خطب مختارة - [10] آيات طالوت

منذ 2016-01-19

يقص تعالى على نبيه قصة الملأ من بني إسرائيل من أشرافهم ورؤسائهم الذين أتوا إلى نبي لهم بعد موسى عليه السلام.

الخطبة الأولى

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة:246]. يقص تعالى على نبيه قصة الملأ من بني إسرائيل من أشرافهم ورؤسائهم الذين أتوا إلى نبي لهم بعد موسى عليه السلام فطلبوا من أن يعيِّن لهم مَلِكا،  ليجتمعوا تحت قيادته ويقاوموا عدوهم، فقال لهم: لعلكم تطلبون شيئًا إذا كتب عليكم لا تقومون به، فعرض عليهم العافية فلم يقبلوها، واعتمدوا على عزمهم ونيتهم، ولم يحسنوا التوكل على الله، فقالوا: {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} أي: أي شيء يمنعنا من القتال وقد أُلجأنا إليه، بأن أُخرِجْنا من أوطاننا وسبيت ذرارينا، فلم يقوَ توكلهم على ربهم {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا} فجبنوا عن قتال الأعداء وضعفوا، واستولى على أكثرهم الخور والجبن {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} عصمهم الله وثبتهم وقوّى قلوبَهم فالتزموا أمر الله ووطنوا أنفسهم على مقارعة أعدائه، فحازوا شرف الدنيا والآخرة، وأما أكثرهم فظلموا أنفسهم وتركوا أمر الله {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}.    

ثم قال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:247]، أخبرهم نبيهم -مجيبًا لطلبهم- إن الله قد بعث لكم طالوت ملكًا، فكان هذا تعيينًا من الله؛ الواجب عليهم فيه القبول والانقياد وترك الاعتراض، ولكن أبوا إلا أن يعترضوا، فقالوا: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} أي: كيف يكون مَلِكا وهو دوننا في الشرف والنسب والمال فنحن أحق بالملك منه، واعتراضهم هذا بناء على ظن فاسد، وهو أن الملُكَ ونحوَه من الولايات مستلزم لشرف النسب وكثرة المال، فقال لهم نبيهم: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} يعني فيلزمكم الانقياد {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} أي: فضّله عليكم بالعلم والجسم، فأسباب الملك متوفرة فيه؛ صواب في الرأي وقوة في الجسم، {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} كثير الكرم، لا يخص برحمته وبره العام أحدًا عن أحد، عليم بمن يستحق الفضل. وبعد هذا الحوار زال ما في قلوبهم من ريب وشك وشبهة في تولي طالوت الملك.

ثم قال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة:248]، ذكر لهم نبيُّهم أيضًا آيةً حسية يشاهدونها وهي إتيان التابوت - صندوق التوراة - الذي قد فقدوه زمانًا طويلًا؛ وفي ذلك التابوت سكينة تسكنُ بها قلوبُهم، وتطمئنُ لها خواطرُهم، وفيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون كعصا وثياب موسى وهارون وغيرها، فأتت به الملائكة حاملةً له وهم يرونه عيانًا.

ثم قال تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:249]، لما تملَّك طالوت ببني إسرائيل واستقر له الملك تجهزوا لقتال عدوهم، فلما فصل طالوت بجنود بني إسرائيل وكانوا عددًا كثيرًا قيل كانوا عشرات الآلاف، امتحنهم بأمر الله ليتبين الثابتُ المطمئنُ المناسب للقتال ممن ليس كذلك - فبعد أن قلَّ عليهم الماء - قال: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} أي فهو عاص ولا يتبعنا لعدم صبره وثباته ولمعصيته، {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ} أي: لم يشرب منه فإنه مني {إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} فلا جناح عليه في ذلك؛ ولعل الله أن يجعل فيها بركة فتكفيه، فعصى أكثرهم وشربوا من النهر الشرب المنهي عنه، ورجعوا على أعقابهم ونكصوا عن قتال عدوهم، فعدم صبرهم وسمعهم وطاعتهم دليل عدم صبرهم على القتال الذي ستحصل فيه المشقةُ الكبيرة، وكان في رجوعهم عن باقي العسكر ما يزداد به الثابتون توكلًا على الله؛ وتضرعًا واستكانةً وتبرؤًا من حولهم وقوتهم، وفي ذلك دافعٌ لزيادةِ صبرهم، لقلتهم وكثرة عدوهم، فعددهم صار قرابة الثلاثمائة فقط، فلما جاوز النهرَ طالوتُ والذين أطاعوا أمر الله ورأوا قلتهم وكثرة أعدائهم، قال كثير منهم: {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} لكثرة عَددهم وعُددهم، {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ} أي: المستيقنون أهلُ الإيمان الثابت واليقين الراسخ، قالوا مثبتين لباقيهم ومطمئنين لخواطرهم؛ وآمرين لهم بالصبر {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} يعني أن الأمر لله تعالى، والعزيز من أعزه الله، والذليل من أذله الله، فلا تُغني الكثرةُ مع خذلان الله، ولا تضر القلة مع نصر الله، والله مع الصابرين بالنصر والمعونة والتوفيق، فأعظم جالب لمعونة الله صبر العبد لله، فوقعت الموعظة في قلوبهم وأثرت معهم.

ثم قال تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:250]، قالوا جميعهم اللهم قو قلوبنا، وأوزعنا الصبر، وثبت أقدامنا عن التزلزل والفرار، وانصرنا على القوم الكافرين .

ثم قال تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة:251]، فهزموهم بإذن الله، وباشر نبي الله داود الذي كان مع جنود طالوت قتلَ ملك الكفار جالوت؛ وآتى الله داود الملك على بني إسرائيل مع الحكمة؛ وهي النبوة المشتملة على الشرع العظيم والصراط المستقيم، {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} وهذا كلُّه من آثار وبركة الجهاد في سبيل الله، فلو لم يكن جهاد لم يحصل ذلك، ولهذا قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} أي: لولا أنه يدفعُ بمن يقاتلُ في سبيله كيدَ الفجار وتكالب الكفار لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها.

ثم قال تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [البقرة:252]، هذه آيات الله أنزلها على رسوله بالصدق المتضمن بيان حقائق الأمور للاعتبار والاستبصار وحجة وشهادة من الله لرسوله بصدق رسالته. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم .....

الخطبة الثانية

في هذه القصة من الآيات والعبر ما يتذكر به أولو الألباب، فمنها: أن اجتماع أهل الكلمة والحل والعقد وبحثهم في الطريق الذي تستقيم به أمورهم وفهمه، ثم العمل به، أكبر سبب لارتقائهم وحصول مقصودهم، كما وقع لهؤلاء الملأ حين راجعوا نبيهم في تعيين ملك تجتمع به كلمتهم ويلم متفرقهم، وتحصل له الطاعة منهم، ومنها: أن الحق كلما عورض وأُوردت عليه الشبه ازداد وضوحًا وتميزَ وحصل به اليقينُ التام كما جرى لهؤلاء؛ لما اعترضوا على استحقاق طالوت للملك أجيبوا بأجوبة حصل بها الإقناع وزوال الشبه والريب.

ومنها: أن العلم والرأي: مع القوة المنفذة بهما كمال الولايات، وبفقدهما أو فقد أحدهما نُقصانها وضررها. ومنها: أن الاتكال على النفس سبب الفشل والخذلان، كما في قولهم لنبيهم {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} [البقرة:246]، فكان نتيجةُ ذلك أنه لما كتب عليهم القتال تولوا، أما الاستعانة بالله والصبر والالتجاء إليه فهي سبب النصر، كما كان حال القلة المؤمنة الثابتة؛ قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين؛ فهزموهم بإذن الله، ومنها: أن من حكمة الله تعالى تمييزُ الخبيثِ من الطيب، والصادقِ من الكاذب، والصابرِ من الجبان، وأنه لم يكن ليذر العباد على ما هم عليه من اختلاط الكاذبين بين الصادقين وعدم التمييز. ومنها: أن من رحمة الله وسننه الجارية أن يدفع ضرر الكفار والمنافقين بالمؤمنين المقاتلين، وأنه لولا ذلك لفسدت الأرض باستيلاء الكافرين عليها وإفسادهم فيها.

اللهم انفعنا وارفعنا بالقرآن العظيم. اللهم ارزقنا تلاوته وتدبره وأخذ الدروس والعبر منه. اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. اللهم أعز الإسلام والمسلمين.

  • 8
  • 3
  • 9,147
المقال السابق
[09] آلام وأمال
المقال التالي
[11] أسباب مسقطة للعقوبة الأخروية
  • ابراهيم العرياني

      منذ
    البقرة ٢٤٨ ( طالوت ) بلآية هل نستوضح ان طالوت ( رسول ) فان كان ذلك صحيح فكيف يقتل نبي الله داود - جالوت . نرجوه تفسير سوالي ؟! وجزاكم الله خير

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً