إرهاق بلا فائدة تذكر!

منذ 2020-02-14

المنتج النهائي- في الغالب- لا يصلح لغير وظيفة، وإذا أريد له أن يؤدي عملًا نافعًا فلا بد من إعادة تأهيله من جديد. لماذا كل هذا؟

العملية التعليمية الآن بمصر  شديدة الإرهاق. وقتٌ. وجهدٌ. ومالٌ. ثم ماذا؟!

المنتج النهائي- في الغالب- لا يصلح لغير وظيفة، وإذا أريد له أن يؤدي عملًا نافعًا فلا بد من إعادة تأهيله من جديد. لماذا كل هذا؟

صراخ بداخلي لا يكاد ينقطع: لماذا كل هذا؟

النموذج الإسلامي أحدثَ تعليمًا مثمرًا بأقل تكلفة من الوقت، والجهد، والمال، وذلك بأن جعل  التفاضل على التقوى، لا على الحرفة، وأن أمر بإتقان العمل {إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه}.

وبعد ترسخ قيمة "التفاضل بالتقوى"، و قيمة " إتقان العمل" انصرف كلٌ إلى ما يحب أو إلى ما يحسن، فأفرز المجتمع آلية شديدة الفاعلية، وسريعة، وقليلة التكلفة، وهي الإجازات العلمية. أنتجها من داخله ولم يستوردها. لم يلتفت المجتمع حواليه يبحث عن منتج جرب من قبل ليقتنيه ويستعمله، بل أنتج بشكلٍ طبعي أدواته من قيمه الخاصة.

يصاحب الطالب عالمًا لمدة من الزمن، يطلب منه ما يحسن هذا العالم، ويظل مصاحبًا له حتى يجيزه. فتكون النتيجية: خدمة الطالب للشيخ وإعانته على أموره البحثية أو المعيشية ربما، فثلاثة لا يستحى من خدمتهم منهم العالم؛ وتكون النتيجة التعلم من سلوكه قبل معارفه (التربية)، بمعنى يتم استنساخ نموذج العالم كله: منهجيته في التعلم والتعليم وسلوكه في الحياة، وليس فقط نقل المعرفة؛ وتكون النتيجية إيجاد بيئة الإبداع، وذلك أنه حين يتجمع المحبون لفن مع بعضهم وتحت أرجل أعلمهم تتكون بيئة تعليمية في غاية الخصوصية والهدوء والدفئ، لا تعرف بم تصفها: تربية؟، أم تعليم؟، أم ورش عمل يتم فيها تبادل الخبرات وتطوير المعارف؟....

وبعد أن ينفصل المجاز (الطالب) عن المجيز (العالم)، تتدخل خصوصية المتعلم،  تتدخل بعد انفصاله عن شيخه وأستاذه ومعالجته- بشكل منفصل- لما قد تعلم، فيكون تقليد نموذج متمكن ويكون التطوير والإبداع.

الخلل في فقدان التخصصية.. في فقدان الذين يجيزون الناس ويصنعون بيئة متخصصة.. بيئة إبداع. وشيء شديد المرارة: كلما أجيز أحدهم في فن ذهب لغيره يبحث فيه عن إجازة.. يتقافز بين الفنون بدعوى تكوين شخصية متكاملة، والناس متخصصون بطبعهم، وما يقال له شخصية متكاملة معرفيًا اليوم هو ما قال عنه سلفنا الصالح: شخصية ذواقه، أقصى ما يرجى منها هو الوعظ ومساعدة غيرها في دورٍ ثانوي، أو التجمل في أعين من ينظر إليها، أما أن تؤثر في غيرها.. أن تصنع بيئة تعليم وإبداع فلا. وكلهم اليوم مساعدون وينتظرون أهل التخصص والإتقان.

إن ما يحدث اليوم تحت مسمى التعليم إرهاق بلا فائدة تذكر، وإن الحل في عودة نموذجنا الحضاري في التعليم: الإجازات. وقبله المختصون، أولئك الذين استيقنوا من محدودية الدور في الحياة وانشغلوا بما يحسنون يتقنونه وينقلونه للذين جاءوا من بعدهم.

محمد جلال القصاص

  • 10
  • 1
  • 497

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً