واقع العلاقة بين الإدارة والتربية

منذ 2016-03-09

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام؛ على سيد المربين وعلى آله وصحبة أجمعين وبعد.

من المعلوم أن الإدارة منشؤها في أول الأمر كعلم كانت في الجهات العسكرية خصوصاً في الجوانب الاستراتيجية منها، والتي كان لها الأثر الملموس في الواقع والنتائج الإيجابية بل توسع استخدامها لتشمل معظم جوانب الحياة، فأصبحت أهميتها لا تخفى لكنها تتسم  في أبرز خصائصها بالرسمية وغلبة الجفاف المشاعري العاطفي في خطابها وتطبيقاتها، بهدف توفير الجهد والمال والوقت، بعيداً عن التعامل مع الإنسان كروح ووجدان وسلوك.

وأما التربية نجد في العودة إلى حقيقتها وماهيتها نجد أنها وظيفة سامية اضطلع بها الرسل الكرام، وهي بذلك تختلف كليا وجذرياً مع طبيعة العمل الإداري وقواعده الصارمة التي صُدّرت لنا من الثكنات العسكرية، في التعاطي مع الإنسان وما يحمله ككائن بشري يعتريه الخطأ والصواب في إطار عملية التزكية والإرشاد والتوجيه.

وعليه فإن ثمة سؤال يطرح نفسه، هل ثمة علاقة أو تلازم بين الإدارة والتربية كون ممارسة المربي للعمل الإداري الخالص يسلبه صفة المربي، فقد يهدم المربي في موقف إداري واحد ما بناه تربويا في وقت طويل، كون الإداري مراده شيئاً والتربوي يريد شيئاً آخر، وليس بالضرورة أن يكون ظاهر ذلك مقيسا.

فقد يجتهد المربي في غرس قيمة داخلية في المتربي لديه كقيمة الإخلاص مثلا بخلاف الإداري الذي يهمه الانضباط والتقيّد بالأوامر، واستعجال النتائج التي تأتي في صورة حسابية حدية 1 + 1 = 2، بينما المربي نجده على الضد من ذلك إذ يعد طول النفس له مزية وخاصية، فقد يسلك هذا الأسلوب ويستبدله بآخر، كون الصبر والمثابرة وتنّوع سُبل التوجيه والإرشاد من أهم خصائص ولوازم التربية.

وعلى هذا قد يطرأ إشكال في فهم هذه المعادلة، وينشأ لدى البعض فكرة التصادم بين اتباع أسلوب الإدارة وأسلوب التربية؛ لكن لتجاوز هذا الإشكال لابد من إدراك أن المربي بحاجة إلى تطعيم عمله ونشاطه التربوي بالجوانب الإدارية في تنفيذ منهجه التربوي، مالم فإنه يخشى أن يذهب جهده  هدرا.

ويفهم من ذلك أن المربي الإداري الذي ينظم وسائله ويرصد أهدافه خير من المربي الفوضوي الذي لا يراقب عمله ومسيرة نشاطه، لكن هل يصعب المزاوجة بينهما؟ الحقيقة أن ذلك ليس بالمستحيل وليس بالهين في الوقت نفسه، فأن تأخذ أداة جافة هي الإدارة لتزاوج بينها وبين التربية الحساسة في قراراتها ، تبدو أقرب إلى عملية قيصرية تجمع بين النتائج الظاهرة والسريعة وبين النتائج التي لا تقاس غالبا.

وبالرغم من أن تحقيق هذا الأمر عسير جداً من حيث المبدأ لكنه متيسر لمن سلكه واتخذه منهجاً وطريقة له في نشاطه التربوي والتعليمي، وإذا ما تحقق له هذا الأمر واجتمع فإنه يعد من نعم الله على المربي الإداري الناجح، لأنه جميع بين اللطف والحزم وبين النتائج الظاهرة المقيسة والنتائج الخفية غير المقيسة في غالبها، فهل لنا بتربوي إداري يجمع بين أوصاف الطريقين؟

والملاحظ أن الإشكالية التي لا تخفى ليست في عملية الجمع بين الطريقتين، بل في تغليب أحدهما على الآخر، فقد تجد إداري يمارس أسلوب التربية فيهدم أكثر مما يبني ومربِّ لا يستطيع أن يدير من تحته بكفاءة واقتدار، وهنالك من يجمع بين الصفتين وهم قليل في الواقع، والبعض منهم يتنازل عن بعض  وسائل الإدارة لصالح الجانب التربوي وهو الأولى للمربي خاصة عند التزاحم .

ففي غزوة تبوك نلاحظ أن الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم قبل حدوث المعركة وضع وقتاً للانطلاق إلى تبوك وكان من بين رفاقه صحابي جليل هو أبو خيثمة لم يلتحق بالجيش في أوله حسب التوقيت المحدد، والوقت وضبطه يعد جزءا من أدوات الإدارة ليحصل الانضباط، لكن أبا خيثمة رضي الله عنه جاء بعد مرور الجيش والرسول المربي صلى الله عليه وسلم يراه من بعيد ويقول له كن أبا خيثمة.

وبالفعل كان له أن يكون كذلك، كما أراد له النبي صلى الله عليه وسلم، وبدلاً من تعنيفه لتأخره عن الركب ومشاركة الجيش من أول انطلاقة فرح به، وتمنى أن يكون أبا خيثمة هو ذاك الرجل، فمقام الرجل الذي تربى على مائدة الرسول صلى الله عليه وسلم وهنا الشاهد غطت على جانب الخلل في التأخير وتأنيبه على ذلك.

ونخلص مما تقدم أنه ليس ثمة إشكال ولا تصادم بين علم الإدارة والتربية؛ وفي الوقت نفسة لا تطابق بينهما، لكن المزاوجة هي المطلوبة لكل مربِّ يريد ثماراً يانعة في السلوك والقيم، وترتيب ذلك وفق خطط محكمة ونظام قويم يحدد المهام والوظائف والأولويات وينتهي بالمتابعة والرقابة والتقييم.

أسأل الله أن يعيننا على تحقيق المزاوجة النافعة بينهما وبما يساعدنا على بناء جيل يحمل همّ الدين والدعوة إلى الله بأحسن الطرق وأقل التكاليف وأسرعها وأعمقها، والله ولي الهداية التوفيق.

بقلم/ نبيل محمد

  • 9
  • 0
  • 4,116

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً