خطب مختارة - [09] آلام وأمال

منذ 2016-01-19

وعد الله هذه الأمة أن لا يجمعها على ضلالة، وأنها مهما ضعفت وبعدت وأعرضت عن ذكره ودينه سبحانه فلا تزال فيها طائفة تحمل هذا الدين، هي منارٌ للسائرين ودليلٌ للحائرين وملاذٌ للمستضعفين، يقومون لله بالحجة، ويدعون إليه على بصيرة، يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله.

الخطبة الأولى

أما بعد: عباد الله، اتقوا الله الذي أوصاكم بتقواه، واشكروه على أن اختاركم على العالمين؛ فجعلكم من أتباع خاتم النبيين وإمام المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، واحمدوه أن هداكم في وقت كثر فيه أهل الباطل والفساد، فلُبِّست الأمة فتنًا كثيرة يهون بعضها بعضًا، فظهر صدقُ ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم مما سيقع في هذه الأمة من الانحرافات والمنكرات والمخالفات.

فمن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمضى أكثر دعوته يحذر من الشرك ويدعو إلى التوحيد أخبر أن الشرك سيقع في الأمة، فقال: «لا تقوم الساعة حتى يلحق حيّ من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان» [اقتاء الصراط المستقيم:1/142]، وها هو صِدق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم، فإن فئامًا من الأمة يبنون القِباب على القبور، ويعمرون المشاهد والأضرحة؛ يدعون غير الله؛ ويستغيثون بالأموات ويذبحون لهم القرابين وينذرون لهم النذور، يُعْلُون أعلامَ الشرك، ويطمسون منارات التوحيد.

ومما وقع في الأمة وقد أخبر به صلى الله عليه وسلم متابعةُ اليهود والنصارى والتشبه بهم، ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!». يعني: نعم [صحيح البخاري:7320].

وهانحن نرى في هذه الأمة اليوم تسابقًا وتسارعًا في التبعية لليهود والنصارى والتشبه بهم، حتى أصبح - عند كثير من المسلمين - تقليدَهم ومضاهاتِهم في سلوكهم وأفكارهم وأخلاقهم ونُظُمِهم واقتصادياتهم وسياساتهم معيارُ التحضر والتقدم. وأخبرنا أيضًا صلى الله عليه وسلم أن الأمة ستضطرب موازينها وتنتكس مقاييسها ومعاييرها، فقال صلى الله عليه وسلم: «سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدَّقُ فيها الكاذب؛ ويُكذَّبُ فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن؛ ويُخَوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال:  الرجل التافه يتكلم في أمر العـامة» [صحيح الجامع:3650].

ومما أخبر به صلى الله عليه وسلم أن الأمة ستدع الجهادَ وتترك أسبابَ القوة؛ وتأخذُ أسبابَ الضعف، فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذُلاً لا ينـزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» [سنن أبي داود:3462]، وها هو حال كثير من الأمة ركنوا إلى الدنيا وأعرضوا عن الآخرة، تنافسوا في الدنيا حتى كأنهم خالدون فيها، ولم يتنافسوا في العمل للآخرة وكأنهم غير مخلدين فيها، بل إن بعضهم يضحي بدينه وآخرته لأجل هذه الدنيا التافهة، فسلط الله على الأمة كؤوس الذل والهوان والصغار؛ حتى مِنْ أذلّ الخلق اليهود الذين ضُرِبَت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب على غضب.

هذا بعض ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيقع في الأمة، وهو وللأسف جزء من واقعها اليوم لا يمكن إنكاره، فالأمة اليوم تصطلي بنار الوهن والضعف والغفلة من داخلها، وبنار الكيد والمكر والتخطيط والتشويه والتدمير والمسخ من أعدائها، فالأزمات والكروب تحدق بها من كل جانب، فالحق في أمتنا ضعيف الشوكة والجناح. لذا فإن الناظر لحال أمتنا اليوم قد تعتريه مشاعرُ اليأس والقنوط والإحباط من أن تعود هذه الأمة إلى سابق عزها وسالف مجدها ومكانتها.

ولكن هذا الشعور وهذه الهواجس والوساوس سرعان ما تتبدد وتنقشع وتزول وتضمحل عندما ندرك أن الله سبحانه وتعالى وعدنا بحفظ دينه، كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ} [الحجر:9]، فهذه الأمة محفوظة بحفظ رسالتها ودينها وكتابها، فهي باقية ما بقي الليل والنهار.

ووعد الله هذه الأمة أن لا يجمعها على ضلالة، وأنها مهما ضعفت وبعدت وأعرضت عن ذكره ودينه سبحانه فلا تزال فيها طائفة تحمل هذا الدين، هي منارٌ للسائرين ودليلٌ للحائرين وملاذٌ للمستضعفين، يقومون لله بالحجة، ويدعون إليه على بصيرة، يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله، روى البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قولَه: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة» هذا لفظ مسلم [1034]، ولفظ البخاري: «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك» [3641].

ومما يُسَرِّي عن المؤمنين الصادقين الذين تقرّحت قلوبهم وتفتّقت أفئدتهم مما نزل بالأمة من المآسي والخطوب أن يعلموا أن الإسلام دين الله، وأنه ليس أحد أغير من الله على دينه أن يذلّ أو يمتهن، ولا على أوليائه أن يعذّبوا أو يقهروا، وهو سبحانه وتعالى تكفّل بنصر دينه وإظهاره على كل دين، قال الله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33].

وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال فيما أخرجه مسلم وغيره عن ثوبان: «إن الله زوى لي الأرض ـ أي: جمعها وضمهاـ فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها» [2889]، وقال صلى الله عليه وسلم مبشرًا أمته فيما أخرجه أحمد وغيره: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعزّ عزيز أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر».

وفي شأن اليهود الذين يعيثون في الأرض فسادًا؛ يقول صلى الله عليه وسلم: «تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدُهم وراء الحجر ؛ فيقول ( الحجر ): يا عبد الله هذا ورائي يهودي فاقتله» [صحيح البخاري:2925].

  اللهم أهلك هؤلاء اليهود المفسدين؛ وأعز الإسلام والمسلمين اللهم آمين. 

الخطبة الثانية

أما بعد: فمن البشائر لهذه الأمة أيضًا ما رواه أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» [4291]. ومعنى يجدد: أي يحيي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في سائر أموره وأحواله. فكلما أصاب الأمة الضعف والوهن وقل تمسكها بدين الله تعالى بعث الله لها من يردها إلى جادة الطريق، ويعيدها إلى الصراط المستقيم.

ومن حفظ الله لدينه أن قيض له حراسًا وحماة، قبلوا شريعة الله قولًا وفعلًا، وحرسوا سنة نبيه حفظًا وعملًا، قوامون بأمر الله، عن الدين ينافحون، ودونه يناضلون، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، هدم الله بهم البدع المحدثة للمذاهب الضالة والآراء المنحرفة، ينادون بالعودة إلى الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح والتمسك بهما في العقائد والأحكام والأخلاق. فمَنَّ الله سبحانه وتعالى على كثير من المسلمين فاستجابوا لدعاة الإيمان مع كثرة الملهيات والصوارف، فعاد قِطاعٌ عريض من الأمة إلى الله تعالى، فحيثما توجَّهْتَ رأيتَ رجوعًا خاشعًا لله تعالى، ووجدت نفوسًا متعطشة إلى الدين والقرب من حملته للاستفادة والتعلم منهم؛ يحملون همَّ بذلِ الجهد في نصرة الإسلام والمسلمين؛ مشتاقون إلى العمل الموصل إلى رضوان الله والجنة، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

عباد الله، إن هذه الوعود وهذه الآمال وهذه المبشرات لا تعفي الأمة ومحبي عمل الخير من العمل الناصح الدائب والدائم، فلا بد من جهد صادق ونية صالحة ودعوة مستمرة؛ بعلم وعمل وفق منهج السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، حتى يتحقق للأمة نصرُ الله تعالى، فإن الله سبحانه وعد الأمة بالنصر والعز والتمكين والظهور على الأعداء والمعاندين؛ إذا استقامت على الشرع القويم علمًا وعملًا ودعوةً، قال الله تعالى: {ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِي ٱلأرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَاتَوُاْ ٱلزَّكَـوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلأمُورِ} [الحج:41].

اللهم ارزقنا التمسك بدينك، وأقر أعيننا بنصرة الإسلام والمسلمين.

  • 10
  • 2
  • 1,510
المقال السابق
[08] أسباب علاجية للغضب المذموم
المقال التالي
[10] آيات طالوت

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً