التيَّار المحتار!!

منذ 2016-02-26

دعوة للتصالح مع النفس!!

بعد الصدمات المتوالية التي مرت بها دول الربيع العربي عزف الكثير من الشباب وعفا قلبه عن سماع النصيحة من مشايخ وأئمة كانوا يأمِّلون عليهم أحلامًا كبرى؛ وياليت شعري!

حتى يتهيأ لك وأنت في مجلس أن معرفة الحق والبحث عنه كان أمرًا مؤقتًا خلال عقدين أو ثلاثة ارتبط بأشخاص وكأنه كان موقوفًا عليهم؛ ثم جف معينه من بعدهم.
وباختفاء هؤلاء الدعاة بسبب محاصرة الساحة الدعوية ولأسباب أخرى؛ تحولت أوقات الشباب ما بين صامت منهزم، وناقد متابع للحظية الأخبار، وبين متبع لآخرين راق له حديثهم اللاّمع وذلك بغض النظر عما يقدمونه لهم هل هو حق أم باطل!!
ولعل السبب الرئيس في هذه "الصدمة الثقافية" أن البعض كان يرى في شيخه الأب المربي، والقائد في الأزمات، وحلاّل المشكلات.
والبعض كان يرى فيهم نماذج الصحابة، ووجوه السلف الصالح وناصري السنة وحراس الأمة...
وفجأة انتفض الغبار عن واقع مؤلم لم يستطع الكثير تقبله تفصيلا وإجمالا، وصار الوقع على القلوب كالسحاب الثِّقال التي تنتظر رجَّة عنيفة، تفيقه من سُبات اليأس ليسقي الغيث!!

تساؤلات بعدد ما في القلوب من وخزات باتت تؤرق عقول الشباب، ولوم يخرق الحجر ويجفف الدمع المنهمر، عما تركه المشايخ من خلفهم من ذرية ضعاف تصدوا لمواجهة مواقف عصيبة لم تكن في حسبان أحد.

فلقد اجتمع عليهم البأس، وانهالت عليهم سهام الفرق والتيارات والملل الأخرى من كل حدب وصوب!
وبات ما يهمّ هذا التيار وبات يؤرقه هو تغيب القدوة والنصير وتحمل الأمانة كاملة على عاتقهم كل يقبع وحده في صدمته صامتا، يأخذه ألف سؤال عما حدث، وعن تقدير ذلك، بل عن أصل ما كنّا عليه ،وما آل حالنا إليه!!

فما بين شيخ معتزل وغائب عن المشهد، أو بين منقلب على كل ما كان يدعو إليه، أو أنه لايزال يعاني ويكافح تحت وطأة المحتل يفتقدونه كفقد الري للظمآن وأنّى  لهم اللقاء والمشورة.

وحقيقة الأمر أن أول أسباب هذه الصدمة، هو إعطاء القدوة أكثر من حقها قدرًا وتعويلًا واتكالًا -كما سبق أن ذكرنا- وبقدر هذا التعويل والاتكال كانت حجم الصدمة.

وثانيًا: دعونا نراجع أنفسنا ونعترف فيما بيننا وننصت لصوتنا الداخلي ومشكلاتنا الخاصة لما يعانيه الشباب الإسلامي من أزمة حتى نتطيع تجاوزها.
دعونا نعقد صلحًا ولو مؤقتا نعترف فيه بالماضي المضيء؛ حتى وإن كانت الإضاءة الشاحبة قد تحولت في لحظة لنارٍ صاخبة خطفت الأبصار أو أحرقت القلوب...
لقد تربينا على يدي هؤلاء وحملوا لنا الدين وبلغ الكثير منكم مبلغًا لا بأس به في العلم والفهم.
ومضى الكثير على الطريق حتى بلغ بعضنا أن يستطيع التفريق بين الحق والباطل وأن يبحث في المسائل والدلائل وحده بلا معين.
دعونا نذكر فضلهم بشيء من العدل حتى وإن اعتبرناهم مجرد ناقلين لنا ومحدثي أخبار.
حتى وإن كان بعضهم ليس سوى سطرًا في بلوغ الحقيقة أو جسر عبور أو حتى آلة لنقل المعرفة وأخبار السلف.

المهم اليوم أنت!!
حتى متى ستظل محتارًا تستمر في قراءة الأخبار تنقد وتلوم وتلعن كل من صدموك؟!
ومتى ستفيق من حيرتك لتصعد درجاتك الأُوَل للغاية الكبرى؟!
أخبرني بربك متى ستحطم اكتئاب الصدمة وتذيب جليدها بدفء التصالح مع النفس، والرضى بما قدره الله عليك؟!
ويا عبد الله إذا كنت أنكرت على شيخك فلتحمد الله على عافيتك ولتمض في سبيلك لا يضرك من خذلك.

فبغض النظر عن ما يحمل هذا الشيخ أو ذاك من صدق وإخلاص أو ما ابتلاه الله به من تمحيص وتمييز.
فذرونا جميعا عن إلقاء الملام وتحليل لمواقف المشايخ والسؤال "بلماذا" فُعل ذلك بفلان وهو أشد منّا قوة..
فتلك كلها تراتيب الله تعالى، وأقضيته في خلقه ولا شأن لنا بها سوى أخذ العِبرة قبل إسبال العَبرَة.
لا تدري لعل الله وضعك في هذا الموقف وحيدًا ذليلًا؛ تهذيبًا لك وترقية لمعدنك وتسويه لعودك؛ كي ترتقي على ساق الحقيقة في أبهى صورها من توحيد الله وحده بلا شريك له، وبلا غرور ولا كبر لوّث ذواتنا ولا توكل على غير ربنا.
والطفل الصغير يظل يخزِّن أفكارًا وصورًا عن طريقة المشي من عائلته؛ لكن هذا لا يغني أبدًا عن وقوفه وحيدًا مراتٍ عدة يسقط تارة ويتسند أخرى حتى يشتد عوده معتمدًا على نفسه.

دعونا نفكر في الحلول متغاضين عن مواقف المشايخ والرموز ومآلهم لئن الحديث عن مواقفهم والتشاحن حول هذه القضية لا تجعلنا نلتقي في نقطة واضحة، ولن تصل بنا لنتيجة مجدية ولن تحلّ ما حُمُّ بنا.
وليبدأ كلٌ بنفسه فلقد مضى وقتُ طويلُ أخذنا قسطًا لا بأس به من الندم والتشكي.

وإن أول التصالح مع النفس هو الرضى بقضاء الله وقدَرِه والتحدث بنعمائه وفضله ذلا وخضوعا وإنابة إليه عز وجل.
فلنحمد الله تعالى على فضله أن تشربنا هذا القسط من العلم بلا تبديل ولا حور عن الطريق، ولنحمد الله على الثبات في زمن السبات، وعلى الظفر في زمن الكفر، وعلى الوَعْي في زمن العِيّ.
ألا يكفيك هذه النعم أليس من الأحرى أن تتحدث بها عن أي قضية أخرى؟!
دعك من كل من تركك فإنه لن يضرك ولتكن أنت الأرض الخصبة التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب، لا تلك التي أمسكت الماء فنقلت العلم ولم تخرج الثمر، ولا تلكم القيعان الهابطة التي لا أثمرت ولا نقلت.
فإن القشة هذه المرة أكثر مرونة مما تتخيل، وستحملك إلى بر الأمان بإذن الله.
لكنها بحاجة منك إلى المزيد من العمل والتوكل على الله تعالى وحده لا شريك له بلا وزير ولا عديل ولا مثيل له.

ولنحمد الله تعالى على الاعتصام بعد التفرق:
نعم لقد كنا سبلا وجماعات وطرق، كلنا كان على مذهب أهل السنة؛ لكن كل منّا كان يدعي لنفسه أنه الأصل الأصيل من هذا المذهب وما دونه الفرع الهذيل..
حتى جمعتنا المحن من بعد التشرذم، وثقفتنا الإحن، وسددنا تجمع أهل الباطل علينا، فعلمنا أننا لحمة واحدة لا تفريق عندهم بيننا وعليه فإنه ينبغي ألا نفترق.
ولا زالت تسددنا المحن وتدعمنا بقسوتها كسياط الرحمة على جسد المرتكب، حتى نعترف بأخطائنا ونلتجئ إلى الله كأمة واحدة وكأننا خير أمة.
هذه رسالتي إلى التيار المحتار.. أنه "التيار المختار" فرغم أن مكنونه جوهرة العالم؛ لكنه لا يزال مترددًا في سبيله لا يدرك قيمته ولا مهمته بين أهل الأرض؛ إلا بسوط عدو أو سطوة خائن فمتى ستدرك حقيقة نفسك بنفسك؟

المصدر: فريق عمل طريق الغسلام
  • 1
  • 0
  • 1,585

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً