نداء: يا رب

منذ 2018-02-18

ما الذي استفدته بقرارات اليأس والإحباط والندب والعويل ولعن الظروف بل ولعن الحياة برمتها؟  وربما إنهاؤها كما فعل البعض مرة أخرى..

نداء: يا رب

قد يكون اليأس شعورا مريحا جدا:

إحساسك أنه لا فائدة وأنك مهما فعلت ومهما حاولت فلن تغير شيئا ولن تحدث أي فارق يذكر سيورثك بلا شك استرخاءً وهدوءان مرحليا لا شيء عليك ولا قيمة لكل ما تنوي أن تفعله فلماذا إذاً تفعله؟..

 

ستسعد كلما سخرت من فكرة الأمل وممن يحاولون بثها شعور باللامبالاة سيخيم عليك كلما رددت عبارات الإحباط والندم على كونك فكرت يوما في التغيير أو تمنيت أن تكون جزءاً من الحل ستجد تسكينا مؤقتا كلما دندنت بأغاني وشعارات ترسخ لفكرة الإحباط المطلق وستحصل على خدر لذيذ كلما نشرت ثقافة العدمية و الهروب من مواجهة الواقع وقررت إقناع نفسك إن (ما فيش فايدة) و (خلاص بايظة بايظ) ومن الحماقة أن تتعب نفسك لأجل إصلاح شيئ تم تدميره للأبد..

 

بعد فترة من راحة اليأس وخدر الإحباط ولذة سب ولعن الظروف والأشخاص سيملأ نفسك شعور بالاستعلاء والعظمة والتفرد كلما احتقرت هذا المكان الذي لم يفهمك، وأولئك الحمقى الذين لم يقدروا مواهبك، ولم يستمتعوا بنعمة وجودك بينهم..

 

ثم ماذا بعد؟

ماذا تتوقع بعد ذلك كله؟!

وماذا تريد؟

 

ما الذي استفدته بقرارات اليأس والإحباط والندب والعويل ولعن الظروف بل ولعن الحياة برمتها؟  وربما إنهاؤها كما فعل البعض مرة أخرى..

 

ثم ماذا بعد؟

ما الفائدة التي عادت على من سلك هذا الطريق حتى بلغ نهايته؟

أو حتى من أنهاه بيده!

وهل انتهى الأمر حقا؟

 

دعني أسألك أيها المحبط المتألم أتظن أنك وحدك من يتألم؟

أتحسب أن الإحباط حكر عليك؟

يا لك من واهم..

 

يا عزيزي هذه دار كبد ومحل ابتلاء وكلنا يجد ذلك أحيانا بل كثيرا جدا توجد الآلام وستوجد دوما وتتزايد وستتزايد..

 

تتضافر الإحباطات وتتكاثر:

يرحل الأحبة تباعا ويغدو الكوكب مكانا موحشا وتزداد وحشته يوما بعد يوم يدعوك جل ما حولك ومن حولك لليأس ويدفعك بيد غليظة للقنوط يدعوك جلد الفاجر وبأس المنافق ويدفعك عجز الثقة وأحيانا حماقته دمعات حزينة تجد طريقها أحيانا من قلب مكلوم إلى عين دامية سرعان ما تتحول إلى غصة خانقة تنمو تدريجيا لتكتم أنفاس الأمل في حلقك الجاف كلما تصاعد من حولك عبق الخسة المقزز وعصفت بك رياح الكذب المنتنة التي تفوح من أفواه الأوغاد اللزجة كلما فتحوها لينبسوا ببنات سفاح من بين شفاههم الشامتة الحاقدة وليزينوا بباطلهم السخيف نواصيهم الكاذبة الخاطئة مهما تجلد المرء فإنه يجد كل ذلك أحيانا..

 

بل أكرر: كثيرا..

وكثيرا جدا..

 

لكنه يعود ليفكر مليا..

هل يملك المرء ترف اليأس؟

هل لديه خيار الإحباط؟!

هل آن أوان الركون والاستسلام؟

وهل لذلك الأخير أوان أصلا؟

 

اليأس ليس مجرد خيانة كما يحلو للبعض أن يردد:

اليأس قرين الكفر لا ييأس من روح الله إلا الكافرون ولا يقنط من رحمته إلا الضالون {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [سورة يوسف 87].. {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [سورة الحجر 56]

 

لكن لماذا؟

لماذا كان اليأس في القرآن قرين الكفر والضلال؟

لماذا لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون؟

لماذا هذا القصر و الحصر الحاسم الذي يحمله ذلك النفي والاستثناء؟

 

لو تدبرت هنيه لوجدت أن القوم الكافرين فعليا هم فقط من يملكون هذا الخيار الكئيب إنهم لا يعرفون ربك ولا يؤمنون به..

لا يعرفون ربا قريبا سميعا مجيبا..

لا يعبدون ربا قديرا مقتدرا يقول للشيء كن فيكون..

لا يؤمنون برب فتاح نصير ولي عزيز..

ولا يصدقون بحياة أخرى تُرد فيها مظالم ويقتص فيها من كل ظالم ويعوض فيها الكثير من النقص والحرمان الدنيوي..

إنهم يعتبرون كل ما سبق مجرد ترهات أو مخدرات فكرية أو كما يحلو لبعضهم تسميتها "أفيون الشعوب"..

 

لذلك هم يُوكلون لأسبابهم القاصرة وأنفسهم الضعيفة وحياتهم العاجلة فيهلكون في غيابات الجُبِّ جُبِّ اليأس المظلم هؤلاء فقط هم من يملكون هذا الخيار الكئيب الكافرون من لا يعرفون ولا يؤمنون وأنت لست منهم وما ينبغي لك..

 

يفترض أنك تؤمن بما لا يؤمنون..

وتعرف ما لا يعرفون ومن لا يعرفون..

 

تعرف ذلك الرب الديان و تؤمن بطلاقة قدرته وكمال علمه وحكمته وتعرف أن بينك وبينه ميعادا لن تُخلَفه وتعرف أنه رب قدير مقتدر يقول للشيء كن فيكون..

 

وتؤمن أنه رب قريب سميع مجيب رب فتاح نصير ولي عزيز يكشف السوء ويجيب المضطر ويحيي الأرض بعد موتها..

 

إن يكلك إلى نفسك هلكت ومن ثم يأست..

 

وإن يتول أمرك نجوت بإذنه وهو يتولى الصالحين لكن تأمل الشرط الصالحين الصلاح شرط لاستحقاق الولاية إن حققته أو على الأقل بذلت وسعك لنيله فعندئذ يشرق القلب بحسن الظن وتنسكب على ثنايا الفؤاد عطور الفأل الحسن المفعمة بعبير الأمل ممزوجا برحيق العمل..

 

حينها تزول الغصة تدريجيا وتتلاشى الغشاوة ويستطيع المرء أن ينفض عنه غبار الإحباط المتراكم ويضع عن روحه آصار القنوط وأغلال اليأس ويكمل طريقه أو حتى يبدأه من جديد بينما يحدوه في ذلك الطريق نداءٌ واحدٌ لواحدٍ

 

نداء: يا رب..

  • 5
  • 0
  • 1,334

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً