إما الحوار وإما خراب الديار

منذ 2016-10-12

الانفصال السلوكي والروحي يقيم بين الزوجين حواجز وسدود تعلو وتعلو مع مرور الوقت، ومن أجل تحطيم هذه السدود لا بد أن يكون عندهما قناعة بضرورة الحوار في كل أمر من أمورهما

إذا لم يكن بين الزوجين حوار واضح ومباشر، وكلاهما يضمر في نفسه ما لا يستطيع مناقشته مع الآخر، ويعيش متكلمًا مع نفسه فقط، فهذا ضرره وعاقبته على الحياة الزوجية فوق كل تصور، لأنه وبعد فترة من الزمن سيكتشف الزوجان أن كل واحد منهما يعيش خصوصياته فقط لا يشاركه فيها أحد؛ بمفرده يأخذ القرار، وبنفسه ينفذه، وتدور في ذهنيهما أسئلة: لمَ تزوجت؟ بماذا أفادني الزواج؟ وتبدأ الأسرة في التفكك الضمني، حتى وإن بدت في ظاهرها أسرة متماسكة، وقد يصل الأمر إلى أن يجعل كل واحد منهما غرفة نوم خاصة به، وتتطور الحالة إلى تناثر وتشتت تام في السلوك اليومي للحياة الأسرية، وبذلك يصبح في البيت الواحد بيتان منعزلان كليًا عن بعضهما البعض.

 

الانفصال السلوكي والروحي يقيم بين الزوجين حواجز وسدود تعلو وتعلو مع مرور الوقت، ومن أجل تحطيم هذه السدود لا بد أن يكون عندهما قناعة بضرورة الحوار في كل أمر من أمورهما؛ يتحدثان عن إيجابياته وسلبياته، وهذا يترتب على قناعة كليهما معًا، وبهذا تصبح قراراتهما مشتركة، مهما صعبت. ومن المفارقات أن هناك دراسة تقول إن المرأة تتحدث في اليوم (13) ألف كلمة والرجل (8) آلاف، فإن لم يكن بينهما حوار عقلاني فأين تذهب هذه الطاقة الحوارية؟

إنها تذهب إلى حوار نفسي سلبي بالطبع، فعلى رأس هرم السعادة الزوجية يأتي الحوار بين الزوجين، وهذه ليست دعوة للرجال لأن يثرثروا مع زوجاتهم، ولا أن تصم الزوجة آذان زوجها بكثرة الكلام، بل المقصود الحوار البناء الذي يشمل الحديث المدروس في التوقيت المناسب.

 

قواعد أساسية:

* ضرورة التقدير والاحترام المتبادلين، والبعد عن الألفاظ المبتذلة بحجة العشرة والبساطة وطرح التكلف.

* التخفيف قدر الإمكان من أشكال اللوم والعتاب، فكثرة العتاب تفرق الأحباب وتوغر الصدور.

* القدرة على ضبط الزوجين انفعالاتهما والتحكم بأعصابهما أثناء ثورات الغضب.

* أن يكون باستطاعة الزوجين التنازل والتساهل، وهذا شرط من الشروط الأكثر أهمية بالنسبة لنجاح العلاقات الزوجية.

* تجنب اللجوء إلى أشكال العقاب الشديد لأن الإنسان الذكي يدرك المقصود بمنتهى السهولة.

* عدم التسرع في قذف الزوجين كل منهما الآخر، بكلمات قاسية وفظة، بل على العكس يجب أن تستخدم قدر المستطاع كلمات رقيقة وحانية. إن عبارات المديح والثناء مسألة مهمة جدًا وخصوصًا بالنسبة للزوج الشاب، لأنه أكثر صعوبة في التكيّف مع دوره كزوج مقارنة بالفتاة التي هي أقدر على التلاؤم مع دورها كزوجة، لذا يتحتم على الزوجة الشابة أن تعمل على دفع زوجها ليصبح رب أسرة حقيقي عن طريق مدحه وتشجيعه، وليس عن طريق إصدار الأوامر والمواعظ والإرشادات التي تقتل لديه الرغبة في فعل شيء.

* حذار من إطلاق بعض الاستنتاجات والتعميمات التي تتسم بالمغالاة والإطناب (إنك لا تريد أن تفهمني أبدًا، إنك تتصرف دائمًا على النحو الذي تريده، طلبت منك ألف مرة، ...) فالتعميمات لا تخرج عن وصف الشريك بالفشل، وهذا من شأنه أن يجرح كرامته جرحًا عميقًا قد لا يندمل أبدًا.

* عدم كتمان الإساءة وكبتها، فكلما كشف الزوجان عن حالات الصراع الداخلي بصورة أسرع كان تأثير ذلك أقل في بنيان الأسرة. ويجب على الزوجين أن يعملا جاهدين على اتخاذ الخطوة الأولى ليلتقي أحدهما الآخر بهدف المصالحة وإزالة مسببات التوتر التي ولدت الأزمة.

* الدفاع المنصف عن الزوج أو الزوجة في حال نشوء خلافات مع الأصدقاء والأقارب.

* عدم كشف الخصوصيات الأسرية أمام الغرباء.

* عدم التحدث عن عيوب الزوج أو الزوجة أو الأطفال أمام الآخرين.

* من غير المحبذ لكلا الزوجين توجيه أي ملاحظات بحضور أناس غرباء، لأن هذا قد يسبب جرح لعزة النفس والمشاعر ليس بالنسبة لهما فقط، بل وحتى الأطفال عامة والمراهقين خاصة.

* الإيمان بخصوصية العقيدة الأسرية، وعدم السماح لأي كان بالتدخل في شؤون الأسرة الداخلية ولو كان من أقرب المقربين والأصدقاء.

* أن يكون باستطاعة الزوجين التفاهم والمساعدة والتغاضي، وهذا شرط مهم جدًا.

 

قام علماء الاجتماع بدراسة شملت مائة من الزوجات بمناسبة اليوبيل الفضي لزواجهن، وتم توجيه بعض الأسئلة المتعلقة بأفضل الطرق والإستراتيجيات التي تقوي العلاقات الأسرية وتمتنها، فكانت النتائج أن 75% منهن أشرن إلى أن ما يسلح بنيان الأسرة هو الآتي:

 

- الاستعداد لمساعدة كل منهما الآخر.

- العفو السريع.

- أن يضع كل من الزوجين نفسه مكان الآخر، ويحاول أن يغوص في عالمه الخاص، ويساعده على فهم ما هو جوهري وأساسي، فقد لا يتمكن أحدهما من رؤية تفاصيل الحياة من منظوره الشخصي.

- عدم الاختلاف بسبب أمور صغيرة، وعدم السماح بظهور صعوبات وتعقيدات تولد الصراع، والعمل قدر المستطاع على الإيقاف الآني للخلاف كي لا يتطور متخذًا منحى أشد خطورة، فالإنسان الذكي هو الذي يعمل جاهدًا على وقف الخلاف واجتثاث جذوره.

- اتباع سياسة أسرية تتصف بالمرونة والدبلوماسية عن طريق تنشيط المشاركة في المسؤوليات الأسرية. إن المحافظة على توازن الأسرة وتقوية دعائمها مسؤولية جميع أفرادها، فلو واجهت الزوجة -على سبيل المثال- صعوبة ما سببت لها الإنهاك في الوقت الذي يقف فيه باقي أفراد الأسرة موقف المتفرج الذي يعطي الإرشادات والنصائح من شأنه أن يؤزم الموقف، ويمهّد لظهور الجفاء والفتور بين الزوجين، ويترك أثرًا سلبيًا عسير الزوال.

- أن يرفع دائمًا شعار (لا فظاظة ولا خشونة)، وليعلم الزوجان أن لا شيء يحطم سعادتهما مثل الفظاظة والقسوة. إن الحب الكبير والحنان والملاطفة والرقة والثقافة والمعاملة الراقية مهمة جدًا لبناء علاقات أسرية سليمة.

- ضرورة الاتفاق على إستراتيجيات وأساليب تربوية واحدة بالنسبة لتربية الأطفال وتنشئتهم التنشئة الاجتماعية السليمة، مثل: عدم تقديم التعزيز الإيجابي (حلوى، نقود ...) بعد عقاب الطفل من قبل أحد الوالدين.

 

وفي النهاية علينا العمل بقدر المستطاع على أن تكون هذه السعادة متبادلة، وذلك فن راق للتواصل الأسري يُمتّن أركانها ويُحصّنها ضد مختلف أشكال التفتت والتفكك والضياع.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

خالد سعد النجار

كاتب وباحث مصري متميز

  • 1
  • 0
  • 5,915

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً