نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

تنبيه الغافلين - (2) ماذا تقول لربك غدا

منذ 2018-01-01

لما فقدت أمة الإسلام هذا الميزان فقدنا طريق الفلاح وسهل علينا الفرقة والخلاف وسهل علينا حب الذات والجري وراء الملذات والرضي بسفاسف الأمور وحب الخمول فلو استشعر كل منا المقام بين يدي الله وأعددنا له جوابا لجرنا ذلك نحو النجاة التي نحن الآن في أمس الحاجة إليها.

(2) ماذا تقول لربك غدا

بسم الله الرحمن الرحيم..

تخيم فترات من الظلام على حياة الأفراد والأمم.. يحلوا فيها الكسل، وتخبوا فيها الهمم، لكن تظل كثير من المفاهيم والثوابت منارات على قارعة الطريق، يهتدي بها من يريد أن يفلت من هذه الحالة الحالكة، وتكون بمثابة القشة التي يبحث عنها الغريق، يتلمس بها النجاة، أو كنجوم السماء تدل على الطريق للسائر في الظلام.

 

تلك المفاهيم والثوابت لا تتغير ما دام الليل والنهار، وما دامت السماوات والأرض، تناساها البعض وتنكر لها آخرون، ولذلك لا غرابة أن تتداعى الأمم علينا كما تتداعى الأكلة على قصعتها، وفي هذه الفترة الحرجة من حياة الأمة الإسلامية، يتحتم علينا العودة إلى تلك المفاهيم والثوابت، نعيشها قولا وعملا، كي نعود إلى المجد المفقود، ونخرج من عالم الأزمات إلى مقدمة ركب الحضارة والتقدم.

 

وعلى غرار قاعدة {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} نعيش في هذه الأسطر القليلة مع بعض هذه المفاهيم والثوابت، نذكر النفس ونذكر أمتنا بطريق المجد الذي غاب عنا وغبنا عنه.

 

ماذا تقول لربك غدا:

روى الذهبي في تاريخ الإسلام، بعد أن ذكر مشورة أبى بكر -رضي الله عنه- لكبار الصحابة في عزمه على تولية عمر بعده: (فقال قائل: ماذا تقول لربك عن استخلافك عمر وقد تري غلظته؟ فقال أجلسوني، ثم قال: أبالله تخوفوني؟ أقول: استخلفت عليهم خير أهلك ).

 

وعن الأحنف بن قيس قال: كنت مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فلقيه رجل، فقال له: يا أمير المؤمنين انطلق معي فأعدني على فلان فقد ظلمني، فرفع عمر درته وخفق بها رأس الرجل، وقال له: تدعون أمير المؤمنين وهو معرض لكم مقبل عليكم، حتى إذا شغل بأمر من أمور المسلمين أتيتموه أعدني أعدني، فانصرف الرجل غضبان آسفا. فقال عمر: علي بالرجل، فلما عاد ناوله مخفقته، وقال له: خذ واقتص لنفسك مني، فقال الرجل: لا والله، ولكني أدعها لله وانصرف.

 

وعدت مع عمر إلى بيته، فصلى ركعتين ثم جلس يحاسب نفسه ويقول: ابن الخطاب كنت وضيعا فرفعك الله، وكنت ضالا فهداك الله، وكنت ذليلا فأعزك الله، ثم حملك على رقاب الناس، فجاءك رجل يستعديك فضربته فماذا تقول لربك غدا إذا لقيته؟.

 

وروى ابن كثير أن معاوية -رضي الله عنه- لما دخل على أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- فسلم عليها من وراء حجاب، وذلك بعد مقتله حجرا وأصحابه، قالت له: أين ذهب عنك حلمك يا معاوية حين قتلت حجرا وأصحابه؟!، فقال لها: فقدته حين غاب عنى من قومي مثلك يا أماه، ثم قال لها فكيف برى بك يا أمة؟ فقالت: إنك بي لبار. فقال يكفيني هذا عند الله، وغدا لي ولحجر موقف بين يدي الله عز وجل.

 

وروى ابن جرير أن معاوية جعل يغرغر بالصوت وهو يقول: إن يومي بك يا حجر بن عدي لطويل قالها ثلاث.

 

ما أروع هذا الميزان الذي يزن المرء منا به أفعاله في كل وقت (ما تقول لربك غدا؟).. هذا الميزان الذي بثه الإسلام في نفوس المؤمنين، ورباهم عليه، فحققوا أعظم حضارة وكانوا به خير أمة أخرجت للناس.

 

إن وجود الإنسان في هذه الحياة لغاية وهدف حدده الله له، حيث يقول جل شأنه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، وبكل ما تشمله كلمة العبادة أمر الله به الإنسان، بكل ما فيها من حث على الفضيلة ومجانبة الرذيلة، وبكل ما فيها من الأمر بالجد والإعمار في الأرض والتوكل وعدم التواكل، وبكل ما فيها من طهر ونقاء ورفعة ورقى، فهذا هو دوره الذي حدده الله له ورسم له المنهج لتحقيقه، فإذا أتى عليه يوم القيامة حاسبه على دوره هذا، وجعل الجنة للفائزين والنار لمن اعرض وكان من الكافرين.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيم فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» [رواه الترمذي]

 

«ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة» [متفق عليه].

 

وبمجرد يقين الفرد بأن الأيام إلى زوال، وأنه يقدم إلى ربه فيحاسبه على عمله, مجرد معايشة ذلك كفيل بأن يوجه الإنسان الوجهة الصحيحة، فيقبل على كل خير يفعله، ويعرض عن كل شر وتفاهة وخلود إلى الأرض حيث الرضي بالذل والهوان, فطريق فلاح المؤمنين هو هذا الميزان الرباني (ما تقول لربك غدا) الذي من وزن به أعماله اهتدى ونجا.

 

ولما فقدت أمة الإسلام هذا الميزان فقدنا طريق الفلاح وسهل علينا الفرقة والخلاف وسهل علينا حب الذات والجري وراء الملذات والرضي بسفاسف الأمور وحب الخمول فلو استشعر كل منا المقام بين يدي الله وأعددنا له جوابا لجرنا ذلك نحو النجاة التي نحن الآن في أمس الحاجة إليها.

 

يا من تمتع بالدنيا وزينتــها *** ولا تنام عن اللذات عيناه

أفنيت عمرك فيما لست تدركه *** تقول لله ماذا حين تلقاه

  • 4
  • 0
  • 474
المقال السابق
(1) العدل روح الأمم وحياة الشعوب
المقال التالي
(3) كونوا ربانيين
i