زوجتي الغالية : " مها كبرت "

منذ 2004-04-09
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
زوجتي الغالية : " مها كبرت "
قصة رائعة جميلة ..
ممتعة في أحداتها ..
غريبة في أطوارها ..
مشوقة إلى آخر حروفها و وقائعها ..
هادفة .. ممتعة .. رائعة .. مشوقة .. جذابة .. لطيفة .. خفيفة ..
تلمس في أحداثها الواقعية ..
تغوص فيها بالحب في أجمل معانيه ..
و الوفاء في أبهى حلته ..
و الإبداع في شتى جوانبه ..

أهديها بكل تواضع لكل من :
والدي العزيزين حفظهما الله و رعاهما ...
أختي الغالية أم مصعب حفظها الله ...
أخي الحبيب أبو عبدالملك وفقه الله ...
خالي الغالي عبدالرحمن حفظه الله ...
عمتي الصغيرة رعاها الله ...
و أخيرا .. منتداي الغالي : منتدى و شبكة الصحوة الإسلامية ...
( WWW.sahwah.com )
~.~.~.~.~.~.~.~.~
الجزء الأول :
" دمعات في أحضان زوجتي "

كنت أول الخارجين من صالة الطعام .. اتجهت مباشرة إلى مقعدي في تلك الزاوية الهادئة من القاعة .. كان معظم الموجودين في الصالة من الاشبال الصغار ..
لفت انتباهي شجار بين طفلين في الخارج .. كانا يتعاركان بشدة و معظم الأطفال حولهما يشيدون بأعلى أصواتهم : ياسر .. ياسر .. و يبدو أن ياسر هذا كان هو المنتصر في العراك ..
أبعدت الأطفال المتجمهرين و فصلت بين المتعاركين .. يبدو أن ياسر لم يبذل مجهودا كبيرا في العراك لفارق السن و ضعف خصمه الذي يبدوا انه قد نال كما هائلا من الركل و الضرب من ياسر و من غيره من المتجمهرين .. كان ابيض اللون مشربا بحمره و اثر العراك قد صبغت وجهه و أذناه خاصة باللون الأحمر و الأحمر الداكن ...
بينما أنا أفك العراك بينهما استعطفتني دمعتان رفضتا الخروج من عينيه حتى لا يقال له من أقرانه " صاح .. صاح .. "
أخذت هذا الطفل معي و اتجهت إلى مكاني في القاعة .. كان يبدو عليه الارتباك و الخوف فابتسمت في وجهه ليطمئن و قلت له بلطف : " وش اسمك يا بطل ؟ "
- " معاذ "
- " ما شاء الله معاذ بن جبل " ..
ضحك و مال برأسه و عينيه لا تنظر إلى ..
- ضحكت و مسحت على رأسه و قلت : " بأي صف تدرس ؟ "
- " ثاني "
- " ما شاء الله .. تعرف قصة معاذ بن جبل ؟"
أومأ برأسه بالنفي و ابتسامته ترتسم على وجهه الجميل ..
بحثت عن شئ أشجع به هذا الطفل فلم أجد سوى قلمي الذي أهدته لي زوجتي قبل أيام
.. أخرجته و هو أغلى عندي من قلبي و لكن احتسبته عند الله في نفع هذا الطفل و تنشئته نشأة الأبطال .. فملبسه لا يوحي إلى بحرص أهله على تربيته التربية الصالحة ..
عرضت له قلمي بطريقة مغرية .. قلت له : " إذا قرأت قصة معاذ بن جبل راح أعطيك أحلى من هذي الهدية " ...
رفع عيناه و نظر إلى و ما زالت ابتسامتة الجميلة تزيد وجهه المشرب بالحمرة نضرة و جمالا ... كانت عيناه تحدثاني بهمة تكسر الصخور و تثبت لي أنه سيفعلها و سيقرأ القصة بقلبه لا بلسانه فقط ...
اخذ القلم مني و قلّبه بين يديه ثم رفع عيناه إلي و كأنه يقول : " سآخذه بحقه " ...

رن هاتفي الجوال .. نظرت إلى المتصل " دلال الغالية رعاها الله " .. قلت في نفسي " الطيب عند ذكره ... خفنا منها و هاهي تتصل " ...
- نعم
- السلام عليكم
- و عليكم السلام .. سمي
- أحمد .. تعشيت ؟ تقدر تمرنا الحين ؟ ترى معانا ضيف الليلة
- كيف ؟؟ من ؟؟ طيب .. طيب ..
ذهبت إلى زوجتي عند باب القاعة النسائية فخرجت و معها فتاة تبدو في السابعة عشر أو الثامنة عشر من عمرها و عليها عباءة مخصرة ...
ركبت زوجتي دلال في المقعد الأمامي .. و ركبت تلك الفتاة في المقعد الخلفي ..
سلمت دلال و هي تضحك و قالت : " معنا اليوم ضيف بيروح معنا البيت و ينام عندنا " ...
قلت بصوت خافت " ياهلا و مرحبا " و آلاف علامات الاستفهامات تدور في رأسي عن هذا الضيف الغريب .. تحركنا باتجاه شقتنا الصغيرة و كانت دلال تسألني عن الزواج و الحضور و أجيبها و أنا منشغل الفكر عنها بمن تكون هذه الضيفة!! .. اقتربنا من ركن العثيم ( سوبر ماركت ) فقالت لي دلال : " أحمد ياليت توقف الله يعافيك نبغى أغراض " ..
أوقفت سيارتي فقالت لي : " عطني قلم أكتب لك الأغراض " ... تمنيت أن تطلب مني أي شيء سوى القلم و خاصة في مثل هذا الوقت فكيف أفهمها و معنا هذه الضيفة ..
فارتسمت على وجهي علامات البراءة و بدأت انظر إلى جيبي ..
نظرت دلال إلى جيبي بحدة و استغراب و قالت : " وين قلمك ؟ " ...
آآآه الآن وقعت في ورطة كيف بإمكاني أن أبين لها ...
نزلت من السيارة حتى لا تفقد أعصابها أو تأخذها نزوات الغيرة فتنسى أن معنا هذه الضيفة ...
اتجهت إلى نافذتها و أخذت منها الأغراض المطلوبة و عيناها ترمقني بكل حدة و عتاب ...
حمدت الله كثيرا على أن هذه الضيفة معنا .. مع أنها ستحرمني من زوجتي هذه الليلة ...

وصلنا إلى الشقة و نزلت زوجتي و ضيفتها في مجلس النساء و أغلقتا عليهما الباب ..
اتجهت إلى غرفتي و تجهزت للنوم و بقيت انتظر زوجتي لأخذ الأخبار منها .. فاستفهامات كثيرة تدور في رأسي .. من هي الضيفة ؟ و لماذا جاءت لتنام عندنا ؟ و كيف تلبس العباءة المخصرة ؟ و أشياء كثيرة ... بقيت جالسا في غرفتي أتحين خروج زوجتي من عند ضيفتها ..
فكرت بأن أطرق الباب عليهما فتهيبت خروج زوجتي مغضبة و خاصة أنها غضبت لأنها لم ترى قلمها في جيبي ...
جلست أفكر و أتأمل .. ما أجبننا نحن الرجال ؟ ندعي القوة و نطلب الاحترام من كل أحد و نبدوا و كأننا ليث غاب .. فما أن يجن الليل علينا حتى نرتجف وجلا من زوجاتنا و نردد في كل حين اللهم سلم سلم .. ذئاب في النهار و دجاج في الليل ...

. . .

الجزء الثاني :
" ولادة مها "

أخيرا خرجت دلال من عند ضيفتها و أسترقت النظر على غرفتي فوجدت النور ما زال مضيئا فأتت إلى تستطلع الأمر ..
سلمت و دخلت و علامات البشر و السرور تبدو على محياها ثم جلست بجانبي على السرير ...
بدأنا نتجاذب أطراف الحديث و كنت اسألها عن ضيفتنا ...
قالت : " و الله يا أحمد هالبنت أديم قصتها قصة عجيبة ..
يوم كنت بالقاعة رحت أغسل يدي و وقفت أطالع في المرآة ..
دخلت أديم و وقفت بجانبي و بدأت تنظر لي في المرآة ..
ابتسمت لها و كأني أعطيتها إشارة بالتقدم فقامت و احتضنتني و بدأت تبكي بكاء مرّا ..
تفاجأت من بكائها و بدأت اهدأها و اغسل وجهها بالماء إلى ان هدأت قليلا و ارتاحت بعض الشيء ..
خرجنا من المغاسل و كنت ممسكة بيدها و لم أكلمها ..
فقط كنت أنظر إليها و أتبسم و أشد على يدها ..
جلسنا على أحد الطاولات في آخر القاعة و بدأت أتحدث معها ..
بصراحة كنت خائفة من أن اسألها عن سبب بكاءها ..
لكن قلت في نفسي إذا هي فتحت الموضوع و إلا لن افتحه أنا ..
يا أحمد هذي البنت تقدر تقول أنها قدوة قريناتها بالتحضر و التمدن و حركات المراهقات ..
فأهلها ما يقولون لها ( لا ) أبدا ..
و المال مغدق عليها ليل نهار ..
و مفتوح لها المجال على كيفها " ...
قاطعتها و قلت : " إيه أنا مستغرب كيف ناس يخلون بنتهم تنام في غير بيتها ..
ما اتوقع ان فيه رب أسرة او أم تسمح أن البنت تنام في غير بيت أهلها ..
و غير كذا العباءة!! " ...
أكملت دلال حديثها و قالت : " اصبر تاجيك القصة كاملة ..
أقولك مفتوح لها المجال على كيفها .. المهم البنت يوم جلسنا على الطاولة قالت لي :
" اني زهقت من نفسي و أحس بضيق و أنا ودي أتوب ودي أصير مثلك ..
ودي أكون سعيدة و مرتاحة ..
ودي أحس بطعم الإيمان بقلبي .. ذبحني الفراغ " ..
و بدأت تخرج بعد ذلك كلماتها من قلبها بنبرة باكية ..
" ذبحتني همومي .. ودي أتوب و ما أقدر ..
أحاول أتوب بعدين ارجع لذنوبي .. ما قدرت أستحمل ..
أحس ان الله ما راح يتوب علي كل ما تبت رجعت ..
و الله زهقت من نفسي ..."
وانخرطت في موجة شديدة من البكاء ...
هدأتها و أتيت لها بكأس ماء بارد ثم أصررت عليها بشربه فشربت ثم توقفت عن إكمال حديثها حتى ارتاحت بعض الشيء ..
كنت أنظر إليها و أقول في نفسي الآن وقعت المسؤولية عليك يا دلال ..
البنت تمد يديها إليك و تقول أنقذيني من ظلام المعاصي و أنا أتهرب ..
لا و الله ..
سأحاسب على ذلك إن لم أساعدها ..
فما بعد أن تنطرح بين يديك و ترجوك أن تأخذها الى طريق الهداية أي عذر ...
عرضت عليها الذهاب معي إلى البيت حتى نعالج وضعها بترتيب ففرحت كثيرا ..
فذهبت و إياها إلى أمها و كنت أتوقع منها الرفض ..
فما أن عرضت عليها الأمر حتى قالت : " إذا أديم ودها بكيفها ؟ " ..
صعقت بهذه الحرية المفتوحة ..
فعلمت أن الخلل ليس بالفتاة بل ببيئتها و بيتها المتفلت ...."

قامت دلال بعد أن اعتذرت مني بالمبيت مع ضيفتها أديم هذه الليلة و أنا ما زلت أسبح في بحر أفكاري ..
و قبل أن تهم بالخروج التفت علي و قالت : " احمد وين قلمك ؟؟ " ..
ضحكت لأنها لم تنسى موضوع القلم و أخبرتها بقصتي كاملة مع معاذ ...
أومأت برأسها و هي تبتسم و كأنها تقول : " ماشي .. بس محسوبة !! " ...

ذهبت دلال إلى ضيفتها و كانتا قد اتفقتا على خطة يسيرون عليها ..
و اتفقتا على انه لابد لكل شئ من أساس ..
و لابد من إرادة قوية و عزيمة صادقة ..
و هذه الإرادة و العزيمة لابد أيضا من أن تتربى حتى تكبر و تقوى فتثبت أمام تيارات الهوى و الشهوات ..
فالذي يريد أن يخوض معركة لابد له من أن يتجهز لها بالتدريب و السلاح و العدة ..
كما أن التدريب يكون على شكل مراحل و مستويات حتى ينمو الجسم و يُبنى بناء صحيحا و قويا ..
ثم أكملوا برنامجهم ليلتهم تلك و نمت أنا وحيدا في غرفتي ...

مرت سنتان على هذه الحادثة و رزقنا الله بعدها بمولودة كالقمر أسميناها مها ..
كانت أديم من أول المهنئين لنا في المستشفى .. سبحان مغير الأحوال ..
أصبحت هذه الفتاة إحدى الداعيات إلى الله في بيتها و عائلتها و في أي مجلس تجلس فيه ..
أصبحت تبذل من الأموال لدور الخير أضعاف ما كانت تبذله في سبل الهوى ..
عندما علمت من دلال أن أهل القرآن هم أهل الله و خاصته أبت إلا أن تكون منهم ..
و عندما علمت أن خيرنا من تعلم القرآن و علمه بذلت كل ما تستطيع لتتعلم القرآن و تعلمه بمالها و نفسها ..
من رأى تلك الفتاة يرى أثر نور الإيمان في وجهها ..
قالت أديم ذات يوم لدلال بعد أن عتبت عليها خوفا عليها من الإرهاق :
" يا دلال .. كل ما بذلت للخير ..
كل ما ارتحت و حسيت بسعادة في حياتي لم أذقها من قبل ..
كل لحظة ضيعتها في معصية الله الآن أتندم عليها ..
لأني وجدت الراحة و الطمأنينة و الأنس في طاعة ربي و البذل لدينه" ...
خرجت دلال من المستشفى بعد أن أمضت فيها عشرين يوما لمرض أصابها مع ولادة مها و بدأت صحتها تتحسن يوما بعد يوم و الحمد لله ...
كانت مها ريحانة قلبي و نبض فؤادي ..
يبتهج البيت بصوتها و شقاوتها ..
و كانت دلال تربيها على الأدب من أشهرها الأولى فأتعجب لصنيعها ..
طفلة رضيعة فكيف تتأدب !! ..
و كانت أيضا دائما ما تقرأ القرآن و هي تحملها ..
و تعلمها كلمات القرآن قبل أن تنطق ..
حتى أني ذات يوم دخلت البيت فسمعت دلال تقرأ القران بصوت مرتفع ..
فدخلت الغرفة استطلع الأمر فوجدت دلال قد أجلست مها أمامها و كانت مها للتو قد تعلمت الجلوس و أسندتها على أحد الوسائد حتى لا تسقط على ورائها ..
ثم جلست دلال أمامها و كانت تقرأ القرآن بصوت مرتفع و كأنهما تلميذ و أستاذه في حلقة تحفيظ ..
استغربت من صنيع دلال بمها فقلت :" ما شاء الله عليكم فاتحين دار تحفيظ .." .. فقالت لي دلال و همة الأم المؤمنة تملأ عينيها : " أبغى مها تلبسنا تاج الوقار يوم القيامة بحفظها لكتاب الله" ...
فأكبرت هذه الهمة العظيمة في هذه المرأة الصالحة ..
وتذكرت حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : " الدنيا متاع , و خير متاعها المرأة الصالحة " ...

. . .

الجزء الثالث :
دلال مريضة

مرت السنوات و أصبحت مها في الثالثة من عمرها ..
كانت زهرة تملأ البيت عبقا و عبيرا و أنسا ..
و كانت أمها تملأ البيت إيمانا و ذكرا ..
فما أحلى هذا البيت الذي أسس بنيانه على تقوى من الله ..
تملأه السعادة و الطمأنينة .. و يخرج منه الخير و البر ..
حتى أحبه القريب و البعيد ..
و الغني و الفقير ..

ذات يوم .. كانت مها تسير مع أمها في المستشفى .. فسمعوا امرأة تتأوه من الألم .. فسألت مها والدتها عن هذا الصوت ..
فأخبرتها بأنها امرأة مريضة تتوجع .. فأخرجت صغيرتي من شنطتها الصغيرة "ريالا" و ذهبت به إلى المرأة المريضة ثم أعطتها إياه و قالت لها : " يا عمة قولي بسم الله علشان يطيب !! " ...
فذهلت المرأة المريضة من صنيعها ..
فضمتها إليها .. غير أن صغيرتي بكت من الخوف ...
فما أحلاك يا حبيبتي مها .. لقد كنت داعية بتصرفاتك الإيمانية في كل ميدان ..
و حق لي أن اسميها الداعية الصغيرة ...

في أحد الأيام فجعتنا دلال بسقوطها متعبة و هي تؤدي عملها المنزلي ..
أخذناها إلى المستشفى سريعا و لم يكن في الاسعاف إلى أحد الاطباء فرفضت زوجتي أن يكشف عليها رجل مهما كلفها الامر .. كنت أوافقها في إصرارها هذا .. لكن التعب و المرض جعل من وجهها المضيء وجها شاحبا شديد الاصفرار ..
و مع كل دقيقة تمضي .. تزداد حالتها سوءا و يزداد وجهها اصفرارا ..
فألححت عليها بأن يكشف عليها الطبيب و أنا معها .. فحالتها حالة ضرورة و لا تحتمل التأخر ..
فرفضت رفضا قاطعا ثم رفعت يديها إلى السماء و قالت : " اللهم يسر أمري و أكتب الخيرة في عاجل أمري و آجله " ..
رضخت لأصرارها و بقينا ننتظر الطبيبة ..
فما هي الا لحظات قليلة حتى طرق الباب و دخلت الطبيبة ..
بقيت أنا و مها بالخارج ننتظر ما تقوله الطبيبة .. كنت أتأمل في رحمة أرحم الراحمين سبحانه و كيف سخر لها هذه الطبيبة بهذه السرعة العجيبة و أقول في نفسي " صدقت مع الله فأعانها الله " ..
إلتفت إلى صغيرتي مها فأصابني الهول لما رأيت دموعها تجري على خدها ..
سألتها بسرعة : " مها وش فيك حبيبتي " ...
فرفعت يداها إلى السماء و قالت : " يا رب اشف ماما " ...

لقد حفر منظرها و هي ترفع يديها و تنظر بعينيها إلى الأعلى و الدمع يسيل على خدها أثرا في قلبي ما أحسبه سيندمل ..
لقد علمتني تلك الصغيرة دروسا في حياة القلب مع الله .. و حياة القلب مع من نحب ..
علمتني كيف أنصح المخطئ و أساعد المحتاج و أعطف على المريض ...
قبلتها و قلت : " يارب لا تحرمني من مها " ..
خرجت الطبيبة من عند دلال فركضت مها إلى أمها لتضمها و تطمئن عليها ..
أخبرتني الطبيبة أن دلال ستمكث في المستشفى لعدة أيام .. و بعد التحاليل ربما تكون هناك إجابة أكثر دقة ..
عندما كنت عند دلال في صباح اليوم التالي استدعاني أحد الأطباء ..
كان يكلمني بطريقة رسمية جدا و لا أثر للابتسامة على وجهه .. فعرفت أن الأمر خطير ..
حاولت أن آخذ منه أكثر فلم يجبني إلا بـ " كل شئ بيد الله " ..

مرّ يومان فتطور المرض شيئا فشيئا حتى أدخلت دلال غرفة العناية المركزة ..
ثم دخلت في غيبوبه و لم تفق منها إلا بعد ثلاثة أيام ..
ثم ساءت حالتها مرة أخرى و عادت في غيبوبتها ..
ثم أمضت عزيزتي دلال في العناية المركزة ثلاثة أشهر ..
و كانت كلما تفيق توصيني بمها و أن أهتم بنفسي و تطمئنني على نفسها .. ثم ما تمضي سويعات حتى تعود إلى غيبوبتها ..
ثم بعد هذه الثلاثة أشهر .. غادرتنا حبيبتي و تركتنا في دنيا الآلام ..
كم كانت أياما عصيبة مؤلمة لم يسبق لي أن مررت بمثلها ..
فدلال ماتت !!!!
كيف أعيش بدون دلال التي كنت أفتقدها لو غابت عني لحظة ؟
كيف أعيش في بيت غابت عنه من كانت تملأه بالذكر لربها و الود لزوجها وابنتها ؟
أين سأرى تلك اللمسة الحانية و الابتسامة المفرحة و نظرة العتاب بكل حب و ود و صفاء ؟
لا أدري يوم أن دفنتها .. أدفنتها هي أم دفنت قلبي و روحي !! ...
أحداث متقطعة .. أعي بعضها و بعضها يكون خارجا عن إرادتي ..
لم أصدق الخبر حتى أفهمنيه الواقع الذي عشته بعد فقدها ....
عدت من المقبرة كسير البال أبك الدم قبل الدمع وأردد
إنا لله و إنا إليه راجعون ..
قدر الله و ما شاء فعل ..
اللهم أجرني في مصيبتي و اخلف لي خيرا منها ..
إن القلب ليحزن و إن العين لتدمع و إنا على فراقك يا دلال لمحزونون ... بعد أن فرغنا من العزاء ذهبت لأرى صغيرتي مها في بيت جدتها ..
دخلت إلى فناء البيت فوجدتها تلعب مع بنات خالاتها لعبة " فتاحيه وردة "
لما رأتني أسرعت إلى و ضمتني فحملتها و قبلتها و هي تركز النظر في عيناي و كأن شيئا قد لفت انتباهها ..
فقالت لي : " بابا متى نروح عند ماما ؟ "
حاولت أن أتماسك فلم استطع فبقيت محتضنا لصغيرتي و عيناي من خلف رأسها تذرفان الأدمع تلو الأدمع ..
نسيت نفسي و أنا أبكي بين يدي صغيرتي .. أحسست بأني طفل صغير يحتضن أمه ..
لقد وجدت في صدر صغيرتي الدفء ..
كيف لا أجده و هذه الصغيرة قطعة مني ...
أفقت على يد صغيرتي و هي تمسح الدموع على خدي ..
لقد فضحتني عيناي .. ماذا أفعل يا رب .. فقبلتها و دعوت الله من قلبي أن يسلي صغيرتي مها ..
و يجبر مصابها بفقدها لأمها ...

دخلت حبيبتي مها الرابعة من عمرها .. و كانت قد افتقدت أمها كثيرا بعد وفاتها ...
و عاشت حياتها متنقلة بين منازلها الثلاثة ..
فكانت تمضي أيام الاسبوع في بيت ( خالة أديم ) كما هي تقول .. لتذهب معها إلى دار التحفيظ و تتعلم منها أخلاق المؤمنة و أدبها و همتها .. فأديم هي تلميذة دلال رحمها الله و دلال هي التي أوصت بذلك ..
و في أيام آخر الأسبوع تأتي لزيارة والدي و والدتي و أهلي ثم تذهب لزيارة جدتها و أخوالها ...
أما أنا فكنت آخذها كل يوم وقت الظهيرة و نذهب سويا فنتناول الآيس كريم غالبا ...

ذات يوم .. عرضت لي والدتي الزواج من إحدى قريباتنا فرفضت ذلك رفضا قاطعا ..
ألحت علي كثيرا فأجبتها : " لن أجد أبدا مثلا دلال "
تدخلت أختي الكبرى و قالت : "طيب ماذا عن أديم .. نسخة من دلال ؟ "
قلت : " أديم نعم الفتاة .. لكنها صغيرة و الأفضل لها أن تتزوج شابا قريبا من عمرها .. فإني أخشى أن اظلمها .. فهي فتاة في عمر الزهور و الخطاب من الشباب عليها كثير .."
لم تقنعهم أجوبتي كثيرا فكرروا إصرارهم على الزواج و كررت الرفض ..

بعد أسبوع جاءتني بعثة من العمل لحضور إحدى الدورات في لندن و كانت مدتها قرابة العشرة أيام تقريبا ...
كان زميلي في رحلتي هذه أحد الشباب المتميزين في مجال وظيفته و في مجال دعوته و اسمه طارق ..
كانت مها لا تفارق فكري و خيالي في هذه الرحلة ..
ففي كل مكان أرى مها فيه و هي تبتسم و تقول : " بابا لا تنس الهدية " ..
فأتمتم في نفسي : " أنسى كل شيء إلا هديتك يا صغيرتي " ..

في اليوم الخامس من الدورة طُلب مني أنا و زميلي طارق أن نقدم بعض المشاريع التي قامت بها شركتنا ..
فبذلنا قصارى جهدنا في إخراج العرض بطرقة مغرية و رائعة ..
و كان زميلي طارق يتقن الانجليزية جيدا و الحمدلله .. و يتكلمها كما ينطقها أهلها ..
كان هذا العرض سيقام في إحدى قاعات الجامعات و سيحضره عدد كبير من منسوبي الشركات و الكادر الأكاديمي ..
تم العرض بطريقة مغرية للغاية و بفكرة جديدة في الطرح فاستمتع الحضور كثيرا .. كما كنا نتعمد الربط بين أفكار المشروع و أخلاق المسلمين .. فامتلأت القاعة بالحضور و ازداد انتباه الحاضرين لأنهم لم يسمعوا عن كلام مثل هذا من قبل ...
انتهى العرض فبدأ الحضور يلتفون حولنا و يصورنا و يسألوننا و يطلبون عناويننا البريدية و نحن في حالة من الذهول !!
كل هذا بسبب نبذة بسيطة عن أخلاق المسلمين ..
كان أكثر المتجمهرين من النساء و خاصة ما فوق الأربعين .. اللواتي رمتهن حضارة الغرب الزائفة .. فلا مكان للمرأة عند الغرب إلا في سن شبابها و جمالها ..
أما ما ان تتجاوز الثلاثين .. حتى ترمى كما ترمى علبة العصير بعد أن يفرغ المشروب الذي تحتويه ...

و في الغد .. بينما طارق يعّد لنا الغداء طُُرق الباب .. قمت لأنظر من فتحة الباب فرأيت زي امرأة فاعتذرنا عن استقبالها ..
كررت طرق الباب و قالت أنها تريدنا في أمر هام ..
قال لي طارق : " افتح لها فلربما تحتاجنا في أمر هام "
رفضت أنا تماما و أخبرته أني عشت في لندن أشهرا قبل سبع سنوات و أعرف ما فيها ..
رجعت إلى المرأة و أخبرتها أننا لن نفتح لها الباب ..
فتكلمت امرأة بجانبها كبيرة في السن و رجتنا أن نفتح لها الباب فهي تعرفنا ..
بعدما سمعت صوت المرأة الكبيرة اطمأنيت قليلا ففتحت لهما الباب ..
أول ما رأتني تلك المرأة الكبيرة نطق بأسمي بلكنتها الاعجميه : " أهمد !! "
ظننتها إحدى الحاضرات بالأمس فعرفت اسمي من هناك .. لكن المفاجأة عندما سألتني عن دلال ..
عقد الموقف لساني فلم أستطع التعبير .. فأخبرتني بأنها هي تلك الدكتورة التي أجرّت علينا منزلها يوم أن أتيت إلى هنا مع دلال رحمها الله قبل سبع سنوات و أمضينا في لندن بضعة أشهر ..
رحبت بها و سألتها عن حالها وعن ابنتها الوحيدة و زوجها ..
فأخبرتني بأن ابنتها ماتت في حادث سيارة مع عشيقها ..
أنزلت رأسي حزينا بأنها ماتت على الكفر ..
فبادرتني بالسؤال عن زوجتي دلال و هل هي أتت معنا هذه المرة ؟
نظرت اليها ثم أطرقت رأسي حزينا ..
فما أن أخبرتها بأنها ماتت رحمها الله حتى بكت بكاء مرّا .. و كأن المتوفاة ابنتها ..
بل لم تبك على ابنتها كما بكت على زوجتي ..
فلفت هذا الأمر انتباه طارق .. فبادرها بالسؤال عن سبب بكائها على زوجتي مع أنها لم يظهر عليها التأثر عندما أخبرتنا عن وفاة ابنتها ..
فاجابته و هي تنشج من البكاء : " دلال كانت تهتم فيني ... و كانت طيبة القلب .. كريمة الأخلاق ... أما ابنتي فلم تكن تهتم إلا بعشيقها "
ثم أخذت بيد رفيقتها و أقفلت راجعة إلى سيارتهما و الحزن يخيم عليها و البكاء يقطع نياط قلبها ..
ناداها طارق و قال لها و هو يبتسم : " دلال رحمها الله كانت تتخلق بأخلاق المسلمين .. الإسلام هو الذي أمرها بذلك " ...
أشرت برأسها و كأنها تعده أنها ستفتش عن الإسلام في صورته الحقيقية ..

وقفت متأثرا بعد ما حصل .. سبع سنين و أثر الأخلاق الطيبة و التعامل الحسن باق أثره في قلب هذه الكافرة ..
من الغد .. طلبت من أحد الاخوة المشاركين في أحد المراكز الإسلامية هناك أن يكون لنا محاضرة في المركز ..
تم التنسيق سريعا خلال يومين ..
ابتدأ طارق الكلمة و كان أسلوبه جميلا جدا .. كما أن شكله يضفي عليه هيبة و وقارا و حبا مع أنه ما زال في السادسة و العشرين من عمره ..
بعدها جاء دوري .. كان يبدو علي التأثر .. كنت أتكلم عن جمال أخلاق الإسلام و أثرها في قلب المدعوين ...
كنت أصف لهم صفات الداعية المسلم .. الداعية الذي يدعو بأخلاقه قبل أن يدعو بأقواله ...
الداعية الذي يحمل هم هذا الدين .. الداعية الذي ينجح في كسب قلوب الآخرين بابتسامته و عطفه و حنانه و مساعدته للآخرين ...
" أين أنتم من تعامل رسول الله صلى الله عليه و سلم مع جاره اليهودي ؟
انظروا إلى آثار ما تفعلونه و تعملونه من الخير في قلوب الآخرين " ...
ثم قصصت عليهم قصة العجوز مع زوجتي رحمها الله فبكى الحضور و بدأت عليهم علامات التأثر ....

بعد انتهاء الدورة رجعنا إلى السعودية محملين بكثير من الهدايا ..
كان الهاجس الوحيد هو أن أرى مها .. فكل حقيبتي هدايا لها و لوالدتي و والدي حفظهم الله ..
ما إن وصلت إلى البيت و سلمت على أهلي حتى اتصلت على مها في بيت جدتها فقد كنت متشوقا لرؤيتها كثيرا ..
كنت أسمع صراخها فرحة بوصولي عندما أخبرتها جدتها بذلك .. أخذت السماعة من جدتها و بدأت تبكي و هي تقول : " بابا تعال عندي " ..
قلت لها و أنا أبكي فرحا بسماع صوتها : " الحين ابجي عندك حبيبتي .. و جبت لك هدية حلوووووة "
أختلط ضحكها ببكائها و هي تقول : " بابا .. تعال .. تعال بسرعة .. "
أغلقت سماعة الهاتف و اتجهت بسيارتي إلى بيت جدتها ..
ما إن وصلت عند الباب حتى خرجت صغيرتي مسرعة فضمتني و هي تضحك و الدمع ما زال في عينيها ..
حملتها داخل السيارة و بدأت أقبلها و أنظر إليها فأقول : " ما شاء الله كبرت يا مها "
فتضحك فرحة مسرورة و هي تلعب بلحيتي ..
سألتها : " وش تتوقعين هديتك يا مها ؟ "
فضمت يديها و بدأت تقلبها ثم وضعتها تحت ذقنها بتغنج الفتاة المتقنة لذلك و ابتسامتها العريضة قد ملأت وجهها اشراقا ..
ثم قالت : " اممممممم ما ادري !! "
فتحت شنطة السيارة و أخرجنا هديتها فطارت بها فرحا و ركضت بها إلى جدتها لتريها هديتها ..
وقفت أنظر اليها .. ثم تمتمت في نفسي : " يا رب احفظها لي و اجعلها من الداعيات إلى دينك .. يا رب أصلحها و أصلح بها " ...

كبرت صغيرتي مها حتى وصلت السادسة من عمرها ..
عند ذلك أدخلناها المدرسة الابتدائية القريبة من بيت ( خالة أديم ) ..
كانت شعلة في النشاط و الحيوية .. كما كانت ذكية متفتحة العقل و الفكر ما شاء الله عليها ..
في أول شهر جاءنا خطاب شكر من المدرسة على حسن تربيتها و تفوقها ..
ثم توالت خطابات الشكر و الإعجاب بخلقها و حسن تربيتها ..
ثم بعد ذلك توالت الرسائل من معلماتها في كيفية تربية مها هذه التربية الإسلامية ...
لقد كانت صغيرتي لا تفتأ عن نصيحة الجميع بأسلوب جميل و كأنه أسلوب والدتها دلال رحمها الله .. ذات يوم كانت مها تمشي مع معلمتها هند و التي تحبها كثيرا ..
فرأتها إحدى المعلمات فأرادت أن تقبلها .. فلما اقتربت من وجهها ابعدت مها وجهها فجأة و بسرعة و كانت تنظر إلى وجه المعلمة و كأنها رأت ما يسوؤها .. فزعت المعلمة لهذا الفعل فسألتها : " وش فيك حبيبتي ؟ "
فقالت صغيرتي : " هذا ما يحبه ربي " و اشارت إلى حواجب تلك المعلمة ..
تقول تلك المعلمة : كنت اقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لعن الله النامصة و المتنمصة " و لكنني لم أعيه بقلبي إلا الآن ...

كانت الاتصالات من زميلاتها لا تقف عن بيت أديم .. فقد كانوا يحبونها كثيرا ..
و دائما ما كانت صغيرتي تقص لي قصصها مع زميلاتها و هي تنصحهن و تعلمهن على أخطائهن ..
و كم مرة قرأت رسائل صديقاتها الصغيرات في حقيبتها ..
" أحبك يا مها " .. " ياليتنا خوات " .. " مها أحسن صديقة عندي " .. " مها و لجين أحلى وردتين " ..
و حتى أن الكثيرات منهن شاركن معها في دار التحفيظ ليحظين بالقرب منها .. و حتى يكن من صديقاتها المقربات ..

أخذتها ذات يوم إلى السوق لنشتري لها بعض الأغراض التي تحتاجها ..
كنا نسير في أحد الممرات و كانت صغيرتي ممسكة بيدي ..
فجأة تركت مها يدي و ركضت تجاه مجموعة من النسوة يدخلن أحد المحلات ..
ركضت وراءها و أنا اناديها : " مها .. مها .. "
فدخلت معهن المحل ثم أمسكت بعباءة إحداهن ..
نظرت إليها تلك المرأة مستغربة .. فأنزلت اليها رأسها ..
فهمست إليها صغيرتي و أنا أرى الموقف من خارج المحل ..
فقامت هذه المرأة فقبلت صغيرتي و هي تضحك ..
فلما رجعت مها سألتها : " وش قلتي للحرمة ؟ "
قالت : " قلت لها ربي ما يحب هذي العبات " ...
فقمت و قبلتها بين عينيها و شكرتها .. و قلت في نفسي ما شاء الله عليك تعرفين تفرقين بين عباءة الكتف و عباءة الرأس ..
لقد ذكرتيني يا صغيرتي بأمك رحمها الله في نشرها للخير ...

انتهينا من شراء أغراضنا .. فلما أردنا الخروج فإذا بذلك الصبي الذي يجلس على قطعة كرتون بجانب الباب .. و أمامه مسجل و بعض الأشرطة .. و قد رفع صوت المسجل بأحد أشرطة الأناشيد و التي فيها دف ..
انطلقت اليه مها و هي تحمل كيستها الصغيرة و قد بان على وجهها الغضب ظنا منها أن هذا الصوت صوت غناء ..
فوقفت أمام هذا الصبي و قالت بصوت عالي : " حرااااااااااام .. حراااااااااااام .. قال صلى الله عليه و سلم ( المسلم أخو المسلم ... ) " ... فلم تحفظ صغيرتي سوى هذا الحديث و لذلك استشهدت به ..
المهم أن الصبي لما رأى حماس مها في الإنكار و وقوفها أمامه بهذه الهيئة قام فأطفأ مسجله على الفور ..
ثم عادت صغيرتي إلى أدراجها سالمة ...
في الفصل الثاني من سنتها الأولى في المدرسة .. طلبت مني صغيرتي أن تلبس العباءة فقد كبرت على حد قولها .. كنت أضحك عندما كانت تتصل على هاتفي الجوال فتذكرني بأن لا أنسى أن اشتري لها العباءة ..
بل و تقول " أبغى عباة راس " ...
ضحكت من أسلوبها و هي تحرصني أن أشتري لها هذه العباءة ..
بعد أول يوم دراسي في هذا الفصل .. ذهبت لأخذها كعادتي في وقت الظهيرة .. فوجدتها حزينة كسيرة البال ..
سألتها عن السبب فرفضت أن تجيبني ..
بل أنها أبت أن تأكل الآيس كريم ذلك اليوم ..
ألححت عليها .. فأخبرتني أخيرا " ليه ما جبت لي عباءة راس ؟ اليوم رحت المدرسة و الرجال شافوني " ضحكت كثيرا و قهقت .. فغضبت أكثر ..
فلما رأيت ذلك منها قلت لها : " الحين نشتري لك عباة "
فعلا بعد العصر مررنا أحد المحلات فلم نجد عنده بمقاسها ..

فطلبت منه أن يخيط لنا عباءة رأس بمقاس صغيرتي .. فلما سمعت ذلك انفرجت أساريرها ..
بعد ثلاثة أيام لبست صغيرتي مها عباءة الرأس في ذهابها إلى المدرسة ..
ما أجملها و أنت ترى تلك الفتاة الصغيرة بعباءة المرأة المحتشمة .. شامخة بحجابها .. رافعة رأسها و كأنها إحدى المعلمات .. مضى اليوم الأول بعد أن لبست العباءة و هي لا تكاد تحملها الأرض من الفرحة و السرور ..
كل المعلمات أتين ليرينها بعباءتها .. حتى أنها أبت أن تخلعها في الفصل حتى أتت معلمتها هند فأقنعتها بذلك ..
ثم قامت معلمتها هند فأقامت لها حفلا صغيرا في المدرسة حتى يتعلمن منها الأخريات ..
فتحفزت همم صديقاتها و بدأن ينكرن على أخواتهم ممن يلبسن عباءة الكتف .. و كل واحدة تقول للأخرى : " إذا كبرت أبلبس عباة راس " لما سمعت إحدى معلمات المرحلة الثانوية في إحدى المدارس عن الخبر من طريق زميلتها المعلمة في مدرسة ابنتي مها .. أرسلت إلينا بخطاب تطلب منا أن نُحضر مها إلى المدرسة الثانوية في يوم الثلاثاء القادم لأنهم سينظمون برنامجا عن أهمية الستر و العفاف الظاهري و الداخلي و ستكون صغيرتي ملكة الحفل عندما تدخل عليهم شامخة بعباءتها الصغيرة ..
لبينا طلب المعلمة و طارت صغيرة فرحا بهذا الخبر .. فهي ستلبس عباءتها و تدخل إلى مدرسة البنات الكبيرات ..
كانت مها تنتظر ذلك اليوم بفارغ الصبر ..
و كنت أشجعها فأعد العدة معها و أشتري لها ما تحتاجه في ذلك اليوم ..
فشراب أسود جميل و ساتر .. و قفازان صغيران .. و باقة من الأشرطة المختارة لتوزعها على من تقابلهن من الفتيات ...

في يوم الثلاثاء و بعد صلاة الفجر ..
رجعت لأوقظ صغيرتي لتصلي ثم تستعد للذهاب إلى المدرسة ..
فقد نامت مها عندي ليلة البارحة لأن ( خالة أديم ) متعبة .. و المدرسة الثانوية قريبة من بيتنا ..
أنا أعلم أن مها لم تكد أن تنام تلك الليلة من شدة فرحتها ..
أيقظتها فقامت بسرعة ثم ذهبت لتتوضأ و تصلي ..
بقيت في غرفتي أنتظرها ..
كنت أتفكر في هذه الفتاة الصغيرة و كم السرور أدخلته على قلبي بفضل الله ..
فقمت أحمد الله كثيرا على فضائله و نعمه التي لا تعد و لا تحصى ..
كنت أتفكر في نفسي .. هل كنت أنا هكذا عند والديّ رعاهما الله ..
هل هما يحباني كما أحب أنا مها ..
بالتأكيد نعم ...
سقطت دمعاتي و أنا أسمع والدتي تناديني أنا و مها لوجبة الإفطار ..
كنت أتصورها تحبني كما أحب أنا مها ..
بقيت أتذكر مواقفي و أنا صغير مع والدي و ووالدتي ..
بقيت أتفكر في قلب الأم ..
فتذكرت قلب الأم و حنانها ..
و تذكرت قلب الأم و أثرها على أبنائها ..
و تذكرت قلب الأم و كيف أنها تستطيع أن تصنع جيلا لا يطأطأ الرأس و يتمنى الخير لكل الناس ...

أمسكت بقلمي فكتبت : " أمي .. كم أنا أحبك ... "
قطع حبل أفكاري صوت مها : " بابا كذا حلوة ؟ "
إلتفت إليها فرأيتها شامخة بعباءتها ..
ابتسمت ..
ضحكت ..
فرحت بجمالها و كمال أنوثتها ..
فرحت بجمال روحها و أدبها و رزانتها ..
رجعت الى ورقتي فكتبت فيها :
" أبي أحبك من أعماق قلبي .. "
قاطعتني مها :
- بابا وش تكتب ؟
- أكتب رسالة ..
- لمين ؟
- لماما فاطمة ..
- بابا .. أكتب رسالة لماما دلال و قلها إني كبرت ..
نزلت قليلا عن السطر الذي كتبته ..
ثم كتبت تحته :
" زوجتي الغالية دلال .. مها كبرت "

~.~.~.~.~.~.~.~.~.~

في الختام ..

الحمدلله أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا ..
اللهم لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ..

أرجو من الله العلي القدير أن تكون هذه القصة قد نالت على رضاه أولا ..
ثم نالت و لو شيئا قليلا من رضاكم و إعجابكم ...

--------------
من أراد نشرها فله ذلك ..
بشرط أن ينقلها كما هي كاملة حتى نهاية هذه الجملة ...

لكم مني أطيب تحية ,,
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,,,
[email protected]
. . .
  • 27
  • 1
  • 78,308
  • أبو عمير

      منذ
    بكيت كثيرا والله، اللهم احفظها وارزقنا وجميع المسلمين البنات الصالحات والزوجات الصالحات اللهم آمين
  • محمد

      منذ
    [[أعجبني:]] كلهاأعجبتني واثرت فيني كثير. أقسم بالله أنها قصة موثرة من أولها إلى أخرها.أخي الكريم جعل الله قصتك المنيره مصباح منير ينير به قلوب كثير من نساء ورجال هذه الأمة. وجزاك الله الف خير. وجعل الله يجمعك بام مهند في الجنه ويحفظ لك الصغيره.
  • منير شهوان

      منذ
    [[أعجبني:]] اقسم بالله ان قصتك جدا مؤثرة ,,, رحم الله زوجتك ,,, الله يحميلك بنتك ,,, اللهم امين
  • ابو عبدالرحمن

      منذ
    [[أعجبني:]] بارك الله فيك اخي ونفع بقصتك الكثير
  • ام الصديق

      منذ
    [[أعجبني:]] واللة لقد احسست بتقصيرى مع أولادى بعد قراءة هذا المقال,اللهم ارحم دلال واجمعنا بها فى الفردوس الأعلى,اللهم ربى لنا اولادنا
  • آية

      منذ
    [[أعجبني:]] زوجتى الغاليةمها كبرت
  • المجاهده

      منذ
    [[أعجبني:]] ماشاء الله لاقوه الا بالله لقد أثرت فى هذه القصه وابكتنى كثيرا لقد اعجبنى ايمان المرأه الصالحه وثباتها على امر الدين ونشر الدعوه الى الله واعجبنى تربيه الطفله الصغيره على الايمان وحبه ادعوا الله ان يرزقنا مثل ذالك وان ثيبتنا
  • نورا

      منذ
    [[أعجبني:]] لاأدري أذا كانت هذه القصة من نسج الخيال أم حقيقية ولكنها تبقى مقالة مؤثرة وفيها عبرة ونموذج للعائلة المسلمة التي تنهج النهج الأسلامي في تربية أولادها
  • ابو محمد الفلسطيني

      منذ
    [[أعجبني:]] التربيه الحسنه للاولاد واتمنى من الله من كل قلبي ان يرزقني الزوجه الصالحه والدريه الصالحه مثل هده الفتاه الاموره
  • أبو عائشة

      منذ
    [[أعجبني:]] بارك الله لك أخي الكريم.. و الله لقد ايقظت فينا حب العمل لدين الله واثر الاخلاق في مجال الدعوة الى الله

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً