نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ

منذ 2016-04-21

لم يكن اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم وتربية أصحابه مقتصراً على العقيدة، بل اتجه كذلك إلى العبادات لأهميتها، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، قال ابن كثير: "أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي، لا لاحتياجي إليهم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعا أو كرهاً، وهذا اختيار ابن جرير. وقال ابن جريج: إلا ليعرفون. وقال الربيع بن أنس: {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} أي: إلا للعبادة".

ومن المعلوم أن النبي صلى اللَّه عليه وسلّم أسوة لنا في أقواله وأفعاله، وكان صلوات الله وسلامه عليه يعلم أصحابه العبادة تارة بالقول، وتارة بالفعل، وتارة بهما معا، فقد قال صلى الله عليه وسلم في الحج: «خذوا عني مناسككم» (رواه مسلم)، وقال في الوضوء: «من توضأ نحو وضوئي هذا ..» (رواه مسلم)، وقال في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (رواه البخاري)، قال المباركفوري: "قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» أي في مراعاة الشروط والأركان والسنن والآداب".

وكان صلى الله عليه وسلم في تعليمه وتربيته لأصحابه أرفق الناس، وأبعدهم عن الفظاظة والغلظة، وهذا ما نوَّه به القرآن الكريم عند الإشارة إلى أخلاقه صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران من الآية:159]، قال ابن كثير في تفسيره: "يقول تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم، مُمْتناً عليه وعلى المؤمنين فيما ألَاَن به قلبه على أمته"، وقال الحسن البصري: "هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله به.. قال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} الفظ: الغليظ، والمراد به هاهنا غليظ الكلام، لقوله بعد ذلك: {غَلِيظَ الْقَلْبِ} أي: لو كنت سيئ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفاً لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: "إنه رأى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة: أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح" (رواه البخاري)".

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لم يبعثني معنِّتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً» (رواه مسلم)، وقال معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه: "بأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه".

والسيرة النبوية زاخرة بالمواقف التربوية المضيئة، التي ترشد إلى هديه صلى الله عليه وسلم وطريقته في تعليمه لمن جهل أو أخطأ، ومن هذه المواقف ما رواه البخاري ومسلم في الحديث المشهور ـ المسيء صلاته ـ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجلٌ - خلاد بن رافع - فصلَّى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال: «ارجِعْ فصَلِّ فإنك لم تُصَلّ»، فرجع فصلَّى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ارجِعْ فصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ»، ثلاثاً، فقال: "والذي بعثك بالحق فما أحسن غيره، فعلمني"، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر واقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (رواه البخاري)، قال ابن الجوزي: "وهذا يدل على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود والرفع منهما".

وفي هذا الموقف النبوي مع المسيء صلاته فوائد كثيرة، منها:

ـ ملاحظة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فهو يراقب أفعالهم ليعلمهم ويرشدههم.

ـ من قام عن قوم لحاجته، ثم عاد إليهم فإنه يسلم عليهم وإن لم يكن قد غاب عنهم، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّ خلاد بن رافع (المسيء في صلاته) على إلقائه السلام حين رجع فصارت سنة تقريرية، ومن المعلوم كذلك أن من السنة أن يسلم الأخ على أخيه وهو معه إذا حال بينهما حجر أو شجر أو جدار، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو حائط أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه» (رواه أبو داود).

ـ قال النووي: "هذا الحديث مشتمل على فوائد كثيرة وليُعْلم أولاً أنه محمول على بيان الواجبات دون السنن.. وفيه أن المفتي إذا سُئِل عن شيء وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل ولم يسأله عنه يُستحب له أن يذكره له، ويكون هذا من النصيحة لا من الكلام فيما لا يعني، وموضع الدلالة أنه قال: "علمني يا رسول الله"، أي علمني الصلاة، فعلمه الصلاة، واستقبال القبلة والوضوء وليسا من الصلاة لكنهما شرطان لها.. وفيه الرفق بالمتعلم والجاهل، وملاطفته وإيضاح المسألة، وتلخيص المقاصد، والاقتصار في حقه على المهم دون المكملات التي لا يحتمل حاله حفظها والقيام بها .. وفيه استحباب السلام عند اللقاء، ووجوب رده، وأنه يستحب تكراره إذا تكرر اللقاء، وإن قرب العهد وأنه يجب رده في كل مرة.. وفيه أن من أخل ببعض واجبات الصلاة لا تصح صلاته ولا يسمى مصليا".

ـ ومن الفوائد أيضاً كما قال ابن حجر: "وجوب الإعادة على من أخلَّ بشيء من واجبات الصلاة.. وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحسن التعليم بغير تعنيف، وإيضاح المسألة، وتخليص المقاصد، وطلب المتعلم من العالم أن يعلمه، وفيه تكرار السلام ورده وإن لم يخرج من الموضع إذا وقعت صورة انفصال .. وفيه جلوس الإمام في المسجد وجلوس أصحابه معه، وفيه التسليم للعالم والانقياد له والاعتراف بالتقصير والتصريح بحكم البشرية في جواز الخطأ".

ينبغي على الدعاة والمعلمين والمربيين قراءة وتدبر أحداث ومواقف السيرة النبوية، والاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأسلوبه في التربية والتعليم برفق وحكمة، كما حدث في موقفه مع المسيء صلاته وغيره من مواقف، قال الله تعالى: {لقد كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب: 21].

  • 0
  • 0
  • 1,133
i