نحو تجديد العقل المسلم - (١٠) كلكم راع

منذ 2019-07-16

كل مسئولية في دولة أو كيان أو مؤسسة أو أسرة تستلزم من القائم عليها أن يعمل بجد ونشاط ومثابرة وأن يستعين في هذا بكل الوسائل والأدوات المتاحة حوله لينهض بهذه المسئولية.

شاهدت أمس المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الأمريكي في ختام مؤتمر مجموعة الـ ٢٠.
أرى ترامب دائما شخصية عنصرية بغيضة، لكني لاحظت أمرا هاما ولافتا في مؤتمره أمس.

استغرق المؤتمر أكثر من ساعة، تلقى فيها ترامب أسئلة كثيرة ومتنوعة تخص العلاقات الدولية والأزمات الكبرى (إيران، إدلب، الحرب التجارية، تركيا، حرب اليمن، فنزويلا، روسيا، هواوي، خاشقجي، ..) والمشاكل الداخلية الأمريكية (تدخل روسيا في الانتخابات، الهجرة، الحدود مع المكسيك، تأثر المزارعين بالنزاع التجاري مع الصين، تحقيق موللر، اتهامات كارتر لترامب بأنه رئيس غير شرعي، .. إلخ).


لقد تلقى الرجل عشرات الأسئلة المتنوعة، وبعضها معقد وصعب ودقيق، وقد أجابها بأريحية وحضور ذهن لافت، وبمعلومات حاضرة في عقله برغم هذا التنوع الشديد وتلاحق الأسئلة وسرعتها، وبرغم أن المؤتمر جاء بعد لقاءات كثيرة متتابعة مع عدد من القادة الآخرين. كل هذا أمام أسئلة حرة مفتوحة من صحفيين من دول عديدة.


ماذا يعني هذا الحضور الذهني اللافت لترامب وهو الجديد على عالم السياسة والمفتقد لمهارات ومؤهلات أساسية؟!
يعني أن الرجل "شغال" ويعمل بكد وجِد.
اتفق أو اختلف مع فكره وتوجهاته كما تشاء، لكننا أمام حالة جادة من مخرجات منظومة الحكم في الولايات المتحدة تصنع من هذا الرئيس المحدود الثقافة والعلم والخبرة السياسية، هذه الشخصية التي رأيناها في المؤتمر الصحفي.
والحق يقال: إنها سمة عامة في الغرب – وقد خالطتهم لسنوات طويلة – أنهم يتقنون أعمالهم، ويبذلون جهودا كبيرة في تجويدها وتحسينها وإتقانها مهما كانت وظائفهم ومهامهم كبيرة أو بسيطة.

ونحن كمسلمين أحق بهذا منهم، ونحن بين أيدينا الخبر الصادق  «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه» (صححه الألباني

ومع ذلك استشرى بيننا التراخي والكسل وإهمال إتقان العمل. ألا ينبغي أن نحب ما يحبه الله لنا؟!

فاعلم أيها الحبيب مهما كانت وظيفتك أو ميدانك، أنك مطالب – شرعا – بتجويده وإتقانه، وأن لا سبيل لك للتفوق فيه إلا بالجد والعمل الدؤوب.
وهذا يعني أيضا أننا ينبغي أن نعي هذا المعنى ليستقر في العقل المسلم: أن كل مسئولية في دولة أو كيان أو مؤسسة أو أسرة تستلزم من القائم عليها أن يعمل بجد ونشاط ومثابرة وأن يستعين في هذا بكل الوسائل والأدوات المتاحة حوله لينهض بهذه المسئولية.

وأمامنا حديث الرعاية الذي يضع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا منا أمام مسئوليته التي سيقدم عنها جردا وجوابا يوم العرض الأكبر (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته) من أول رأس الدولة إلى الخادم الراعي في مال مخدومه .. فتأمله.

محمد هشام راغب

كاتب وداعية إسلامي

  • 0
  • 0
  • 425
المقال السابق
(9) مصدر المعرفة
المقال التالي
(١١) انعزال العقل

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً