ليذوقوا الرحيق

منذ 2016-07-01

وما رمضان إلا التقوى التى تثمر أطيب الثمار وأطيب الرحيق؛ فإذا كان المؤمن المواظب على قراءة القرآن والعمل به هو نفسه شبيها الأترجة؛ طيبة الطعم والرائحة، فكيف لا يكون له نصيب فى شهر القرآن من طيب الطعم والرائحة

الحبيب الغالى الذى يصعب علينا فراقه، لكنها حكمة الله هي التعاقب والتتابع كما خلق الليل والنهار والفصول الأربعة؛ للتنويع ولكسر الرتابة، فلا يشعر الإنسان بالملل، ويأتى هذا الضيف العزيز ليغير كل ملامح الحياة وتتعلق القلوب به، ثم يرحل فتتغير وتيرة الحياة مرة أخرى، حاملًا من المولى وعودًا جديدة؛ لكن هل هذا كل شئ؟ قطعا لا، فرمضان يأتى حاملًا معه عصا سحرية لا ينتفع بها إلا من جرب استخدامها وأجاد استعمالها. فرمضان هو مغارة الكنوز الثمينة التى يحار العبد بأيها يبدأ، ليحمله زادًا للأيام المقبلة في الدنيا قبل الآخرة، فالخير فيه كثير؛ لكن الحاذق من وصل إلى مرحلة التذوق، فللعبادة بأنواعها المختلفة ومعناها الشامل لها لذة خاصة لا يعرفها إلا من ذاق الخلوة مع الله بالصلاة أو الذكر وشعر بالأمان فى كنفه وعرف الاطمئنان بإرضائه وذاق طعم الصحبة الرابحة الممتعة مع الصالحين التى يزداد بها ميزانه فى الآخرة وتنعم النفس بها فى الدنيا،

من ذاق لذة السخاء لمن حوله من الأرحام والرفاق، من ذاق لذة العطاء لأهل الحاجة والعوز وإدخال السعادة على الآخرين بالجود بالمال والوقت والجهد والكلمة الطيبة، من ذاق لذة الانفراد مع النفس وحيدة لأنها ليست فى الحقيقة وحيدة وإنما بصحبة خالقها التى إن اتقته فى الخلوة رفعها بين الناس، وإن اتقته مع الناس آنس وحشتها فى الخلوة.

وما هو رمضان إلا التقوى التى تثمر أطيب الثمار وأطيب الرحيق؛ فإذا كان المؤمن المواظب على قراءة القرآن والعمل به هو نفسه شبيها الأترجة؛ طيبة الطعم والرائحة، فكيف لا يكون له نصيب فى شهر القرآن من طيب الطعم والرائحة؛ كما وصفه النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر»(متفق عليه).

 فهو يعيش مع الله كل لحظة يسبح فى غزير نعمائه التى على رأسها حب الله والشعور برعايته ورأفته ولطف قدره وواسع كرمه الذى يرضى إذا سُئل ويغضب إذا لم يُسأل، فهو شعور عميق بالإحاطة برحمة الله فى الدنيا وتلمس مزيد من العطاءات فى الآخرة التي ذروتها النظر إلى وجهه الكريم، فإذا جرب فى رمضان أن يذوق الرحيق فحتمًا سيُدْمِنُ عليه بعد رمضان، وما أطيبه من إدمان، ومن ذلك العبارة المشهورة لأحد علماء السلف (نحن في سعادة لو علمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بسيوفهم)، ألم يقل أحدهم كذلك من ذاق عرف ومن عرف اغترف. 

سهام علي

كاتبة مصرية، تخرجت في كلية الإعلام، وعضوة في هيئة تحرير موقع طريق الإسلام.

  • 1
  • 0
  • 1,351

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً