خطب مختارة - [118] العشر الأواخر

منذ 2016-08-09

يتفضَّل ربُّنا على عبادِه بنفحَاتِ الخيراتِ ومواسِمِ الطاعات، فيغتنِم الصّالحون نفائِسَها، ويتدارَك الأوّابونَ أوقاتها. لَيالٍ مبارَكة لشهر مبارك، أوشَكَت على الرّحيلِ، العشرُ الأخيرةُ منها تاجُ اللّيالي، وفيها أمُّ الليالي؛ ليلةُ القدر؛ قال عنها صلى الله عليه وسلم: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان» [صحيح البخاري:2021].

الخطبة الأولى

إخوة الإيمان، يتفضَّل ربُّنا على عبادِه بنفحَاتِ الخيراتِ ومواسِمِ الطاعات، فيغتنِم الصّالحون نفائِسَها، ويتدارَك الأوّابونَ أوقاتها. لَيالٍ مبارَكة لشهر مبارك، أوشَكَت على الرّحيلِ، العشرُ الأخيرةُ منها تاجُ اللّيالي، وفيها أمُّ الليالي؛ ليلةُ القدر؛ قال عنها صلى الله عليه وسلم: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان» [صحيح البخاري:2021].

ليلة كثيرةُ البرَكات، العمل فيها مضاعف، { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر:3]، قال فيها صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» [صحيح البخاري:1901]. فيها ينـزِل من السماءِ خَلْقٌ عَظيم لشُهودِها، {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر:4]، قال ابنُ كثير رحمه الله: "يكثُر نزولُ الملائِكَة في هذه الليلةِ لكَثرةِ برَكَتها".

وفي شَهرِ الصّيام بدأ نزول كتابُ ربِّنَا العظيم؛ القرآن الكريم؛ وذلك في ليلة القدر، والثّوابُ على تلاوتِهِ جَزيل، من قرَأَه فله بكلِّ حرفٍ منهُ حسَنَة، والحسنة بعشر أمثالها، وهو شافِعٌ لصاحِبِهِ العاملِ به، يقال لقارِئِه يومَ القيامَة: اقرَأ وارقَ، فإنّ منـزِلَتَك في الجنّةِ عند آخِرِ آيَةٍ تقرؤها. فاجعَل لتلاوةِ كتابِ الله على لسانِك في العشرِ الباقيةِ طراوة، ولصوتِك مِنه ندَاوة؛ لتظفرَ بشفاعة القرآنِ والصيام.

والصّلاةُ قرّة عُيونِ الصّالحين ورَاحةُ أفئدةِ الخاشِعين، وأفضَلُ الصّلاةِ بعد الفريضةِ صلاةُ الليل، فقِيامُ الليل من أفضَلِ الأعمالِ ومن أسبابِ دخولِ الجنان، قال صلى الله عليه وسلم: «يا أيّها الناس، أَفشوا السّلامَ، وأطعِموا الطّعامَ، وصَلّوا بالليل والناسُ نِيام، تدخُلُوا الجنّةَ بسَلامٍ» [صحيح الترغيب: 2697]. وليالي رمضانَ مُبَشَّرٌ من قامَها بغُفرانِ الذّنوبِ، قال صلى الله عليه وسلم: «من قامَ رَمضانَ إيمانًا واحتسابًا غفِر لَه ما تقدَّم مِن ذَنبِه» 

وفي كلِّ لَيلةٍ ساعةُ إجابَةِ، الأبوابُ فيها تفتَح، والكريم فيها يُكرم من أقبل إليه ، فسَل فيها ما شئتَ فالمعطِي عظيم، وأيقِن بالإجابةِ فالرّبّ كريم، وبُثَّ إليهِ همومك فإنّه الرّحمنُ الرّحيم، وارفَع إليه شكواك فهوَ السّميع البصير، واسأله من خير الدنيا والآخرة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ في اللّيلِ لساعةً لا يُوافقها رجلٌ مُسلم يسأل اللهَ خيرًا مِن أمرِ الدّنيا والآخرة إلاّ أعطاه إيّاه، وذلك كلَّ ليلة» 

ونسَماتُ آخرِ الليلِ مظِنّةُ إِجابةِ الدّعوات، قيلَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: أيّ الدعاءِ أسمَع؟ قال: «جوفُ اللّيل الآخِر ودُبرُ الصّلواتِ المكتوباتِ» [سنن الترمذي: 3499]. يعني بعد التشهد الأخير وقبل السلام.

أيها الإخوة المؤمنون، الحسرة والأسى أن تمر علينا ليالي هذه العشر وندركُ هذه الليلةَ العظيمة دون أن يغفر لنا عياذًا بالله من ذلك. وإنَّ من المناظر المؤسفة في هذه الليالي الفاضلة التنقل بين الأسواق والمتنـزهات، أو لزوم الأرصفة والملاعب، والانشغال عن الجد والاجتهاد في العبادة في أي الليالي ؟! في أعظم ليالي السنة وأفضلها، بل ربما يكون ذلك في الثلث الأخير من الليل؛ في الساعة التي ينـزل فيها ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا؛ ليعطيَ السائلين ويغفرَ للمذنبين؛ ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ينـزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيَه، من يستغفرني فأغفرَ له» [صحيح البخاري: 1145].

وفقنا الله جميعا لاغتنام هذه الليالي المباركة، وجعلنا الله ممن وُفقوا لقيام ليلة القدر، وممن حضوا فيها بعظيم الأجر. أقول ما سمعتم وأستغفر الله.  

الخطبة الثانية

معاشر المؤمنين، في هذه العشر الفاضلة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دَخلَت أحيَا ليلَه وأيقَظَ أهلَه وجدَّ وشدَّ مِئزَرَه، تقول عائشةُ رضي الله عنها كانَ رَسول الله صلى الله عليه وسلم يجتَهِد في رَمَضانَ ما لاَ يجتهِد في غيرِه، وفي العَشرِ الأواخِرِ منه ما لا يجتَهِد في غَيرها. رواه مسلم.

في هذه الليالي المباركة أفضل ليالي السنة؛ وهذه الليلةُ لها خصائصُ كثيرةٍ؛ منها: أنه نزل فيها القرآن، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر:1]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله عز وجل".

وُصِفت هذه الليلة بأنها خير من ألف شهر في قوله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر:3]. وهذا كما قال أهل العلم يعني أنها تعدل بضعًا وثمانين سنة.

ووصف الله هذه الليلة بأنها مباركة كما قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ} [الدخان:3].  تنـزل فيها الملائكة والروح؛ وهو جبريل عليه السلام ، فتنـزل الملائكة في هذه الليلة بكثرة، لما فيها من رحمة وبركة.

ووصفها سبحانه بأنها سلام، أي : تكثر فيها السلامة من العقاب والعذاب لما يقوم به العباد من الطاعة والقُرَبِ لله تعالى.

ومن خصائصها أنَّ: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان:4]، فيكتب الملائكةُ الكتبةُ في ليلة القدر – بما يطلعهم الله من اللوح المحفوظ مما هو من وظائفهم – يكتبون ما يكون في سنة قادمة من رزق وموت وحياة ومطر وغير ذلك، من كل أمر محكم لا يُبَدل ولا يغير، وكل ذلك مما سبق علم الله به وكتابته له.

ومن خصائص هذه الليلة أن من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه .

إخوة الإيمان، الاعتكاف في هذه العشر الأواخر سنةٌ من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده» [صحيح البخاري: 2026]. فمن تيسر له الاعتكاف فخير عظيم، ومن لم يستطع أن يعتكف هذه العشر فليعتكف ما تيسر منها، والاعتكاف هو لزوم المسجد وعدم الخروج منه إلا لضرورة مع الاجتهاد في العبادة. 

هذه أيها المؤمنون بعض خصائص هذه العشر، والرابح فيها من وفقه الله للطاعة وتقبل منه، والخاسر فيها من انشغل عنها وفاتته بركاتها. اللهم وفقنا للجد والاجتهاد في هذه العشر؛ وارزقنا الإخلاص والقبول، اللهم وفقنا لقيام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا. اللهم اجعلنا في هذه العشر من الفائزين. اللهم تقبل منا صالح أعمالنا، وتجاوز عن سيئاتنا وتقصيرنا.

  • 1
  • 3
  • 4,680
المقال السابق
[117] العشر الأواخر وزكاة الأبدان
المقال التالي
[119] العشر وعرفة والحج والعيد والأضحية

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً