فوائد من كتاب تلبيس إبليس لابن الجوزي (2-4)

منذ 2020-01-20

تراهم يهيمون في كل واد من الكذب والقذف والهجاء..والإقرار بالفواحش, وأقلُّ أحوالهم أن الشاعر يمدح الإنسان فيخاف أن يهجوه فيعطيه اتقاء شره....وترى خلقاً من الشعراء وأهل الأدب لا يتحاشون عن..الذب في المدح خارجاً عن الحد.

تلبيس إبليس في العقائد والديانات

دخل إبليس على هذه الأمة في عقائدها من طريقين:

أحدهما: التقليد للآباء والأسلاف...فزيّن للمُقلِّدين أن الأدلة قد تشتبه, والصواب قد يخفى, وقد ضلَّ في هذا الطريق خلق كثير وبه هلاكُ عامة الناس.

وقد ذم الله سبحانه الواقفين مع تقليد آبائهم وأسلافهم فقال تعالى: { قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف:22]  وقال تعالى: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ}[الصافات:69-70]

واعلم أن المقلد على غير ثقةٍ مما قلَّد فيه, وفي التقليد إبطالُ منفعة العقل, لأنه إنما خُلِقَ للتأمل والتدبُّر, قبيح بمن أُعطي شمعةً يستضيءُ أن يطفئها ويمشي في الظُّلم.

واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم الشخص فيتبعون قوله من غير تدبر لما قال, وهذا عين الضلال, لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل.

أما الطريق الثاني: فإن إبليس كما تمكن من الأغبياء فورطهم في التقليد..رأى خلقاً فيهم نوع ذكاء وفطنة فاستغواهم على قدر تمكنهم منهم.

فمنهم من قبَّح عنده الجمود على التقليد وأمره بالنظر ثم استغوى كلاً من هؤلاء بفنٍ,  فمنهم: من أراه أن الوقوف مع ظواهر الشرائع عجز, فساقهم إلى مذاهب الفلاسفة, ولم يزل بهؤلاء حتى خرجوا عن الإسلام.

ومنهم من حسن له أن لا يعتقد إلا ما أدركته حواسه.

ومنهم من نفرهُ إبليس عن التقليد وحسن له الخوض في علوم الكلام, والنظر في أوضاع الفلاسفة ليخرج بزعمه عن غمار العوام.

فأعوذ بالله من نظرٍ وعلومٍ أوجبت هذه المذاهب القبيحة.

تلبيس إبليس على الخوارج

أول الخوارج وأقبحهم حالاً ذو الخويصرة.

عن أبي سعيد الخدري, قال: «بعث علي من اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذهبة...فقسمها رسول الله بين أربعة...فوجد من ذلك بعض أصحابه والأنصار وغيرهم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ألا تأتمنوني وأنا أمين من في السماء.يأتيني خبر السماء صباح مساء ) ثم أتاه رجل غائر العينين, مشرف الوجنتين, ناشز الجبهة, كثُّ اللحية, مُشمِّرُ الإزار, محلوق الرأس, فقال: اتِّقِ الله يا رسول الله, فرفع رأسه إليه, وقال: ( ويحك أليس أحق الناس أن يتقى الله أنا ) ثم أدبر, فقال: يا رسول الله ألا أضرب عُنُقهُ, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فلعله يصلي ) فقال: إنه رُبَّ مُصلًّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إني لم أؤمر أن أنقب على قلوب الناس, ولا أشقَّ بطونهم) ثم نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُقفًّ, فقال: ( إنه سيخرج من ضئضيء هذا قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم, يمرقون من الدين كما يمرقُ السهمُ من الرَّميَّة)» هذا الرجل يقال له: ذو الخُويصرة التميمي وفي لفظ: أنه قال: اعدل فقال: ( ويلك ومن يعدل ) فهذا أول خارجي خرج في الإسلام, وآفته أنه رضي برأي نفسه, ولو يوفق لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأتباع هذا الرجل الذين قاتلوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ولا أعجب من اقتناع هؤلاء بعلمهم واعتقادهم أنهم أعلم من علي عليه السلام, فقد قال ذو الخويصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اعدل فما عدلت.

تلبيس إبليس على الرافضة

وكما لبَّس إبليسُ على هؤلاء الخوارج حتى قاتلوا علي بن أبي طالب رضي الله عنه, حمل آخرين على الغلو في حُبِّهِ فزادوه على الحد, وقد روينا أن الشيعة طالبت زيد بن علي بالتبري ممن خالف علياً في إمامته فامتنع من ذلك, فرفضوه فسموا الرَّافضة.

قال ابن عقيل: الظاهر أن من وضع مذهب الرافضة قصد الطعن في أصل الدين والنبوة, وذلك أن الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر غائب عنّا, وإنما نثقُ في ذلك بقول السلف...فإذا قال قائل: إنهم أول ما بدأوا بعد موته بظلم أهل بيته في الخلافة, وابنته في إرثها,...فإذا قالت الرافضة: إن القوم استحلوا هذا بعده, خابت آمالنا في الشرع, لأنه ليس بينا وبينه إلا النقل عنهم والثقة بهم.

وغلو الرافضة في حُبِّ علي عليه السلام, حملهم أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله أكثرها تشينُهُ وتؤذيه, وقد ذكرت منها جملة في كتاب الموضوعات.

ومقابح الرافضة أكثرُ من أن تحصى, وقد حرموا الصلاة لكونهم لا يغسلون أرجلهم في الوضوء, والجماعة لطلبهم إماماً معصوماً, وابتُلُوا بسبِّ الصحابة.وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أُحد ذهباً, ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» )

تلبيس إبليس على الباطنية

الباطنية: قوم تستروا بالإسلام ومالوا إلى الرفض, وعقائدهم وأعمالهم تُباين الإسلام, فمحصول قولهم تعطيل الصانع وإبطال النبوة والعبادات وإنكار البعث, ولكنهم لا يظهرون هذا في أول أمرهم, بل يزعمون أن الله حق, ومحمد رسول الله, والدين صحيح, ولكنهم يقولون: لذلك سِر غير ظاهر, وقد تلاعب بهم إبليس فبالغ وحسَّن لهم مذاهب مختلفة, ولهم أسماء: الباطنية, الإسماعيلية, القرامطة

تلبيس إبليس على أهل العلم

تلبيس إبليس على القراء:

فمن ذلك أن أحدهم يشتغل بالقراءات الشاذة وتحصيلها, فيبقى أكثر عمره في جمعها, وتصنيفها والإقراء بها, ويشغله ذلك عن معرفة الفرائض والواجبات...ولو تفكروا لعلموا أن المراد حفظ القرآن, وتقويم ألفاظه, ثم فهمه ثم العمل به, ثم الإقبال على ما يصلح النفس ويطهر أخلاقها, ثم التشاغل بالمهم من علوم الشرع.

تلبيس إبليس على أهل اللغة والأدب:

قد لبس على جمهورهم فشغلهم بعلوم النحو واللغة عن المهمات اللازمة التي هي فرض عين, من معرفة ما يلزمهم عرفانه من العبادات, ومما هو أولى بهم من آداب النفوس وصلاح القلوب, ومما هو أفضل من علوم التفسير والحديث والفقه, فأذهبوا الزمان كله في علوم لا تُرادُ لنفسها بل لغيرها

تلبيس إبليس على الشعراء:

تراهم يهيمون في كل واد من الكذب والقذف والهجاء..والإقرار بالفواحش, وأقلُّ أحوالهم أن الشاعر يمدح الإنسان فيخاف أن يهجوه فيعطيه اتقاء شره....وترى خلقاً من الشعراء وأهل الأدب لا يتحاشون عن..الذب في المدح خارجاً عن الحد.

  • 2
  • 0
  • 240

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً