الإجازة وقلق المربين

منذ 2016-07-28

ومما يقوّي ويشجع الأبناءَ على استثمار أكبر قدْر ممكن من الوقت: رؤيتهم لوالديهم وهم يطبّقون ما يقولون، فيَضَعون لهم أهدافًا، ثم يطبّقون، ثم يَنجحون -بفضل الله-، فسيكون هذا مشجعاً ومُلهِما للأبناء؛ ليقتدوا بآبائهم.

الحمد لله {الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا . وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان:61-62]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنعم كثيراً، وغفر كثيراً، وستر كثيرًا، ووعد الشاكرين مزيداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي جعل حياته كلها وقفاً لله، فكان وقته بالخير معموراً، وبالدعوة والإصلاح مشغولاً، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً، إلى يوم الدين، أما بعد:

فما إن تُقبِل الإجازةُ الصيفية؛ إلا وتجد الغيورين والمهتمين بأمر أبنائهم وبناتهم في همّ وقلق من آثار مثل هذا الفراغ الذي سيبدأ فور انتهائهم من اختبارات نهاية العام! إنه قلق من ذهاب نحو من 170.000 دقيقة هي وقت الإجازة الصيفية تقريباً هذا العام، كأطول إجازة يمر بها الطلاب.

ووجود القلق له جانبٌ إيجابي إنْ حمَلَ على أن يبحث ركنا الأسرة -من أمٍ وأبٍ- عما يُعيْن على استثمار هذا الفراغ في النافع المفيد، وإلا ربما أصبح أثرُه السلبي خطيراً وكبيراً، أما إن كان القلقُ لمجرد القلق فقط من غير عمل -مع القدرة على ذلك- فهذا قلقُ العاجزين، وهو قلقٌ سلبي لا يقدّم ولا يؤخّر!

إخوة الإسلام:

إن كثيراً من الناس -وللأسف الشديد- لا زال يتعامل مع الوقت على أنه شيء ثانوي، ولا يتحرج من إهداره، والعبث به! فضلاً عن أن تتحرك فيه الغيرة عليه، ومن الناس من يتعامل مع  أوقات الإجازة بمنطلق الهروب..الهروب من المسؤولية، الهروب من العمل وأداء الواجبات، الهروب من العطاء والإنجاز، وأصبحت الإجازة عندهم محضناً للكسل، وتربيةً على الغفلة والدَّعَة واللامبالاة.

إن إهدارَ الوقت فرعٌ عن التخلف الفكري والتربوي الذي يضرب بجذوره في واقع الأمة.

وإهمالنا للعمل والبناء في أيام الإجازة؛ يجعلنا نتربى على أن الحياة بلا معنى أو قيمة، وبلا طموح أو هدف.

صحيحٌ أن الترفيه من الحاجات النفسية المهمة، والإنسان بحاجة إلى الراحة، والأسرةُ بحاجة إلى الاستجمام، لكن الترفيه لا يكون بالمحرمات، والراحة ـأيضاًـ لا تعني الكسل، وغياب الهدف، كما أن الاستجمام لا يعني العبث، وضياع الدِّين، أو ضعف الفاعلية والعطاء.

وما أجمل قول الإمام ابن القيم رحمه الله: "وعمارة الوقت: الاشتغال في جميع آنائه بما يقرّب إلى الله، أو يُعيْن على ذلك -من مأكل أو مشرب أو منكح أو منام أو راحة- فإنه متى أخذها بنيّة القوة على ما يحبّه الله، وتجنب ما يسخطه؛ كانت من عمارة الوقت، وإن كان له فيها أتمّ لذة، فلا تحسب عمارة الوقت بهجر اللذات والطيبات" (مدارج السالكين [2/16]).

إخوة الإسلام: إن العناية بالوقت -كما أنه ديانة وتعبّد- فهو ثقافة وتربية، والإحساس بقيمة الوقت هو بداية التصحيح، وبعث الهمم، والحديث في هذا الموضوع طويل جداً ومتشعب، وحسبنا في هذا المقام أن نذكّر[1] بأمرين مهمين جداً يعينان على الاستفادة من هذه الإجازة:

أولاً: من أهم ما تُربى عليه الأسرةُ في جميع أوقات السَّنَة ـفضلاً عن فترة الإجازةـ أن الحياة بلا هدف؛ حياة لا قيمة لها.

ومن تأمل في واقع كثيرٍ من الناس؛ فسيجد أنهم يعيشون ـفي هذه الحياةـ بلا هدف يُذكر أو طموح، فغاية الأكثرين: أن يوفّر لقمةَ عيشٍ له ولأولاده فقط!

إن تحديدَ الهدف في الحياة يختصر لك الجهدَ والزمان؛ بحيث تتوجه نحو هدفك مباشرة، تتعرف على طريقك، سأل رجلٌ يوماً صديقَه وهو يقف على مفترق الطرق: أين أذهب؟ وأي طريق أختار؟ فقال: وأين هي وجهتك؟ فقال: لا أدري! فقال له: فاذهب في أي طريق! وهكذا هي حياتك، إن لم يكن لك هدف، فاذهب حيثما تشاء، ولا يهمّ ما هو الطريق الذي ستختاره، كما أن تحديد الهدف يُشعِرك بالإنجاز، فعندما يكون هناك هدفٌ تسعى لتحقيقه، وطموح تسعى للوصول إليه؛ تشعر بالإنجاز، وتشعر أنك حققتَ شيئاً يُذكر[2].

ومن هذا المنطلق ـأيها الإخوةـ فلتكن الإجازة فرصةً لتربية الأسرة على هذا المعنى العظيم!

ما المانع أن يحدّد ربُّ الأسرة -بالمشاورة مع بقية أفراد الأسرة- هدفاً يريدون تحقيقَه في هذه الإجازة!

وليكن هذا الهدف بحسب المرحلة العمرية، والقدرات.

إن حفظ بعضِ أجزاء من القرآن، أو ضبط ما سبق حفظُه هدف!

وإتقانَ التعامل مع الحاسب الآلي هدف!

وإنهاءَ مجموعةٍ من الكتب المفيدة في هذه الإجازة هدف!

والالتحاقَ بدورةٍ قرآنية مكثفة، أو تدريبية هدف!

وتقويةَ الصلة ببعض الأقارب هدف!

وتعويدَ الأبناء على تحملّ بعض مسؤوليات المنزل الملائمة لسنّهم وقدراتهم هدف!

وهكذا.. يمكن وضع مجموعةٍ من الأهداف المناسبة للوقت والقدرات، وحينما تنتهي الإجازةُ فسيجد كلُّ فردٍ من أفراد الأسرةِ أنه قد حقَّق هدفاً أو أكثر، وسيَشعر بتطورٍ ذاتي، وانتقالٍ من مرحلة إلى أخرى، وما بناء الذات إلا هكذا.

أيها المسلمون: ولكي ننجح في تحقيق أهدافنا، ألا وهو أنه:

ثانياً: يجب أن يكون البيتُ مهيئاً من الناحية النفسية والعاطفية بين الأبوين، وبين بقية أفراد الأسرة، فإن الإبداع لا ينبت في بيئةٍ مليئةٍ بالصراخ الذي لا يَنتهي بين الأبوين.. والتميزُ لا يَظهر في بيتٍ لا يقوم أفرادُه على احترامِ بعضِهم البعض.

البيت الذي يَكثر فيه الشجارُ والصراخُ بين ركني الأسرة أو من طرفِ أحدهما؛ بيتٌ طارد، وكيف تتصور شخصاً في مقتبل شبابه يحطِّم فيه والدُه أجنحةَ الإبداع التي بدأ الابنُ يطير بها بكلماتِ تجريحٍ وإهانة؟!

فلنكن واقعيين أيها الآباء والمربون: ما الذي يرغّب الابنَ في الجلوس في بيتٍ هذه بعضُ أحواله؟!

وما الذي يجذب الابنَ إلى بيتٍ جمع بين جفافِ العواطف، وحرارةِ الصيف؟

إن استشعار الأب والأم لعظيم مسؤوليته عن أسرته من أول خطوات التصحيح، وجلوس الوالدين مع بعضهما، أو الأب مع نفسه جلسةً يكتبُ فيها كلَّ ما يرى أنه مقصرٌ فيه مع نفسه وأولاده! هو طريق مهم للعلاج، والمقام لا يحتمل البسط، لكن من وضع قدَمه على أول الطريق، وصدق مع الله؛ صدقه الله، وبلغ مراده.

وكم هو جميلٌ أن تُفيد من المستشارين التربويين، أو المواقع المفيدة على الشبكة العالمية في هذه القضايا، و «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» "(سنن الترمذي ح [2450] وحسنه).

ومما يقوّي ويشجع الأبناءَ على استثمار أكبر قدْر ممكن من الوقت: رؤيتهم لوالديهم وهم يطبّقون ما يقولون، فيَضَعون لهم أهدافًا، ثم يطبّقون، ثم يَنجحون -بفضل الله-، فسيكون هذا مشجعاً ومُلهِما للأبناء؛ ليقتدوا بآبائهم.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة.. أقول قولي هذا، وأستغفر الله.

الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام...، أما بعد:

فقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» (صحيح البخاري ح [6412]) فتأمل في دلالة كلمة (مغبون)!

إن مشكلةَ الفراغ في هذه السنوات الأخيرة زادت شدةً، مع انتشار هذه الأجهزة الكفيّة بين الناس، وجلْبِ كثيرٍ من الناس أجهزةَ الألعاب إلى البيوت، فضلا عن امتلاءِ كثيرٍ من البيوت بالقنوات الفضائية، وهذا ما يجعل رقعةَ المشكلة تتّسع أكثر، ولكن علينا أن نفكّر بجدٍ -لا تردّد فيه- في حل هذه المشكلة وتخفيفها، وأن نتدارس المسألةَ مع من نثق بهم من المربين والمصلحين -إن كان أحدُنا لا يجد من نفسه قدرةً على تشخيص المشكلة وإيجاد الحل.

وما لم نقتنع بإمكانيةِ التغيير فهذا أول الفشل، فإن التغيير يبدأ من الذات، فهو يبدأ من النفس، لا من الخارج.

وما رأيتُ ـ بعد الاعتماد على الله ـ مثل تحديدِ هدفٍ أو أكثر، يلتزم فيه الابنُ والبنتُ بتحقيقه في هذه الإجازة، ويمكن وضع مكافئةٍ مناسبة له، ويُستعان بوضعِ جدول، ومنافسةٍ بين أفراد البيت الواحد.

وليتذكر الإنسانُ حقيقةً خطيرة، وهو يعيش نعمةَ العمر والصحة والفراغ، وهي: أنه سُيئسل يوم القيامة سؤالين، كلاهما يتعلق بوقته: «عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه» (سنن الترمذي ح [2416]).

ومن عرف هذه الحقيقة فخليقٌ به أن يَتدارك عمرَه، وقد قال الإمام أحمد: ما شبّهت الشبابَ إلا بشيء كان في كُمّي فسقط!

شيئان ينقشعان أول وهلة *** ظل الشباب، وخلة الأشرار

وبعد هذا كله.. فمهما اجتهد الإنسانُ وتعِب، ورتّب ونظّم، فهو مضطر إلى أن يتعلق بربه، يدعوه ويسأله، وينطرح بين يديه في سؤال صلاح الذرية، كما كان الأنبياء والصالحون: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف:15]، وليردد بصدق: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74]، وإن رجلاً يُلِح على الله بمثل هذه الدعوات -وخصوصًا في مثل هذا اليوم العظيم-، مع فعل ما يستطيعه من أسباب؛ لا يخذله الله إن شاء الله! وربنا الرحمن المستعان، اللهم اجعلنا أعمارَنا شهادة لنا لا علينا، اللهم أعذنا من حال الغافلين.

 

ألقيت في 20/8/1432هــ.

--------------
[1] ما سبق منقول بتصرف يسير من افتتاحية مجلة البيان. العدد [238] ص: [4].

[2] ما يتعلق بفوائد تحديد الأهداف، نقلتها من أحد المواقع في الإنترنت.

عمر بن عبد الله المقبل

الأستاذ المشارك في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة القصيم.

  • 0
  • 0
  • 2,085

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً