وسائل تفعيل مبدأ المشاركة في المصارف الإسلامية (1/2)

منذ 2016-06-04

يناقش البحث موضوعًا هامًا من الموضوعات المتعلقة بالمصرفية الإسلامية وهو موضوع المشاركات ومدى تعامل المصارف بها، حيث لوحظ عزوف من المصارف الإسلامية عن التعامل بها لأسباب جاء ذكرها في البحث، وهذا ما يتعارض مع التأسيس النظري للعمل المصرفي الإسلامي الذي أكد على أهمية التعامل بالمشاركات القائمة على أساس استحقاق الربح في مقابل تحمل الخسارة.

ملخص البحث: يناقش البحث موضوعًا هامًا من الموضوعات المتعلقة بالمصرفية الإسلامية وهو موضوع المشاركات ومدى تعامل المصارف بها، حيث لوحظ عزوف من المصارف الإسلامية عن التعامل بها لأسباب جاء ذكرها في البحث، وهذا ما يتعارض مع التأسيس النظري للعمل المصرفي الإسلامي الذي أكد على أهمية التعامل بالمشاركات القائمة على أساس استحقاق الربح في مقابل تحمل الخسارة.

ولكن في الواقع العملي وجد أن نسبة هذه المشاركات في المصارف الإسلامية ضئيلة بالمقارنة ببقية المعاملات التي أخذت نسبة كبيرة في أنشطة المصارف كالمرابحات وغيرها.

ويطرح البحث بعد التوصل إلى هذه النتيجة حلولًا لتفعيل مبدأ المشاركات وكيفية تطويرها وتطبيقها عمليًا وزيادة نسبتها في أعمال المصارف الإسلامية، بحيث يمكن إرجاع المصارف الإسلامية إلى مسارها الصحيح والتأسيس النظري الذي قامت عليه من التركيز على المعاملات الإسلامية المنضبطة وعلى رأسها المشاركات.

Practical means to activate the principle of participation in Islamic banks

Dr. Basem Ahmed Aamer

Assistant Professor in Islamic Studies

University Of Bahrain

Abstract.The research discusses an important topic of the topics related to Islamic banking which is the topic of the participations and to what extent do the banks deal out with them, as it was noted that the reluctance of the Islamic banks from dealing with participations for reasons that were mentioned in the research, which is something that contrasts with the theoretical foundation of the work of Islamic banking that emphasized the importance of dealing with participations based on profit entitlement in return for bearing the loss.

However, in practice, it was found that the proportions of these participations in the Islamic banks are small compared to the rest of the transactions that took a large proportion of the banks activities such as Murabaha and others.

After reaching this finding, the research poses solutions to activate the principle of participations and how to develop it and apply in practice, and increase its percentage in the Islamic banking business, so as to return the Islamic banks to the right track and the theoretical foundation upon which it was established to focus on disciplined Islamic transactions, especially the participations.

المقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد،

فلا يمكن لأحد أن ينكر دور المصارف الإسلامية في هذا العصر في تقديم الخدمات المصرفية والتمويلات الاستثمارية لجمهور الناس الراغبين في التعامل بالمعاملات المباحة شرعًا، حيث إنه قبل ظهور المصارف الإسلامية لم تكن هناك مؤسسات مصرفية منضبطة بضوابط الشرع يستطيع من خلالها الناس في البلاد الإسلامية وغيرها أن يتعاملوا معها بعيدًا عن المحاذير الشرعية، بل كانت تتعامل بمعاملات شدَّد الإسلام في تحريمها، بل أعلن رب العالمين جل جلاله الحرب على أهلها، ألا وهي معاملات الربا.

لكن بعدما وُجدت المصارف الإٍسلامية وانتشرت في أغلب بقاع الأرض قام كثير من الباحثين والمفكرين بدراسة أوضاع هذه المصارف وما آل إليها حالها، وما مدى التوافق بين النظرية التي قامت عليها والتطبيق العملي.

من هذا المنطلق يأتي هذا البحث في صفحاته المعدودة ليلقي الضوء على جانب من الجوانب المهمة في المصارف الإسلامية، والتي كانت موضع اهتمام من قبل الباحثين والدارسين، ألا وهو جانب المشاركة في المصارف الإسلامية ووسائل تفعيلها.

مشكلة الدراسة:

تفترض هذه الدراسة وجود تراجع كبير في تطبيق المشاركات لدى المصارف الإسلامية، مما يشير ويدل على وجود تباين بين النظرية والتطبيق، حيث إن الأساس النظري للمصارف الإسلامية أكد على تفعيل مبدأ المشاركة، ولكن في الواقع العملي وجدنا خلاف ذلك، حيث إن نسب المشاركات في المصارف الإسلامية ضئيلة ولا تقارن بالمعاملات الأخرى كالمرابحات وغيرها.

خطة البحث:

اشتمل هذا البحث على مباحث خمسة، وهي كالآتي:

- المبحث الأول: أهمية مبدأ المشاركة في العمل المصرفي الإسلامي.

- المبحث الثاني: الواقع العملي لمبدأ المشاركة في المصارف الإسلامية.

- المبحث الثالث: الأسباب التي دفعت المصارف الإسلامية للابتعاد عن تطبيق المشاركة والمعوقات التي واجهتها.

- المبحث الرابع: وسائل علاج المعوقات التي واجهتها المصارف الإسلامية في تطبيق مبدأ المشاركة.

- المبحث الخامس: إحياء أسلوب المشاركة في المصارف الإسلامية من جديد.

 

المبحث الأول

أهمية مبدأ المشاركة في العمل المصرفي الإسلامي

عند الرجوع إلى كتابات الباحثين والمنظرين للعمل المصرفي الإسلامي سنجد أنهم يتفقون على أن البنوك الإسلامية قامت أساسًا على إلغاء الفائدة أخذًا وعطاءً، واستبدالها بالمعاملات والعقود الشرعية المنضبطة بأحكام الفقه الإسلامي، وعلى رأسهاأسلوب المشاركة في الربح والخسارة وتحمل المخاطرة.

يقول د. محمد روَّاس قلعه جي: "كان على الاقتصاديين المسلمين أن يوجدوا بديلًا مناسبًا يحل محل الربا في التعامل، بشرط أن يكون هذا البديل مما يقره الإسلام ولا يحرمه، وبعد تقليب وجوه النظر اهتدى الاقتصاديون المسلمون إلى عدة بدائل يقرها الإسلام، أهمها المشاركة في الربح والخسارة، وليس ثمة أدنى شك في جواز نظام المشاركة في الربح والخسارة طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك:

-  الشركة: بأن يتقدم شخص يملك مليونًا إلى البنك الإسلامي يطلب قرضًا مقداره مليونًا لإنشاء مصنع للمصابيح الكهربائية، فيقول له البنك الإسلامي بعد دراسة جدوى المشروع: البنك يعطيك مليونًا ويكون شريكًا بالثلث بالربح والخسارة، وكلما رددت للبنك قسطًا مما أخذته منه تقل نسبته من الشركة بمقدار القسط المدفوع، وحين تدفع له كل ماله في الشركة يخرج من الشركة وتصبح الشركة كلها لك، وهي صورة مشروعة لا غبار عليها، وهي الشركة المتناقصة المنتهية بالتمليك.

-  المضاربة: وهي أن يأتي شخص إلى البنك الإسلامي ويقول له: أريد مبلغ كذا لتنفيذ فكرة إنشاء مصنع للريدياتورات مثلًا، أو لاستصلاح الأرض التي أمتلكها وتشجيرها، أو لاستيراد المواد الأولية لصناعة الأحذية ونحو ذلك، فيقول له البنك بعد دراسة جدوى المشروع: إن البنك يعطيك ما تطلبه من المال، وتقوم أنت باستثماره على أن يكون الربح المتحصل -بإذن الله- بينك وبين البنك مناصفة، فإن كانت خسارة -لا سمح الله- تحمل البنك (وهو صاحب جميع رأس المال) جميع الخسارة، أما أنت فتضيع عليك أتعابك، وهي شركة المضاربة.

ومن صور المضاربة: ما يودعه الناس من أموال في البنك الإسلامي ليقوم البنك باستثمارها في الوجوه التي يراها مناسبة، حيث يكون للبنك حصة من الأرباح، وهي حصة غير ثابتة، بل هي نسبة مئوية منها وللمودعين الباقي، وإن كانت خسارة، فالخسارة على المودعين"[1].

ويقول د. محمد أبو زيد: "لقد اتفقت آراء المنظرين الأوائل لفكرة العمل المصرفي الإسلامي على أن نظام المضاربة هو الأساس الشرعي الملائم الذي يمكن الاعتماد عليه لإقامة المصارف الإسلامية، ولذلك فقد مثل نظام المضاربة وفق هذا الطرح الأسلوب الأساسي الذي يجب أن تعتمد عليه هذه المصارف، سواء في مجال تعبئة الموارد أو في مجال التوظيف واستثمار هذه الموارد"[2].

ويؤكد المستشار محسن خان فكرة أن نظام المشاركة هو الأساس في المصارف الإسلامية بقوله: "إن فكرة شرعية الأرباح وعدم شرعية الفائدة، هي حجر الأساس في إنشاء وتطبيق النظام المصرفي الإسلامي، وعلى أساس هذا النظام يتوقع للأرباح والخسائر أن تكون مشاركة بين البنوك وبين الوحدات الاقتصادية طبقًا لقواعد معينة محددة مسبقًا، فالمودع يعامل في النظام الإسلامي كما لو كان من حملة أسهم البنك، ويحق له نصيب في الأرباح التي يحققها البنك، غير أنه لا يعطي أي ضمانات باسترداد القيمة الاسمية لوديعته، أو بالحصول على عائد ذي معدل محدد مسبقًا على الوديعة، والنظام متجانس، بحيث أنه لو لحقت بالبنك خسائر، فإن من المنتظر أن يشارك المودع في هذه الخسائر، وبالتالي ستنخفض القيمة الاسمية لوديعته، وعلى الجانب الآخر من ميزانية البنك لا يسمح للبنك أن يقوم بتحميل سعر فائدة ثابت على القروض التي يقدمها، بل عليه أن يدخل في نوع من ترتيبات المشاركة في الربح والخسارة مع المتمولين (من يتلقون التمويل)، ولذلك يمكن بوجه عام اعتبار النظام المصرفي الإسلامي نظامًا مبنيًا على أساس حصص الملكية لا سعر الفائدة"[3].

 فالفكرة الأساسية في العمل المصرفي الإسلامي تقوم على مبدأ المشاركة في الغنم والغرم وبالتالي فإن رأسمال المصرف يصبح وفق هذا المبدأ رأس مال مخاطرًا، وتوزع نتائجه بعد نهاية العملية المصرفية، على نقيض ما يحدث في المصارف التقليدية، حيث يتم توزيع الأرباح -المحددة مسبقًا- قبل عملية الإنتاج[4].

 يتبين من خلال النقولات السابقة أن الأساس النظري للمصارف الإسلامية والذي عليه قامت واعتمدت هو نظام المشاركة،وإلغاء مبدأ الفائدة المحرم شرعًا، من هنا تظهر أهمية مبدأ المشاركة في المصارف الإسلامية، حيث لا يتصور قيام بنوك إسلامية من غير تفعيل المشاركة بين الوحدات الاقتصادية المختلفة.

 فبعد هذا التأصيل النظري يُطرح سؤال، وهو:

ما مدى تطبيق المصارف الإسلامية لمبدأ المشاركة؟ وما المعوقات التي واجهت هذه المصارف في تطبيقها للمشاركة ؟

هذا ما سيحاول البحث الإجابة عنه في الصفحات الآتية.

 

المبحث الثاني

الواقع العملي لمبدأ المشاركة في المصارف الإسلامية

 بالرغم من أهمية مبدأ المشاركة في بنية المصارف الإسلامية، وتأكيد المنظرين الأوائل لفكرة المصارف الإسلامية من أن الأساس الذي قامت عليه المصارف الإسلامية هو مبدأ المشاركة، إلا أنه من خلال الاطلاع على الدراسات المتتبعة وُجِد أن نسبة صيغ المشاركة قليلة جدًا مقارنة بصيغ أخرى كالمرابحة مثلًا.

المطلب الأول: الاعتماد على المرابحة على حساب المشاركة:

يؤكد واقع تطبيق المصارف الإسلامية أنها اعتمدت بشكل ملحوظ على عقود بيع المرابحة للآمر بالشراء، بحيث احتلت النسبة الكبرى في عمليات المصارف الإسلامية، مما أدى إلى غياب أسلوب المشاركة.

يقول د. محمد نجاة الله صديقي: "إن الممارسة الحالية للمشاركة غير ملموسة، وبرغم الدعوى أنها متزايدة إلا أن ظاهرة المرابحة هي التي تسيطر على المصارف الإسلامية، تليها الإجارة، كما تعاملت المصارف الإسلامية أيضًا في العقار والسبائك الذهبية والعملات، ومعظم الخسائر التي ألمت ببعض المصارف الإسلامية سابقًا كانت ناشئة عن المعاملات الأخيرة"[5].

لو أخذنا مثالًا على التطبيق العملي لبعض المصارف الإسلامية سنجد ما يلي:

-  كانت نسبة الاستثمارات بالمضاربات إلى إجمالي الاستثمارات في البنك الإسلامي الأردني عن الأعوام 82 إلى 1984م على التوالي، ما يلي: 5%، 7%، 2.6%، 3%.

-  في حين نجد نسبة المرابحات في نفس البنك في الفترة ذاتها، ما يلي: 70.8%، 76.5%، 78.7%، 72%.

-  مثال آخر: بلغت نسبة المشاركات في بيت التمويل الكويتي ما يلي: 0.2%، 1%، 0.9%، عن الأعوام من 84 إلى 1986م.

-  مثال آخر: في مصرف قطر الإسلامي بلغت نسـبة المرابحات ما يلي : 97.3%، 98.3%، 92.7%، 95.4%، عن الأعوام 84 إلى 1986م[6].

فيظهر بشكل واضح وبيِّن أن البنوك الإسلاميةتعتمد على صيغة المرابحة للآمر بالشراء بصورة تكاد تغطي عمليات التوظيف والاستثمار في تلك البنوك، حتى باتت تعيش في سجن من المرابحة، ورغم تعمد غالبية المصارف الإسلامية عدم الإفصاح والشفافية عمدًا عن مكونات ونسب صيغ التوظيف والاستثمار بها واعتمادها على دمج هذه الصيغ دفعة واحدة تحت مسمى مضاربات ومشاركات ومرابحات؛ وذلك للحيلولة دون الكشف عن النسبة الحقيقية للمرابحات في إجمالي استثماراتها، وكأن هذا الأمر عورة تتبارى عن بيانها.

ورغم صعوبة الحصول على البيانات فقد تمكن الباحث (د. أشرف محمود) من خلال دراسة مكتبية وميدانية قام بها حديثًا للعديد من المصارف الإسلامية بمصر والأردن ودول الخليج إلى حقيقة علمية وعملية مؤداها أن المرابحة تستحوذ على نسبة تتراوح ما بين 60 - 90% من استثمارات تلك المصارف، وهذا الأمر لو تم تطبيقه بصورة شرعية سليمة لتم قبوله من تلك المصارف، ولكن واقع الحال يكشف عن مرابحة لا تحمل من الأمر إلا اسمه حتى أصبحت أقرب للتمويل الربوي منه إلى التمويل الإسلامي.

ويرجع ذلك في الأساس إلى طبيعة الأسلوب الذي تتبعه المصارف الإسلامية لتطبيق هذه الصيغة والذي جعل الغرض الأساسي من عمليات المرابحة هو غرض تمويلي بحت، وليس عملية استثمارية بالمعنى الذي يفضي إلى تملك الأصول وتحمل المخاطر من أجل الحصول على الربح، فالصورة المطبقة للمرابحة هي الصورة التي يسبق فيها الطلب العرض، أما الصورة العامة التي يسبق فيها العرض الطلب، فليست متداولة أو معروفة في معظم المصارف الإسلامية.

فالواقع التطبيقي للمرابحة يكشف عن كثير من التجاوزات في ترتيب هذا العقد، فالبنك لا يقوم بالشراء بنفسه، وإنما يكتفي بأن يقدم له العميل فاتورة بالسلع المراد شراؤها، ويقوم البنك بتسديد قيمة الفاتورة مقابل الربح المتفق عليه، وقد يقوم البنك بإرسال مندوب يقتصر دوره على تسليم السلعة للعميل ودفع القيمة للبائع، أو يوكل البنك العميل في ذلك، وقد تكون السلعة موضوع المرابحة مشتراة من قبل باسم العميل، فالبنك بذلك لا يتحمل أي مخاطر ويبيع سلعة ليست في حوزته أو ملكه، إضافة إلى أنه غالبًا ما يكون ارتباط العميل بالمصرف من البداية ارتباطًا ملزمًا لا يملك منه فكاكًا، فهو إلى العقد أقرب منه إلى الوعد.

وهكذا تحولت المرابحة من صيغة شرعية إلى صيغة شبيهة بما عليه التمويل في البنوك التقليدية، وأصبحت شكلًا لا مضمونًا، ويرجع ذلك بصفة رئيسة إلى اتفاق هذا الأسلوب مع نمط المعاملات القائمة في البنوك التقليدية والتي تتمثل في الاقتراض والإقراض، وبخاصة أن غالبية المصرفيين العاملين في حقل المصارف الإسلامية جاؤوا إليها من بنوك تقليدية تتعامل بالفائدة، فآثروا المرابحة على غيرها من صيغ الاستثمار.

وهكذا يكشف واقع المصارف الإسلامية عن التناقض التام بينه وبين ما توصلت إليه حركة التنظير الأولى لفكرة المصارف الإسلامية والتي رأت أن أسلوب المشاركة يمثل الصيغة الأساسية الأكثر ملاءمة والتي يجب أن تعتمد عليها المصارف الإسلامية لتوظيف مواردها المالية، ولم يكن في حسبانها أن تكون المرابحة الصيغة الأساسية الأولى بهذه المصارف.

كما يتناقض هذا الوضع أيضًا مع ما أعلنت عنه المصارف الإسلامية في المرحلة الأولى لبداية نشاطها من أن الهيكل الحالي لأساليب الاستثمار والذي يعتمد على أسلوب المرابحة بصفة رئيسة هو وضع مؤقت؛ لأنه مرتبط بظروف خاصة ببداية نشاط هذه المصارف، وسوف يتم تعديله تدريجيًّا في المراحل اللاحقة تجاه تزايد الاعتماد على أسلوب المشاركة في توظيف مواردها[7].

المطلب الثاني: أسباب الاعتماد على عقد المرابحة:

 لا شك أن المصارف الإسلامية يهمها كما يهم أي مؤسسة ربحية أخرى أن تحقق أقصى ما تستطيع من الربح، وأن تجنب نفسها أي خسائر متوقعة وتأخذ الحيطة لذلك.

لذلك عند البحث عن أسباب اعتماد المصارف الإسلامية على المرابحة سنجد أن هذا العقد يحقق لها الأمان الاقتصادي، بمعنى أن بيع المرابحة للآمر بالشراء بصورته وصيغته الموجودة عند أغلب المصارف الإسلامية يحقق لها أرباحًا مضمونة من غير أي خسارة تقابلها، أو أنها لا تتوقع أي خسارة بسبب الضمانات التي تأخذها من العملاء، فضلًا عن أن هذا العقد من أسهل العقود إجراءً، ومن أكثرها إقبالًا من قِبَل جمهور المتعاملين.

وقد اتضح أن تفضيل غالبية المصارف الإسلامية لأسلوب المرابحة، واتجاهها للاعتماد عليه بصورة أساسية لتوظيف مواردها، يرجع بصفة رئيسة إلى اتفاق هذا الأسلوب مع نمط المعاملات القائمة في البنوك التقليدية التي تتمثل في الاقتراض والإقراض، خاصة أن غالبية المصرفيين العاملين في حقل المصارف الإسلامية جاؤوا إليها من بنوك تقليدية تتعامل بالفائدة، فآثروا المرابحة على غيرها من صيغ الاستثمار[8].

فيمكن إجمال الأسباب التي دعت المصارف الإسلامية للاعتماد على صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء وتقديمها على غيرها من العقود فيما يلي:

أ- ارتفاع عامل الضمان فيها.

ب- أن عقد المرابحة أقرب من غيره في التمويل قصير الأجل من حيث تحقيق الربح السريع والمضمون.

ج- أن صيغة المرابحة تعتبر من وسائل الائتمان التي تعد سهلة التطبيق.

د- وجود عـوائق إدارية وقانونية واقتصـادية في التعـامل مع الوسائل الأخرى خاصة المضاربة[9].

 

المبحث الثالث

الأسباب التي دفعت المصارف الإسلامية للابتعاد عن تطبيق المشاركة والمعوقات التي واجهتها

 سبق بيان وإثبات أن المصارف الإسلامية لم تكن جادة في تطبيقها لمبدأ المشاركة، حيث كانت نسب تطبيقها ضئيلة مقارنة بغيرها، وأنها اعتمدت على صيغ أخرى أكثر ضمانًا وأسهل تطبيقًا كالمرابحة وغيرها، مما يدلنا على وجود خلل ظاهر وبيِّن، وذلك من خلال الرجوع إلى النظرية التي قامت عليها في بادئ الأمر، حيث نجد تناقضًا بين النظرية والتطبيق.

ولا شك أن هناك أسبابًا ومعوقات حقيقية واجهت المصارف الإسلامية عند تطبيقها للمشاركة، ودعتها للاعتماد على صيغ أخرى كالمرابحة وغيرها مما تتوافر فيها الضمانات اللازمة.

أما السبب فلأن المصارف الإسلامية بالرغم من أنها بدأت من منطلق مغاير تمامًا لذلك الذي سارت عليه المصارف الربوية، إلا أنها صارت تنهج منهجًا مشابهًا من حيث ضمان أموال الودائع، فهي مع الوقت صارت ترى أنها نفسها منافس للمصارف التقليدية التي تضمن للمودعين أموالهم، وتحقق لهم قدرًا عاليًا من السيولة، وبالرغم من أن كثيرًا من المصارف الإسلامية تعلن أنها تضارب بأموال المودعين، لكن العقلية المصرفية تظل مهيمنة على إدارات هذه المصارف، غالبًا بسبب الخبرة السابقة وأحيانًا بسبب ما يتوقعه المودعون أنفسهم منها، أو بسبب جو المنافسة للمصارف الربوية، أو لهذه الأسباب جميعًا[10].

وأما المعوقات التي واجهت المصارف الإسلامية عند تطبيقها للمشاركة، فمنها ما يرجع إلى المخاطر المرتفعة لعقود المشاركة، ومنها ما يرجع إلى طبيعة الموارد المالية، ومنها ما يرجع إلى المتعاملين، ومنها ما يرجع إلى الموارد البشرية، وتفصيل هذه المعوقات كما يلي:

أولًا: المخاطر المرتفعة للمشاركة:

تزيد المخاطر المتوقعة في صيغ المشاركة والمضاربة بسبب حقيقة عدم وجود مطلب الضمان، مع وجود احتمالات الخطر الأخلاقي والانتقاء الخاطئ للزبائن، وبسبب ضعف كفاءة هذه المصارف في مجال تقييم المشروعات[11].

ثانيًا: طبيعة الموارد المالية:

اتضح من خلال الدراسات أن طبيعة الموارد المالية للمصارف الإسلامية لم تكن بالصورة الملائمة لطبيعة نشاطها، فأدى عدم توافر الموارد طويلة الأجل اللازمة لتمويل الاستثمارات طويلة الأجل إلى تركيز الغالبية العظمى من استثمارات هذه المصارف في استثمارات قصيرة الأجل، وهو ما حد من حريتها في اختيار الاستثمارات المناسبة والملائمة لطبيعتها في مجالات الاستثمارات متوسطة وطويلة الأجل، والتي تعتبر أكثر ملائمة لطبيعتها وأكثر قدرة على تحقيق أهدافها[12].

ثالثًا: المتعاملون (المستثمرون – المودعون):

إن نجاح عملية المشاركة تتوقف إلى حد كبير على مدى توافر العملاء المستثمرين بالخصائص والصفات المطلوبة من الناحية الأخلاقية والسلوك الإسلامي، أو من ناحية الكفاءة العملية والفنية، وقد شهدت التجارب العملية للعديد من المصارف الإسلامية أمثلة ونماذج كثيرة من عدم الالتزام وعدم الأمانة والتعدي على حقوق المصرف وابتكار أحدث الأساليب للتحايل والدوران على شروط العقد، وذلك من عدد غير قليل من العملاء[13].

وأما فيما يتعلق بالمودعين فإن رغبتهم في السحب من ودائعهم بسهولة وبسرعة قد ترتب عليه أن أصبحت السمة الأساسية لغالبية موارد هذه المصارف ذات طبيعة قصيرة الأجل وهو ما أدى إلى العديد من الآثار السلبية على النشاط الاستثماري، وأيضًا عدم توافر الاستعداد الكافي لدى المودعين للمخاطرة وذلك بسبب سيطرة العقلية الربوية على سلوك غالبية المودعين وتأثرهم بما هو عليه الحال في المصارف التقليدية من ضمان للوديعة والعائد[14].

رابعًا: الموارد البشرية:

نظرًا لعدم وجود موارد بشرية مؤهلة ومدربة في مجال الصيرفة الإسلامية لدى المصارف الإسلامية، وَجَدتْ هذه المصارف نفسها مضطرة للاستعانة بالعاملين المدربين في المصارف الربوية، من أجل تكوين جهازها الإداري والتنفيذي، وقد أدت الاستعانة بهؤلاء العاملين إلى نقل الأسس والقيم المصرفية التقليدية، خاصة ما يتعلق منها بمفهوم التمويل بمختلف أنواعه، على مفهوم الاستثمار[15].

فأصبحت المصارف الإسلامية أمام واقع من طاقم عمل تنفيذي وإداري يحاكي المصرفية التقليدية من حيث ضرورة ضمان الأموال وعدم تعريضها للمخاطرة، وعدم استيعاب حقيقة المصرفية الإسلامية وجوهرها القائم على احتمالية التعرض للخسائر في مقابل استحقاق الأرباح.

 

________________

[1]- انظر: د. محمد روّاس قلعه جي، مباحث في الاقتصاد الإسلامي، ص [138]، دار النفائس، بيروت، ط الخامسة، 1425هـ-2004م.

[2]- انظر: د. محمد عبد المنعم أبو زيد، نحو تطوير نظام المضاربة في المصارف الإسلامية، ص [52]، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، 1420هـ - 200م.

[3]- انظر: محسن خان، النظام المصرفي الإسلامي الخالي من الفائدة: تحليل نظري، ص [26]، مجلة جامعة الملك عبد العزيز: الاقتصاد الإسلامي، مجلد 9، 1417هـ-1997م.

[4]- انظر: د. أسامة سعيد، المصارف الإسلامية تجربة ناجحة تواجه تحديات كبيرة تهدد مستقبلها، الموقع الالكتروني: http://banquecentrale.gov.sy/Archive/archive-ar/archive2006

[5]- انظر: د. محمد نجاة الله صديقي، المصارف الإسلامية: المبدأ والتصور والمستقبل، ص [54]، مجلة جامعة الملك عبد العزيز: الاقتصاد الإسلامي، 1418هـ-1998م.

[6]-انظر: د. محمد عبد المنعم أبو زيد، الدور الاقتصادي للمصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق، ص [66]، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1417هـ - 1996م.

[7]- انظر: د. أشرف محمود، (نيولوك) للقروض بالبنوك الإسلامية، الموقع الإلكتروني إسلام أون لاين: http://islamonline.net/abic/economics/exchange_banks/topic_02/2006/10/01.shtml

[8]- انظر: د. أشرف محمود، حلول أزمة الاستثمار بالبنوك الإسلامية، الموقع الإلكتروني إسلام أون لاين: http://islamonline.net/Arabic/economics/2006/02/article10.shtml

[9]- انظر: بدور راضي وآخرون، خطة الاستثمار في البنوك الإسلامية، ص [159].

[10]- انظر: د. سامي إبراهيم السويلم، الوساطة المالية في الاقتصاد الإسلامي، مجلة جامعة الملك عبد العزيز: الاقتصاد الإسلامي، المجلد 10، ص [98].

[11]-انظر: طارق الله خان، حبيب أحمد، إدارة المخاطر، ص [69]، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة، 1423هـ-2003م.

[12]- انظر: د. محمد عبد المنعم أبو زيد، الدور الاقتصادي للمصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق ص [90].

[13]- بتصرف، انظر: فادي الرفاعي، المصارف الإسلامية، ص [129]، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، الطبعة الأولى، 2004م.

[14]- المرجع السابق ص [130].

[15]- انظر: د. عبد الرزاق الهيتي، المصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق، ص [663]، دار أسامة، الأردن، الطبعة الأولى، 1998م.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

باسم عامر

أستاذ الاقتصاد المساعد بجامعة البحرين

  • 6
  • 0
  • 6,581

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً