خطب مختارة - [119] العشر وعرفة والحج والعيد والأضحية

منذ 2016-08-10

في هذه العشر يجتمع من العبادات ما لا يجتمع في غيرها، فهي أيام كمال وشرف، فتجتمع فيها الصلوات، والصدقات؛ والصيام، والهدى والأضاحي، وفيها الحج إلى البيت الحرام، وفيها التكبير والذكر والتلبية والدعاء.

الخطبة الأولى

إخوة الإسلام، الله يخلق ما يشاء ويختار، خلق الأزمان وجعل بعضَها أعظمَ بركةٍ من بعض؛ وميَّز بعضَها بمزيد محبة منه سبحانه للعمل الصالح فيها؛ ومن هذه الأوقات؛ عشرُ ذي الحجة؛ فهي عشر مباركات؛ كثيرة الحسنات، عالية الدرجات، متنوعة الطاعات. أقسم الله تعالى بها فقال: {والفجر. وَلَيالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1:2]، في هذه العشر أكمل الله لنا الدين؛ فيها نزلَ قولُ الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِيناً} [المائدة:3]. نزلت في يوم عرفة، وهو اليومُ التاسعُ من ذي الحجة، وهو يوم مجيد معروف بالفضل وكثرة الأجور وغفران الذنوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا أو أمة من النار من يوم عرفة».

في هذه العشر يجتمع من العبادات ما لا يجتمع في غيرها، فهي أيام كمال وشرف، فتجتمع فيها الصلوات، والصدقات؛ والصيام، والهدى والأضاحي، وفيها الحج إلى البيت الحرام، وفيها التكبير والذكر والتلبية والدعاء.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله تعالى من هذه الأيام، يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» [صحيح أبي داواد: 2438].

ختام هذه العشر يومُ النحر، وهو اليومُ العاشر من ذي الحجة، وهو أفضل الأيام كما في الحديث: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القَرّ» [صحيح الجامع: 1064]؛ ويوم القَرّ هو اليوم الحادي عشر، ويوم النحر هو يوم الحج الأكبر وهو يوم العيد؛ وفيه الكثير من أعمال الحج كرمي الجمرة والحلقِ وذبح الهدي والطواف والسعي، وفيه صلاة العيد؛ واجتماع المسلمين فيها؛ وتهنئة بعضهم بعضًا، وفيه التقرب بذبح الأضاحي.

عباد الله؛ فضائل العشر كثيرة؛ لذا ينبغي أن نغتنمها، وأن نسابق إلى الخيرات فيها. روى الإمام أحمد عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» [مسند أحمد: 7/224]، وكان أبو هريرة وابن عمر رضي الله عنهما إذ دخلت عشرُ ذي الحجة يخرجان إلى السوق يكبران، فإذا سمعهم الناس تذكروا التكبير فكبروا كلُّ واحد على حدته، وهذا التكبير المطلق، أما التكبير المقيد بأدبار الصلوات فيوم العيد وأيام التشريق، ويبدأ غير الحاج من فجر يوم عرفة. ويُكثِرُ مع التكبير من التسبيح والتهليل والتحميد، وقراءة القرآن فإنه أفضل الذكر؛ وفيه الهدى والرحمة والبركة.

ومما يندب فعلُه في هذه العشر الإكثار من نوافل الصلوات بعد الفرائض، كالرواتب التي قبل الفرائض وبعدها، وصلاةِ الليل، وصلاةِ الضحى، وغيرها، فالمحافظة على النوافل مع كونها تُكْمِلُ النقصَ؛ وتجبر الكسر وتسد الخلل؛ فهي سبب من أسباب محبة الله، ومن شملته محبة الله حفظه وأجاب دعاءه ورفع مقامه.

ومما يندب فعلُه في هذه العشر الإكثار من الصدقة؛ إذ الصدقة فيها أفضل من الصدقةِ في رمضان، وما أكثر حاجات الناس في هذه العشر من النفقة والاستعداد للحج والعيد وطلب الأضحية وغيرها، وبالصدقة يَنالُ العبدُ البرَّ؛ ويضاعَفُ له الأجرُ ؛ وتُفتح له أبواب الخير وتُغلق عنه أبواب الشر، وبها يحبه الله ويحبه الخلق، ويكون بها رحيماً رفيقاً، وبها يزكِّي مالَه، فتزكو نفسُه، ويُغفر ذنبه، ويتحرر من عبودية الدرهم والدينار، ويحفظه الله في نفسه ومـاله وولده ؛ ويسعده في دنياه وآخرته.

ومما يندب فعلُه في هذه العشر الإكثار من الصيام ، فلو صام بعضَ الأيام التسعة أو كلَّها لكان ذلك مشروعاً، لأن الصيام من العمل الصالح، وآكدها اليومُ التاسع لغير الحاج ؛ روى مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي قبله» [سنن الترمذي: 749].

عباد الله إن أفضل الأعمال الصالحة في هذه الأيام الإهلالَ والتقربَ إلى الله بالحج؛ روى الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أ «ي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله؛ قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور» [صحيح البخاري: 26]، وقال صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» [صحيح الجامع:6197]، وقال صلى الله عليه وسلم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» [صحيح البخاري: 1773]، وعن عائشة قالت: «قلت يا رسول الله: نرى الجهادَ أفضلَ العمل؛ أفلا نجاهد؟ قال: لَكُنَّ أفضلُ الجهاد حج مبرور» [صحيح البخاري: 1520] .

اللهم وفقنا للأعمال الصالحة في هذه العشر وغيرها، وارزقنا فيها الإخلاص والقبول. أقول ما سمعتم وأستغفر الله.

الخطبة الثانية

ومن الأعمال الصالحة أيضًا في هذه العشر صلاةُ العيد يوم العيد؛ قال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]، والمراد بالصلاة في الآية :صلاة عيد الأضحى؛ بل حث النبي صلى الله عليه وسلم على حضور حتى النساء لهذه الصلاة.

ومن أفضل القربات الأضحية؛ في العاشر من هذه العشر وأيام التشريق بعده، ومن الأحكام التي تخص المضحي قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخلت العشر وأراد أحدُكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئا» [صحيح ابن ماجه: 2565]؛ وفي رواية: «فلا يمس من شعره ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي».

فينبغي للمسلم – يا عباد الله - أن يسابقَ في هذه العشر بكل عمل صالح، ويكثرَ من الدعاء والاستغفار، ويتقربَ إلى الله بأنواع القربات؛ حتى يكون فيها من الفائزين الرابحين.

اللهم بارك لنا في عشرنا وفي أعمارنا، وارزقنا فعل الطاعات وترك المنكرات وحب المساكين. اللهم يسر للحجاج حجهم، واجعلِ اللهم حجهم مبرورًا ؛ وسعيهم مشكورًا؛ وذنبهم مغفورًا. اللهم احفظ الحجاج ومن يخدمهم وأجزل اللهم لهم المثوبة.

  • 0
  • 0
  • 374,722
المقال السابق
[118] العشر الأواخر
المقال التالي
[120] العلمانية وخطرها

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً