حديث الهجرة

منذ 2015-09-30

يا لها من عبقريةٍ في التخطيطِ والتدبيرِ، إذ يحقق القائدُ المحنَّكُ صلى الله عليه وسلم المصالحَ المزدوجةَ في العملِ الواحد، ومع ذلك فإن قريشًا لم تيأس من ملاحقة النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فدبرت تدبيرًا آخر للإيقاع بمحمد.

عباد الله! أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله، فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربه، واتبع هدي نبيه صلى الله عليه وسلم، فسلامة المنهج في اتباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا المعاصر لتتبع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، والوقوف على دروسها وعبرها.

وقد توقفنا بفضل الله ورحمته في رحلة السيرة النبوية المباركة عند الاستعداد لخروج النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق رضي الله عنه للهجرة المباركة التي جعلها الله سببًا في تغيير وجه البشرية كاملةً، وقد نشطت قريشٌ في ملاحقة النبي صلى الله عليه وسلم لعلمها أن وصوله صلى الله عليه وسلم للمدينة يعني خروج أَزِمَّةِ الأمور من يديها للأبد!

ولذا واصلت قريشٌ بحثها الحثيث، ومطاردتها الجادة للنبي صلى الله عليه وسلم، والذي لم يصطحب معه في رحلته غير صديقه أبي بكر رضي الله عنه تاركًا ابن عمه عليًّا رضي الله عنه! أتدرون لماذا ترك النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليًا بمكة ولم يصحبه في الهجرة؟

لقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمنا درسًا عمليًا، وصورة تطبيقية من أروع صور المروءة والوفاء والتي تدل على نفاسة المعدن، وطيب المنبت، ألا وهي: "شرف الخصومة"، فمع عداءِ قريشٍ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، ورغبتهم الجامحة في قتله صلى الله عليه وسلم، فمع كل ذلك أبقى عليًا رضي الله عنه بعده بمكة حتى يرد كلَّ أمانةٍ إلى صاحبها الذي استودعها عنده، يرد الأمانة لهم حتى وإن كانوا أعداءً له، حتى وإن كانوا كفارًا، فلم يكن أحدٌ بمكة عنده شيء يُخشى عليه إلا وضعها أمانة عند النبي صلى الله عليه وسلم، لما يُعلم من صدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم، فما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخيب ظن من أحسن به الظن أبدًا؛ (سيرة ابن هشام:1/ 485: 493) بتصرف.

ما أروعك يا نبي الله! وما أروع منهجك! فلم يجعل صلى الله عليه وسلم كفر الكافرين مبررًا يستحل به أماناتهم، حتى مع شدةِ حربهم له، ومع أكلهم ونهبهم لأموالِ الصحابةِ -رضي الله عنهم-، وإخراجهم من ديارهم، ورغبتهم في قتل النبيِّ صلى الله عليه وسلم وتفريق دمه بين القبائل؛ كلُّ هذه العداواتِ الواضحاتِ لم يجعلها النبيُّ صلى الله عليه وسلم مسوغًا له في استحلال الأمانات.

 وما كان أسهل أن يقول: أستعين بهذه الأمانات على مصالح الهجرة ونفقاتها، إنه درس نبوي عميق، فهو لن يخون الأمانةَ حتى وإن كانت أمانة كافرٍ محاربٍ حريصٍ على قتله صلى الله عليه وسلم، إنه لن يُمرغ سمعة الإسلام والرجال الذين هجروا وطنهم وأموالهم من أجل الله، فهل عرف العالمُ كله شرف خصومةٍ أعظم من هذا؟! هل عرف المسيئون للإسلام وفاءً وتحضرًا ونبلاً مثل هذا؟! أين هذه الأخلاق النبيلة، والقيم السامية من قوم إذا خاصموا إخواناً لهم من المسلمين فجروا في الخصومة وانتقصوهم حقوقهم، وافتروا عليهم الأباطيل بلا حجة ولا بينة!

فيا من تسيئون للإسلام باسم الإسلام! اتقوا الله وتعلموا من سيرة نبيكم صلى الله عليه وسلم وهديه كيف تكون الخصومة؟

وانطلق الركب الميمون للهجرة، النبي صلى الله عليه وسلم والصديق رضي الله عنه،كما تقول عائشة رضي الله عنه : فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الجِهَازِ، [أي: أسرعه وأعجله]، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا [حزام يشد به الوسط]، فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ. (رواه البخاري [3905]).

فما أروع أبا بكر وبناته وأهل بيته، وماله وطعامه ومركوبه يوم جعل ذلك كله في سبيل الله وخدمة الإسلام، إنه لبيت مبارك، وأسرة مباركة يبذل كبيرها وصغيرها من أجل الإسلام، هكذا صلاح الأب صلاح للذرية، يغرس فيهم حب الإسلام والبذل لأجل الإسلام، فحريٌ بنا معاشر الآباء الاقتداء بأبي بكر وحبه لدينه ونبيه، وغرس ذلك الأصل في بيته وأهله،كما تحكي عنه أسماء قائلة: "لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ، احْتَمَلَ أَبُو بَكْرٍ مَالَهُ كُلَّهُ، وَمَعَهُ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتَّةُ آلَافٍ، فَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ. فَدَخَلَ عَلَيْنَا جَدِّي أَبُو قُحَافَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَا أَرَاهُ قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ.

فقُلْتُ:كَلَّا يَا أَبَتِ! إنَّهُ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْرًا كَثِيرًا. قَالَتْ: فَأَخَذْتُ أَحْجَارًا فَوَضَعْتهَا فِي كُوَّةٍ فِي الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ أَبِي يَضَعُ مَالَهُ فِيهَا، ثُمَّ وَضَعْتُ عَلَيْهَا ثَوْبًا، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، ضَعْ يَدَكَ عَلَى هَذَا الْمَالِ. قَالَتْ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ، إذَا كَانَ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَفِي هَذَا بَلَاغٌ لَكُمْ. وَلَا وَاَللَّهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُسَكِّنَ الشَّيْخَ بِذَلِكَ". (انظر سيرة ابن هشام:1/ 488).

فلله درك يا أسماء ويا عائشة، ويا عبد الله ويا جميع آل أبي بكر يوم أوقفتم أنفسكم ومالكم في سبيل الله ونصرة دينه، لقد حرص الصديق رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه وأهله فلم يدع لأولاده غير اللهِ ورسوله توكلًا على الله الذي لا تضيع عنده الودائع.

 لقد كان أبو بكر يفدي النبي بنفسه قبل ماله، فلما انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه إلَى الْغَارِ لَيْلًا، دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ، فَلَمَسَ الْغَارَ لِيَنْظُرَ أَفِيهِ سَبُعٌ أَوْ حَيَّةٌ، يَقِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِنَفْسِهِ (انظر سيرة ابن هشام: [1/486]).

إنها -لعمر الله- للمحبة الإيمانية الصادقة للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والتي لا يصِحُّ الإيمانُ إلا بِها كما في حديث أَنَسٍ رضي الله عنه ؛أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ، وَوَلَدِهِ،وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (رواه البخاري [15]).

فلا إيمان حقيقة إلا أن يكون النبيُّ صلى الله عليه وسلم أحبَّ إلينا من أموالنا، وأهلينا، وعيالنا، وحتى أنفسنا التي بين جنوبنا، فداك أبي وأمي يا رسول الله.

عُدمنا الشعرَ والنثْرا *** إذا لم ننتفِضْ نَصْرَا
لسيِّدنا وأُسوتِنا ***وقائدِنا وقدوتِنَا
لذي الوحي الذي يُتلى ***وذي المعراجِ والإِسْرَا
فلو سَبُّوا لنا رَمْزًا ***فهل نَرضَى لهم عُذْرَا؟!
وهل نُصغِي لهم قَوْلاً؟!*** وهل نَقْضِي لهم أمرًا؟!
فعِرضُ المصطفى أوْلَى*** وحقُّ المصطفى أحرى

فداه أبي ووالدتي، فداه دمي وصاغيتي صلى الله عليه وسلم.

تقول عائشة رضي الله عنها: «ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلاَثَ لَيَالٍ» (رواه البخاري [3905]).

ولننتبه إخوة الإيمان هنا لذكاء النبي صلى الله عليه وسلم وبراعته العسكريةِ في هجرته النبوية، إذ استخدم خططًا عسكرية متاحة بالغة الدقة، إذ خرج صلى الله عليه وسلم عكس اتجاه المدينة يقينًا منه صلى الله عليه وسلم أن المطاردين سيخرجون في اتجاه المدينة للبحث عنه صلى الله عليه وسلم، فخيَّب النبيُّ صلى الله عليه وسلم ظنَّهم وسار عكس الاتجاه، ثم لم يتحرك لمقصده مباشرة، بل كمن في جبل ثور ثلاثةَ أيام.

أتدرون لماذا؟ لأنَّ هذه هي المدة التي يستغرقها المسافر من مكة إلى المدينة آنذاك، فعندما تمر ثلاثةُ أيام على خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة، يظن المشركون أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد وصلَ المدينة، وقد أعجزهم طلبه فييأسون من ملاحقته صلى الله عليه وسلم، فهو يدرك شدة انتشارهم وملاحقتهم له في هذه الأيام التي كمن فيها بالغار.

وهذا ما تحقق فعلاً فقد اشتعل الغضب في قلوب قريش لما علمت بنجاة النبي صلى الله عليه وسلم من قبضتهم ومكرهم فهرعوا إلى دار أحب أصدقائه إليه؛ كما قالت أسماء بنت أبي بكر: "لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ ابْن هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكَ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاَللَّهِ أَيْنَ أَبِي؟ قَالَتْ: فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ، وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا، فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً طُرِحَ مِنْهَا قُرْطِي" [أي: حلقي] (سيرة ابن هشام: 1/487).

فما أشد الفرق بين مروءة عثمان بن طلحة ونبل شمائله، ودناءة أبي جهل وخبث رذائله؛ وكلاهما على الكفر والشرك، فضرب المرأة خاصة وقد غاب عنها رجالها وحاميتها عار عند العرب، لكنها الخسة والغطرسة عند الجبابرة فلا أخلاق ولا قيم عند كسر خشومهم وجبروتهم، لكن تأملوا ماذا فعل عثمان مع أم سلمة إذ خفرها للمدينة في صيانة وحشمة، وما فعله فرعون هذه الأمة مع أسماء وهي السيدة الكريمة بنت السيد الكريم.

لنعلم أن الرجال مواقف، وأنَّ الناسَ معادن كما قال صلى الله عليه وسلم: «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا، وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً، وَالْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» (رواه البخاري: [3493]،  ومسلم: [2638]).

وانظروا إلى جزاءِ اللهِ سبحانه وتعالى لكلٍ منهما؛ فعثمان بن طلحة فقد كافأه اللهُ سبحانه وتعالى على مروءته إذ فتح قُفل قلبه للإسلام، وشرح صدره له فمات على التوحيد والإسلام، وأما أبو جهل فقد جازه ربه سبحانه وتعالى على خسته ولؤمه حتى تسابق صغار الأنصار على قتله، فقتلوه حتى اعتلاه ابنُ مسعود رضي الله عنه قبل موته ثم حزَّ رأسه وحملها للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فمات معاندًا لربه سبحانه وتعالى محاربًا له ولدينه، وهكذا الأيام مع الظالمين والجبابرة المتغطرسين دول، وما ينتظرهم في الآخرة أشدُّ وأنكى جزاءً وفاقًا لسوء أعمالهم وخبث أفعالهم. (سيرة ابن هشام1/487 بتصرف).

تُكمل عائشة رضي الله عنه : حديث الهجرة فتقول: "كان يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ غُلاَمٌ شَابٌّ، ثَقِفٌ [سريع التعلم والتفهم] لَقِنٌ [يحفظ ما يسمع بدقة]، فَيُدْلِجُ [ينصرف من عندهما قبل الفجر] مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلاَ يَسْمَعُ أَمْرًا، يُكْتَادَانِ بِهِ [يُدَبَّر عليهما من السوء] إِلَّا وَعَاهُ، حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلاَمُ" (رواه البخاري [3905] ).

فكان عبد الله يمكث طول النهار يسمع ما تكيد به قريش للمهاجرَينِ الكريمَينِ؛ فإذا جنَّ الليلُ وأوى كلُّ إنسان إلى داره، أوى هو إلى غار ثور لينقل إليهما كلَّ ما سمعه من مكائدِ المشركين ثم بات عندهما حتى السحر، وقبل انبلاج الفجر يعود إلى داره فيراه المشركون في الصباح خارجًا من داره كسائر الناس فلا يفطنوا لأمره.

تقول عائشة رضي الله عنها: "وَكان يَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً [عطية] مِنْ غَنَمٍ، فَيُرِيحُهَا[يردها] عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ [لبنٍ]، وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا [اللبن الذي وضح في حجارة محماة ليتجبن ويتماسك]، حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ [يصيح بها ليطردها ويسوقها] بِغَلَسٍ [بظلمة الليل]، يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلاَثِ، فَلاَ يَفْطُنُ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الرِّعَاءِ" (رواه البخاري [ 3905]).

ويا لها من عبقريةٍ في التخطيطِ والتدبيرِ، إذ يحقق القائدُ المحنَّكُ صلى الله عليه وسلم المصالحَ المزدوجةَ في العملِ الواحد، ليكون الغلام الصغير عبد الله بن أبي بكر الراصد لأخبار القوم وتحركاتهم، ويكون راعي الغنم خطَّ إمدادٍ بالمؤنِ والطعامِ من خلالِ رعيه الغنم، في الوقت الذي يستخدم هذه الأغنام في محو آثارِ أقدامِ عبد الله بن أبي بكر فلا يفطن إلى أثره أحدٌ، وهو ما يسمَّى في اللغة العسكرية اليوم بالتمويل والتمويه، إنها القيادة العسكرية لنبينا صلى الله عليه وسلم إحدى سمات شخصيته الفذة. تقول عائشة رضي الله عنها: فَلَمَّا خَرَجَا خَرَجَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يُعْقِبَانِهِ حَتَّى قَدِمَا المَدِينَةَ، فَقُتِلَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ" (رواه البخاري [3905]).

فكان النبي صلى الله عليه وسلم يُردف خلفه الناس على الدابة، ولا يتبع عادات الملوك، والوجهاء إذ لا يركب معهم أحد على دوابهم، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان يردف خلفه حتى الخدم والعبيد والموالي وهذه من أمارات تواضعه صلى الله عليه وسلم.

تقول عائشة رضي الله عنها: "وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ، هَادِيَا خِرِّيتًا، وَالخِرِّيتُ المَاهِرُ بِالهِدَايَةِ، قَدْ غَمَسَ حِلْفًا فِي آلِ العَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ [أي حليفًا لهم وليس منهم وقد غمس يده معهم في الطيب أو الدم توكيدًا للحلف على عادة العرب]، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ [اطمأنَّا أنه لن يرفع خبرهما لقريشٍ] فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلاَثٍ" (رواه البخاري [3905]).

وهكذا كان النبي يتعامل بالحسنى مع غير المسلمين ويستأجرهم على الأعمال المشروعة بأجور معلومة، ويوفيهم أجورهم بلا بخس، وهذا لا ينفي أولوية استخدام المسلمين إن وُجِدُوا؛ فإن لم يتيسر المسلمُ جاز استخدامُ غيرِ المسلمِ إن أُمِنَت أخلاقُه، وحينئذٍ يجب العدل معه، وإعطاؤه أجرته كاملة كما علَّمنا نبينا صلى الله عليه وسلم.

وبعد ثلاثة أيام مع توقع انقطاع الطلب والتتبع لهما، تحكي أسماءُ قائلةً: "ثُمَّ انْصَرَفُوا. فَمَكَثْنَا ثلاثَ ليالٍ، وَمَا نَدْرِي أينَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْجِنِّ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، يَتَغَنَّى بِأَبْيَاتٍ مِنْ شَعَرِ غِناءَ الْعَرَبِ، وَإِنَّ النَّاسَ لَيَتْبَعُونَهُ، يَسْمَعُونَ صوتَه وَمَا يَرَوْنَه حَتَّى خَرَجَ مِنْ أَعَلَى مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ:

جَزَى اللَّهُ ربُّ الناسِ خيرَ جزائهِ *** رَفِيقَيْنِ حلاَّ خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
هُمَا نَزَلَا بالبَرِّ ثُمَّ تَرَوَّحَا *** فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رفيقَ محمدِ
لِيهْنِ بنو كَعْبٍ مكانُ فتاتِهم *** ومقعدُها لِلْمُؤْمِنَيْنِ بِمَرْصَدِ

قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ، عَرَفْنَا حَيْثُ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّ وَجْهَهُ إلَى الْمَدِينَةِ وَكَانُوا أَرْبَعَةً: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، وَعَامِرُ ابْن فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَطَ دَلِيلُهُمَا (انظر سيرة ابن هشام: 1/ 487: 488).

ومع ذلك فإن قريشًا لم تيأس من ملاحقة النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فدبرت تدبيرًا آخر للإيقاع بمحمد.

المصدر: ملتقى الخطباء

إبراهيم بن عبد الله الدويش

دكتور في قسم السنة بكلية أصول الدين بالقصيم

  • 1
  • 0
  • 13,148

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً