حكم الاستهزاء بالقرآن

منذ 2018-05-14

ينبغي أن يُحاسب كلُّ مَنْ يستخفُّ بالآيات الكريمة ويتَّخذها للغناء والطَّرَب واللَّعب، فإذا لم يُحاسب مَنْ يفعل ذلك، فقد ينفتح باب واسع للتَّلاعب بشعائر الإسلام، والطَّعن في الذَّات الإلهيَّة، وصفات الله تعالى.

المسلمون كلُّهم مجمعون على وجوب احترام كلام الله تعالى، وتعظيمه، وصيانته عن العيوب والنَّقائص.

 

فالقرآن كلام الله عزَّ وجلَّ، وهو صفة من صفاته، والله تعالى لم يزل متكلِّماً إذا شاء، كما دلَّ عليه الكتاب، والسُّنة، وقاله علماء الإسلام.

 

فالاستهزاء بكلام الله تعالى، أو كتابه، أو محاولة إسقاط حرمته ومهابته كفر صريح لا يُنازع فيه أحد، قال الله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65-66].

 

هذه الآية الكريمة نصٌّ في كفر من استهزأ بالله تعالى، وآياته، ورسوله، سواء استحلَّ ذلك أو لم يستحل، فمجرد الاستهزاء بالمذكورات ردَّة عن الدِّين بإجماع علماء المسلمين، ولو لم يقصد حقيقة الاستهزاء، كأن يكون مازحاً أو هازلاً.

 

وقد جاء عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - أنه سَمِعَ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنَّ العَبْدَ لَيَتكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ، أَبْعَدَ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»[1].

 

وعن بلالِ بنِ الحارِثِ المُزَنِي صاحِبِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يقول: سَمِعْتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنَّ أحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِن رِضْوَانِ اللهِ ما يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ ما بَلَغَتْ، فَيَكْتُبَ اللهُ لَهُ بها رِضْوَانَهُ إلى يَوْم يَلْقَاهُ، وَإنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ ما يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبَ اللهُ عَلَيْهِ بها سَخَطَهُ إلى يَوْمِ يَلْقَاهُ»[2]. وإذا كان هذا الوعيد المذكور في مجرَّد كلمة، فكيف بمَنْ يستهزئ بكلمات الله تعالى؟!

 

الإجماع على كفر الاستهزاء بالقرآن:

وقد أجمعت الأمَّة على كفر مَنْ استهزأ بالقرآن العظيم، أو بشيء منه، ولو كانت آية واحدة، وممَّن صرَّح بحكاية الإجماع: القاضي عياض، والإمام النَّووي، والقاضي ابن فرحون المالكي - رحمهم الله تعالى - وفيما يلي نقل أقوال العلماء في ذلك:

 

1- القاضي عياض - رحمه الله - يحكي إجماع المسلمين على كفر من استهزأ بالقرآن العظيم، أو بشيء منه، فيقول: «اعلم أنَّ مَنْ استخفَّ بالقرآن أو بالمصحف، أو بشيء منه، أو سبَّهما... فهو كافِرٌ بإجماع المسلمين»[3].

 

2- الإمام النَّووي - رحمه الله - يحكي الإجماعَ صراحةً بقوله: «وأجمعوا على أنَّ مَنْ استخفَّ بالقرآن، أو بشيء منه... كَفَر»[4].

 

3- القاضي ابن فَرْحون المالكي - رحمه الله - يحكي إجماع أهل العلم على كفر من استخفَّ بالقرآن، قائلاً: «ومَنْ استخفَّ بالقرآن، أو بشيء منه، أو جَحَده، أو حرفاً منه، أو كذَّب بشيء منه، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك، أو شكَّ في شيء من ذلك، فهو كافر بإجماع أهل العلم»[5].

 

4- الإمام الشَّافعي - رحمه الله - حيث قال: «... مَنْ ذَكَرَ كتابَ الله، أو محمداً رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أو دِينَ الله بما لا ينبغي... فقد نقض عهده، وأُحِلَّ دمُه، وبرئت منه ذمَّةُ الله عزَّ وجلَّ وذمَّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم»[6].

 

وكذلك نُقِلَ عن الشَّافعي أنه سئل عمَّن هزل بشيء من آيات الله، أنه قال: هذا كافر، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65-66][7].

 

5- شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - حيث قال: «وليس لأحد استعمال القرآن لغير ما أنزل الله له... ثمَّ إنْ أخرجه مخرج الاستخفاف بالقرآن، والاستهزاء به، كَفَر صاحبه»[8].

 

6- نصوص علماء الحنفيَّة - رحمهم الله تعالى:

 

* جاء في الفتاوى البزَّازيَّة:

«ادخال القرآن في المزاح، والدُّعابة كفر؛ لأنَّه استخفاف به»[9].

 

* وفي يتيمة الفتاوى:

«مَنْ استخفَّ بالقرآن، أو بالمسجد، أو بنحوه مما يُعظَّم في الشَّرع كفر».

 

* وفي جواهر الفقه:

«مَنْ قيل له: ألا تقرأ القرآن، أو ألا تُكثر قراءته؟ فقال: شبعتُ أو كرهتُ، أو أنكر آية من كتاب الله، أو عاب شيئاً من القرآن... كفر».

 

* وفي الفتاوى الظَّهيرية:

«مَنْ قرأ آية من القرآن على وجه الهزل يكفر»[10].

 

أمَّا بعد: فهذا هو المنقول عن علماء المسلمين على كفر مَنْ استهزأ بالقرآن العظيم، أو بشيء منه، عامداً متعمِّداً.

 

عقوبة المستهزئين بكلام الله تعالى:

من المنكر العظيم في القرن العشرين اتِّخاذ آيات القرآن هزواً عن طريق الغناء والعزف عليها بالموسيقى، فالقرآن الكريم - الذي هو كلام الله تعالى - له قدره ومكانته في قلوب المسلمين، فالاستخفاف بحرمته، والاستهزاء بشيء منه جرم كبير، وذنب عظيم.

 

والله تعالى يقول: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴾ [الطارق: 13-14]. فكلُّ مَنْ اتَّخذ شيئاً من آيات القرآن الكريم للهزل والغناء، والرَّقص والطَّرب، فقد اتَّخذها هزواً ولعباً.

 

وقد توعَّد الله المستهزئين بكلامه وآياته، بالعذاب المهين، في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [الجاثية: 9].

 

وفي قوله تعالى: ﴿ وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمْ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ [الجاثية: 34-35].

 

فينبغي أن يُحاسب كلُّ مَنْ يستخفُّ بالآيات الكريمة ويتَّخذها للغناء والطَّرَب واللَّعب، فإذا لم يُحاسب مَنْ يفعل ذلك، فقد ينفتح باب واسع للتَّلاعب بشعائر الإسلام، والطَّعن في الذَّات الإلهيَّة، وصفات الله تعالى، والطَّعن بأعظم شيء يفتخر به المسلمون.

 

بقلم/ محمود بن أحمد الدوسري.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه مسلم، كتاب الزهد والرقاق، باب: التَّكلُّم بالكلمة يهوي بها في النار (4/2290) (ح2988).

[2] رواه الترمذي، كتاب الزهد، باب: ما جاء في قلَّة الكلام (3/382) (ح2421). وقال: «حديث حسن صحيح». وصحَّحه الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: (2/269) (ح1888).

[3] الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى (2/110).

[4] المجموع (2/193). وانظر: صحيح مسلم بشرح النووي (6/88).

[5] تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام (2/214).

[6] مختصر اختلاف العلماء، للجصَّاص (3/505).

[7] انظر: الصارم المسلول، لابن تيمية (ص514).

[8] مختصر الفتاوى المصرية - لابن تيمية، اختصار: محمد بن علي البعلي (ص578).

[9] الفتاوى البزازية، لابن البزاز (3/338).

[10] تهذيب رسالة البدر الرشيد في الألفاظ المكفرات، لمحمد بن إسماعيل الرشيد (ص22-23). وانظر: شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة النعمان، لملا علي قاري (ص250-254).

 

بقلم/ محمود بن أحمد الدوسري.

  • 2
  • 0
  • 2,513

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً