خطب مختارة - [80] الحياة الزوجية السعيدة

منذ 2016-03-09

بشَّر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها ببيت في الجنة من قصب اللؤلؤ؛ لا صخب فيه ولا نصب، قال ابن كثير: "لا صخب فيه ولا نصب لأنها لم ترفع صوتها على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تُتْعِبْه يومًا من الدهر، فلم تسخط عليه يومًا، ولا آذته أبدًا"

الخطبة الأولى:

أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - حق التقوى، فمن اتقى ربه علا، ومن أعرض عنه فقد هوى.

عباد الله، الأسرة أساس بناء المجتمعات، وهذه الأسرة نواةُ بنائها الزوجان، ففي الزواج معمار الكون وسكن النفس ومتاع الحياة، بقيامه تنتظم الحياة ويتحقق العفاف والإحصان، يجمع الله بالنكاح الأرحام المتباعدة والأنساب المتفرقة. وَعَدَ الله فيه بالغنى والسعة في الرزق قال تعالى: {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [النور:32]. وفي اختيار لبنة النكاح تتسع الآفاق. وتصبح هموم الزوجين عديدة ومتشعبة، ولكن حسن العشرة وطيب المودة يبددها، {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيرًا} [ النساء:19 ].

في الأسرة عتاب ومودة، سخط ورضا، والرجل يرفعه الأدب ويزكيه العقل، يضع من المودة أعلاها ومن المحبة أسماها، يعفو عن الخطأ ويتجاوز عن الزلل، والمرأة خلقت من ضلعٍ أعوج، وبمداراتها والصبر على ما يكرهه منها تستقيم الأمور، يقول صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرتَه، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا» [صحيح البخاري: 5185].

ومن كَرُم أصله لان قلبه، وزوجتك هي حاملة أولادك، وراعية أموالك، وحافظة أسرارك. اخفض الجناح معها، وأظهر البشاشة لها، فالابتسامة تحيي النفوس وتمحو ضغائنَ الصدور، والثناء على الزوجات في الملبس والمأكل والزينة جاذب لأفئدتهن، وقد أباح الإسلام الكذب الذي تزيد به المودة والألفة بين الزوجين. والهدية بين الزوجين مفتاح للقلوب، تُنبئ عن محبة وسرور، والتبسط معها ونبذ الغموض والكبرياء من سيما الحياة السعيدة.

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ينبغي للرجل أن يكون في أهله كالصبي ـ أي في الأنس والسهولة ـ فإن كان في القوم كان رجلًا". وكن زوجًا مستقيمًا في حياتك تكن هي بإذن الله أقوم، ولا تمدن عينيك إلى ما لا يحل لك، فالمعصية شؤم على بيت الزوجية. وكن لزوجتك كما تحب أن تكون هي لك في كل ميادين الحياة، فإنها تحب منك كما تحب منها، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "إني أحب أن أتزين للمرأة؛ كما أحب أن تتزين لي". واستمع إلى نقد زوجتك بصدر رحب وبشاشة خلق، فقد كان نساء النبي صلى الله عليه وسلم يراجعنه في الرأي فلا يغضب منهن.

ومن علو النفس أن لا يأخذ الزوج من مال زوجته شيئًا إلا برضاها وطيب نفس منها؛ فمالها مِلْكٌ لها، وأحسِن إليها بالنفقة بالمعروف ولا تبخل عليها، وتذكر أن زوجتك تود الحديث معك في كثير من أمورها فلا تحرمها سماعك، فهذا من كمال الخلق. ولا تعُد إلى دارك كالح الوجه عابس المحيّا؛ فأولادك بحاجة إلى عطفك وقربك وحديثك؛ فألن لهم جانبك؛ وانشر بين يديهم أبوتك؛ ودعهم يفرحون بتوجيهك وحسن إنصاتك، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى ابنته فاطمة قال لها: «مرحباً بابنتي» ، ثم يجلسُها عن يمينه أو شماله [صحيح البخاري: 3623]. والحنوُّ على أهل البيت شموخ في الرجولة، يقول البراء رضي الله عنه: دخلتُ مع أبي بكر رضي الله عنه على أهله فإذا ابنته عائشة مضجعة قد أصابتها حمى، فرأيت أباها أبا بكر يقبل خدها ويقول: كيف أنت يا بنية؟ رواه البخاري.

والقيام بأعباء المنـزل من شيم الأوفياء، قيل لعائشة رضي الله عنها: ماذا كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته؟ قالت: كان بشرًا من البشر، يفلي ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه. رواه أحمد.

والكرم بالنفقة على أهل بيتك وتوفير ما يحتاجونه هو أفضل البذل، ولا يطغى بقاؤك عند أصحابك على حقوق أهلك وأولادك، فأهلك أحق بك. ولا تُذكِّر زوجتك بعيوبٍ بدرت منها، ولا تلمزها بتلك الزلات والمعايب، واخْفِ أيَّ مشكلة عن الأبناء؛ ففي إظهار المخاصمة تأثير على التربية وتأثير على احترام الوالدين. واحذر من الغضب فهو يفجِّر الشحناء، لأن ما بينك وبين زوجتك أسمى أن تدنسه لحظه غضبٍ عابرة. وآثِر السكوت على المقال السيئ، والعفو عن الزلات أقرب إلى العقل والتقوى، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "النساء عورة، فاستروهن بالبيوت، ودَاووا ضعفهن بالسكوت".

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله.

الخطبة الثانية:

إن حق الزوجة على الزوج عظيم، أُسرت بالعقود وأوثِقت بالعهود. الزوجات يكرمهن الكريم، ويعلي شأنهن العظيم، تقول عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرَ خديجةَ رضي الله عنها، -وقد ماتت من سنين- وربما ذبح الشاة ثم يُقطِّعها أعضاءً، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلتُ له: من غَيرتها، كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة!! رواه البخاري هذا هو الوفاء يا عباد الله حتى مع زوجة ماتت من سنين ولا يزال يذكرها بخير.

والزوجة الحاذقة تجعل قلبَها لزوجها سكنًا، وتجعل في نفسها له طمأنينة، وفي حديثها معه ابتهاجًا وزينة، تصحبه بالقناعة وطيب المعاشرة؛ بحسن السمع والطاعة في غير معصية، تعترف بجميل الزوج وفضله، وتقوم بحقوقه، تؤمن بعلوِّ منـزلته وعظيم مكانته، يقول عليه الصلاة والسلام: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها» [صحيح الترغيب: 1940].

المرأة الصالحة إن رأت زوجها جنح ذكَّرته بالله، وإن رأته يكدح للفانية وغافلا ذكرته بالآخرة الباقية، تعينه على نوائب الدهر، لا تفشي له سرًا، ولا تعصي له أمرًا في غير معصية الله، تعين زوجها على برِّ والديه، تطلب رضا ربها برضا زوجها، لا تتتبّع هفواتِه، ولا تُظهر زلاتِه، حافظةٌ له في الغيب والشهادة، إن حضر أكرمته، وإن غاب صانته، لا تُثقل على زوجها في النفقة، همُّها طاعةُ ربها؛ ورضا زوجِها؛ وتنشِئُةُ أولادِها على الصلاح والاستقامة، لا ترفع عليه صوتًا، ولا تخالف له رأيًا.

بشَّر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها ببيت في الجنة من قصب اللؤلؤ؛ لا صخب فيه ولا نصب، قال ابن كثير: "لا صخب فيه ولا نصب لأنها لم ترفع صوتها على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تُتْعِبْه يومًا من الدهر، فلم تسخط عليه يومًا، ولا آذته أبدًا". وقد أوصت حكيمة من العرب ابنتها عند زواجها بقولها: "يا بنية، إنك لن تصلي إلى ما تحبين منه حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك، فيما أحببتِ وكرهتِ".

إخوة الإيمان، العفة محور الحياة الكريمة، وزينة الزوجة قرارُها في دارها، تقول عائشة رضي الله عنها: "إن خيرًا للمرأة أن لا ترى الرجال ولا يروها". ذات الدين مطيعة لربها ثم لزوجها، لا تتعالى عليه، ولا تتمرد على قِوامته، ولا تسعى إلى منازعته، تراها ساعيةً في راحة زوجها، قائمةً على خدمته، راغبةً في رضاه، حافظةً لنفسها، يدُها في يد زوجها، لا تنام إذا غضب عليها زوجها حتى يرضى، كلّ ذلك ليقينها بأن فوزها بالجنة معلق بطاعة زوجها مع قيامها بما فرض الله عليها.

ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، اللهم ارزقنا صلاحًا في أنفسنا وأزواجنا وذرياتنا. اللهم ألِّف بين قلوبنا؛ وأصلح ذات بيننا؛ واهدنا.

  • 8
  • 5
  • 25,260
المقال السابق
[79] الحياة البرزخية
المقال التالي
[81] الخشوع في الصلاة

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً