خطب مختارة - [117] العشر الأواخر وزكاة الأبدان

منذ 2016-08-09

شهر رمضان من مواسم الخير والبركة علينا، وأعظم هذا الموسم هذه العشر الأواخر؛ نستجلب فيها رحمة ربنا الرحيم، ونتخفف فيها من أحمال الذنوب، نطلب العفو والمغفرة من العفو الغفور، في هذه العشر الليلة المباكة ليلة القدر؛ العبادة فيها خير من العبادة في بضعٍ وثمانين سنة.

الخطبة الأولى

أيها المؤمنون، شهر رمضان من مواسم الخير والبركة علينا، وأعظم هذا الموسم هذه العشر الأواخر؛ نستجلب فيها رحمة ربنا الرحيم، ونتخفف فيها من أحمال  الذنوب، نطلب العفو والمغفرة من العفو الغفور، في هذه العشر الليلة المباكة ليلة القدر؛ العبادة فيها خير من العبادة في بضعٍ وثمانين سنة. كما أخبر الله تعالى بذلك في كتابه: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 1:3].

مما يدل على عظمة هذه العشر نزول القرآن فيها؛ قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، وقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ} [الدخان:3]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وصف الله هذه الليلة بأنها مباركة كما قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ} [الدخان:3]، هذه الليلة المباركة تنـزل فيها الملائكة والروح؛ وهو جبريل عليه السلام، كما قال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} ، فتنـزل الملائكة في هذه الليلة بكثرة، وتنـزل الرحمة والبركة.

وصفها سبحانه بأنها {سَلَامٌ هِيَ}، أي تكثر فيها السلامة من العذاب لما يقوم به العباد من الطاعات والقُرَب إلى الله تعالى.

وأخبر سبحانه أن: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:4]. أي يُفصل من اللوح المحفوظ إلى الملائكةِ الكتبةِ أمرُ السَّنَة؛ وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وهذا الذي يُفرق كلُّ أمرٍ محكمٍ لا يبدل ولا يُغير، وكلُّ ذلك مما سبق علمُ الله به وكتابته له، وإنما يُظهر للملائكة ما سيكون فيها ويأمرهم بفعل ما أوجب عليهم فيها.

عباد الله، في هذه ليالي هذه العشر المباركات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها؛ كما روت ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وعنها رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر أحيا الليل وأيقظ أهله، وجدَّ وشدَّ المئزر» [صحيح مسلم: 1174]، كل ذلك – عباد الله - تحريًا لليلة القدر ليحضى فيها بعظيم الأجر، قال صلى الله عليه وسلم:  التمسوها في العشر الأواخر من رمضان)) [رواه البخاري ومسلم].

والأظهر – من خلال الأحاديث والعلم عند الله – أنها تتنقل بين هذه العشر عاما بعد عام، فليست ثابتة، وإن كانت تتأكد في ليالي الأوتار، وتتأكد في آخرها أكثر، فعلى المسلم أن يجتهد في العشر كلها مخلصًا لله؛ وبذلك يحضى بأجر هذه الليلة المباركة.

ولقد بلغ من اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بهذه العشر أنه كان يلازم المسجد للعبادة معتكفا؛ قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ثم اعتكف أزواجه من بعده» [صحيح البخاري: 2026].

عباد الله، إن من أفضل الطاعات في هذه العشر إحياء لياليها بالصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: « من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» [صحيح البخاري: 1901].

وهي فرصة عظيمة أن نتمتع بمناجاة ربنا في الثلث الأخير من الليل الذي قال فيه رسولنا صلى الله عليه وسلم: «ينـزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا – يعني في رمضان وغير رمضان -حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيَه، من يستغفرني فأغفرَ له» [صحيح الجامع: 8168]. فمن أعظم الأعمال في هذه العشر أيضًا الدعاء، ومن أعظم الأدعية ما علمه النبي لعائشة رضي الله عنها:«اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» [الترغيب والترهيب: 4/128].

هذه أيها المؤمنون بعض خصائص هذه العشر، والسعيد من وفقه الله للطاعة وتقبل منه، والشقي الخاسر المغبون من ضيع هذه الليالي.

اللهم وفقنا لقيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله.

 الخطبة الثانية

عباد الله؛ في ختام هذا الشهر تأتي زكاة الفطر التي هي طهرة للصائم من اللغو والرفث؛ وطعمة للمساكين، فقد فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصغير والكبير؛ صاعا من طعام، والصاع قرابة ثلاثة كيلو جرامات، تُسلم لمستحقيها قبل صلاة العيد؛ ويجوز إخراجُها قبل العيد بيوم أو يومين، هل يجوز توكيل الجمعيات الخيرية ودفع المال إليهم ليشتروا به هذه الزكاة طعاما ثم يسلمونها لمستحقيها في الوقت المحدد شرعًا؟، والجواب: نعم؛ وإن كان الأفضل أن يباشر المزكي إيصالها لمستحقيها بنفسه إن تيسر له ذلك، ولا بأس بالتبكير بدفع الأموال إلى هذه الجمعيات؛ ليتمكنوا من شراء هذه الزكوات وعمل الترتيبات اللازمة لتسليمها لمستحقيها في وقتها المحدد شرعًا.

اللهم وفقنا لطاعتك واجتناب معصيتك. اللهم تقبل منا، وتجاوز عنا. اللهم اختم لنا شهر رمضان بالمغفرة والرحمة؛ والعتق من النار.

 

  • 2
  • -2
  • 2,629
المقال السابق
[116] العزة بالحق والعزة بالإثم
المقال التالي
[118] العشر الأواخر

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً