ الحجِّ المبرور تُحيَا بذكر الله، وتُضاء بتلاوةِ آياتِ الله، وتطهَّر بالاستغفار، وبذل المعروف، والدعوة إلى الله عز وجل قال صلى الله عليه وسلم: «الغازي في سبيل الله، والحاجُّ والمعتمر؛ وفدُ الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم» [10].

ثامنها: إن ملء الأوقاتِ بالطاعات تحصّنُ الحجَّ من الآفات المهلِكة، ولصوصِ الحسنات، وتزيد الحجَّ برًّا، فالأيامُ فاضلة، وتلك البقاع مفضَّلة، وفيها تتضاعف الأجور، وقد كان سلفُنا الصالح إذا تلبَّسوا بهذه العبادة عطَّروا أوقاتَها بذكر وتسبيحٍ، وتهليل وتحميد.

تاسعها: إن سمة الحاجِّ في هذه البقاع العظيمة السكينةُ والطمأنينة، وسلوكُ أدبِ هذه الشعيرة بخفض الصوت، وعدم الإزعاج وأذية المسلمين، والهدوء في العبادة والدعاء.

عاشرها: إن التلبية في الحجِّ المبرور ذكرٌ لا ينقطع، فلها معانٍ لو استقرت في سويداء القلب فإنها تصبغ حياتَك أيها المسلم، وتقوِّم مسيرتَك، وتهذِّب سيرتَك، إنها إعلان العبوديةِ والطاعةِ والتذلّل: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك".

حادي عشر: إن الصحبة الطيبة في الحجّ تقوِّيك إذا ضعفت، وتذكّرك إذا نسيتَ، وتدلّك على طريق الخير، وتحذّرك من طريق الشر.

ثاني عشر: من أراد حجًا مبرورًا امتثلَ قولَه صلى الله عليه وسلم «من حجَّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدتْه أمّه» [11]، نعم من تطلَّع إلى حجّ مبرور أدَّب جوارحَه فلا تنظر العين نظرة فاحشة، ولا ينطِق اللسان بألفاظ طائشة، ولا تمتدّ اليد بأذى إلى أحد، ولا ينطوي القلبُ على بغضاء أو حسد.

فهذه بعض الآداب التي تجب على من رام حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا.

وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

________________________

[1]- رواه مسلم برقم (121).
[2]- البخاري (1650).
[3]- فتح الباري لابن حجر (ج5/ص155).
[4]- رواه البخاري برقم (26).
[5]- سبق تخريجه.
[6]- رواه مسلم برقم (2985).
[7]- رواه ابن ماجة برقم (2890)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة برقم (2890).
[8]- رواه مسلم برقم (1297).
[9]- رواه الطبراني وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة برقم (1092).
[10]- رواه ابن ماجة برقم (2893)، وقال الشيخ الألباني (صحيح) انظر حديث رقم: (4171) في صحيح الجامع.
[11]- رواه البخاري برقم (1521).

  • 0
  • 0
  • 819
i