خطب مختارة - [87] الدعاء

منذ 2016-03-10

من أعظم العبادات الدعاء، فهو من أجلِّ القربات وعظيمِ العبادات، الدعاء شأنه عظيم، ونفعه عميم، ومكانته عالية في الدين، فيه تخليص العبيد من الاتجاه والتعلق بغير الله

الخطبة الأولى:

عباد الله، إن تقوى الله عز وجل من أعظم ما يحقق معيةَ الله الخاصة المقتضيةَ للنصر والتأييد: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل: 128]. فمتى كان العبد مع ربه كان منتصرًا ومؤيَّدًا، إذ الخسران منه بعيدٌ ومستحيل، فالله لن يخذلَه يومَ الحوائج والكروب.

وإن الله شرع هذا الدين وجعل من الطاعات والقربات ما يُقَرِّبُ منه سبحانه وتعالى، فجعل من الأعمال الصالحة ما تزكو به نفسُ المؤمن، ويخلُصُ قصدُه لله رب العالمين، ومن أعظم هذه العبادات الدعاء، فهو من أجلِّ القربات وعظيمِ العبادات، الدعاء شأنه عظيم، ونفعه عميم، ومكانته عالية في الدين، فيه تخليص العبيد من الاتجاه والتعلق بغير الله، قال صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة» [سنن الترمذي: 3247]، ثم قرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60].

الدعاء سلاح المؤمن من لدن آدم إلى قيام الساعة، لما اشتد إعراض قوم نوح بعد عرض دعوته ليلاً ونهارًا، سرًّا وجهارًا، دعا عليهم: {رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً} [نوح: 26]، فأجاب الله دعوته: {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت: 14].

لما اشتد إعراض فرعونَ وقومِه عن دعوة موسى، ما كان منه عليه السلام إلا أن قال: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ} [يونس: 88]. فأجاب دعوته وأغرق فرعون وحشا فاه بالطين. لما اجتمع مشركو قريشٍ يومَ بدر؛ كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهمَّ ! آتِ ماوعدتَني» [صحيح مسلم: 1763]، فأنزل الله النصر، وأعز جنده المؤمنين. لمّا تطغى دول الكفر وأنظمة الضلال يرفع المؤمنون أيديهم، اللهم عليك بأعدائنا أجمعين، ونصر الله قريب، ولكن الناس أكثرهم يستعجلون.

الدعاء عبادة يتحقق بها التوحيد لرب العالمين، والله أمرنا بالدعاء؛ ووعدنا بالإجابة: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]. والدعاء فيه قطع العلائق عن الخلائق، وفيه اعتماد القلب على الله والاستعانة به وتفويض الأمور إليه وحده سبحانه وتعالى، بل إن الله ليغضبُ حين يتركُ العبدُ سؤالَه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «من لم يسأل الله يغضب عليه» [صحيح الترمذي: 3373]. «إنَّ اللَّهَ حيِىٌّ كريمٌ يستحي إذا رفعَ الرَّجلُ إليْهِ يديْهِ أن يردَّهما صفرًا خائبتينِ» [صحيح الترمذي: 3556]

الدعاء سببٌ لانشراح الصدر وزوال الغموم، وتفريج الهموم، قال صلى الله عليه وسلم: «من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تُسدَّ فاقتُه، ومن نزلت به فاقةٌ فأنزلها بالله، فيوشك اللهُ له برزقٍ عاجل أو آجل» [صحيح الترغيب: 838]. وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينـزل، فعليكم يا عباد الله بالدعاء» [صحيح الترغيب: 1634].

الدعاء أنيسُ المؤمنِ عند الشدائد، ومسلِّيه عند اشتداد الكُرَبِ ونزولِ المصائب، فما استجلبت النعم بمثله، ولا استدفعت النقم والبلايا بمثله، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يرد القضاء إلا الدعاء» [صحيح الجامع: 7687]. وقال صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكُرَبِ فليكثر من الدعاء في الرخاء» [صحيح الجامع: 6290]

يذكر أن الصحابي أبا مِعْلَق الأنصاري رضي الله عنه خرج مرة في تجارة بمال له ولغيره، وكان رضي الله عنه ناسكًا عابدًا ذا تورع، فلقيه لص مقنع بالسلاح فقال له: ضع المال فإني قاتِلُك، قال له أبو مِعْلَق: خذ المال ودعني، قال: المال لي، ولست أريد إلا دمك، قال: أما إذا أبيت، فذرني أصلي أربعَ ركعات، قال صلِّ ما بدا لك. فتوضأ، ثم صلَّى أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعالًا لما يريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، وبملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك: أن تكفيني شر هذا اللص. يا مغيث: أغثني، يا مغيث: أغثني، يا مغيث: أغثني، فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة قد وضعها بين أذني فرسه، فلمّا أبصر باللص أقبل نحوه فطعنه ثم قتله، فأقبل على أبي مِعلَق فقال له: قم، قال: بأبي أنت وأمي، من أنت؟! قال: أنا ملَكٌ من السماء الرابعة، دعوتَ بدعائك الأول فسُمِعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوتَ بدعائك الثاني فسُمِعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوتَ بدعائك الثالث فقيل لي: دعاء مكروب، فسألت الله أن يوليني قتله.

{أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62]، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].

إخوة الإيمان، الدعاء ثمرته مضمونه، وربحه حاصل، قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تُعَجَّل له دعوتُه، وإما أن يَدَّخرُها له في الآخرة، وإما أن يُصرف عنه من السوء مثلها. قالوا: إذًا نكثرُ يا رسول الله!! -أي من الدعاء- قال: الله أكثر» [الصحيح المسند: 421]. وهذا مشروط بشرط، قال صلى الله عليه وسلم: «ما لم يعجل، قالوا: يا رسول الله: ما عجلته؟! قال: يقول: دعوتُ دعوتُ ولا أراه يستجابُ لي» [صحيح الأدب المفرد: 548]

الدعاء – عباد الله - مفزع المظلومين، وملجأ المستضعفين، فالمظلوم أو المستضعف حتى وإن انقطعت به الأسباب، وأُغلقت في وجهه الأبواب، ولم يجد من يرفعُ عنه مَظلمتَه، ويعينُه على دفع ضرورته، رفع يديه إلى السماء، وبث إلى القوي الجبار شكواه، فنصره الله وأعزه؛ وانتقم له ولو بعد حين.

روى البخاري ومسلم رحمهما الله أن امرأةً خاصمت سعيدَ بن زيد رضي الله عنه في أرض؛ وزعمت أنه أخذ شيئًا منها، فقال سعيد: كيف آخذ من أرضك وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه إلى سبع أراضين. فقال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واقتلها في أرضها. قال: فما ماتت حتى ذهب بصرُها، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت» [صحيح مسلم: 1610]

وروى البخاري رحمه الله أن أهل الكوفة شكوا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عند عمر، وزعموا أنه لا يحسن الصلاة، فسأله عمر، فقال: أما والله إني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أحزم عنها، أصلي العشاء فأركد في الأوليين، وأُخَفِّفُّ في الأخريين، قال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، وأرسل معه رجالاً يسألون عنه أهل الكوفة، فكُلّهم أثنوا عليه إلا رجلاً يكنى أبا سعدة، فقد كذب عليه؛ وقال: إنه لا يعدل في القضية؛ ولا يقسم بالسوية، فقال سعد: أما والله لأدعونّ عليك بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياءً وسمعة فأطل في عمره، وأطل فقره ، وعرضه للفتن. ثم قد رؤي الرجلُ وقد سقط حاجباه على عينه من الكِبَر، وإنه ليتعرض للجواري في الطريق فيغمزهن، وكان إذا سئل عن فعله قال: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد. فاتق دعوة المظلوم يا عبد الله فإنها أقرب الدعوات إجابة.  نعوذ بالله من الظلم وعاقبته.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله.

الخطبة الثانية:

أما بعد، إن الدعاء -أيها الإخوة- كغيره من العبادات له آداب وشروط، وموانعُ تمنع من حصول أثره، نتذاكر خمسا من أهمها:

أولًا: ليعلمَ المسلمُ أن الدعاء شرعه الله لحكم عظيمة؛ منها أن يعلم عبادُه أنهم مفتقرون إليه، محتاجون إلى رحمته وفضله سبحانه وتعالى، فإذا صادف الدعاء خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الرب، وافتقارًا إليه وتضرعًا ورقة، كان له عظيمُ الأثر والنفع بإذن الله.

ثانيًا: من آداب الدعاء التماسُ سنةِ النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء؛ فلقد كان صلى الله عليه وسلم يبدأ بالثناء على الله، والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. وكان يدعو بجوامع الدعاء.

ثالثًا: اغتنام الأوقات الأحرى بالإجابة؛ كالثلث الأخير من الليل؛ وبين الأذان والإقامة؛ وفي السجود؛ وغيرها.

رابعًا: من الأمور المؤثرة في الدعاء: طيبُ المطعم، قال صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس: إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث؛ أغبر، يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام؛ ومشربه حرام؛ وملبسه حرام؛ وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له» [صحيح مسلم: 1015].

خامسًا: الحرص في الدعاء على الدعاء بأمور الدين والآخرة أكثرَ من الحرص على الدعاء لأمور الدنيا . {فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ . وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 200:202]

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم اجعلنا ممن تعلقت قلوبهم بذكرك ودعائك والتوكل عليك.

  • 3
  • 1
  • 6,490
المقال السابق
[86] الخوف والرجاء
المقال التالي
[88] الدنيا عرض زائل

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً