ولماذا فشل النفيسي ورفاقه؟!

منذ 2020-02-28

ستجد ثلاثة مظاهر رئيسية عند الجميع: خلاف ونزاع داخل كل قسم، وخلاف بين الأقسام وبعضها (السلفيين والإخوان) (السياسيين والمقاتلين)....، وحركة انقسام وانشطار لا تكاد تهدأ.

بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

قدم الدكتور عبد الله النفيسي شهادة على الأحداث التي حضرها في دولة الكويت، وخلال شهادته قدم نقدًا للجماعات الإسلامية؛ يقول: الجماعات لا تصلح، وذلك لسيطرة نخبة المال عليها، وسيطرة الحالة المصرية مع محدودية الخبرات التاريخية والواقعية واختلاف غيرها عنها في كثير من الأمور؛ وسيطرة كبار السن ممن ثقل سمعهم وضعفت أبدانهم، ومن غيبوا عن الحياة بين جدران الظلم والإهانة لعقودٍ من الزمن، ومن لا دراية لهم بالسياسية من الشرعيين وأصحاب التخصصات في العلوم الطبيعية على القيادة، وقد أدى ذلك- حسب كلام الدكتور- إلى غياب الوعي بالأحداث وما تتطلبه من تفاعلات مناسبة، فكان الصدام الدامي وكان التعثر مرة بعد مرة؛ ويَستثني الحالة التونسية يقول: منفتحون كلهم وأصحاب رأي وحوار لقربهم من أوروبا. وكأن تونس لم تشهد أشد نماذج الاستخفاف والاستبداد السياسي في عهد بورقيبة ومن بعده، وكأن صفوف الدواعش لا يتصدرها غير قليل من التونسيين؟؟!!، وكأنه لا يعلم شيئًا عن حال الجزائر في ثورتها ضد الفرنسيين وعشريتها السوداء وهم (الجزائريون) لا يكفون عن الصدام الخشن مع أنهم أكثر انفتاحًا على أوروبا قديمًا وحديثًا. المتغير الرئيسي في التجربة التونسية هو عدم وجود الجيش كفاعل رئيسي والسبب إضعاف بورقيبه له خوفًا منه وكون "بن علي" من الداخلية، وأيضًا إفادتهم من التجربة المصرية. اتعظوا بغيرهم، وكذا فعل إخوان اليمن فقد اختفوا من الصراع تمامًا. الكل اتعظ بحال إخوان مصر. والمزاج المصري مرح وأكثر اعتدالًا وأبعد ما يكون عن الصدام المسلح، ولم يكن يدور بخلدهم أن يسابقوا على الحكم لولا تقليدهم للتوانسة، ثم حين أصابهم ما أصابهم اتعظ بهم غيرهم، ولكن تحامل الدكتور البين على أهل مصر والذي يظهر في مضمون كلامه طول الحوار جعله يحيد عن الفهم الصحيح للظاهرة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم (حبك الشيء يعمي ويصم).

وحين تضع ملاحظات رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت سابقًا والمفكر الإسلامي الدكتور النفيسي بين يديك وتحاول أن تستوضح سياقها ومكانها تجد أنها في المستوى التكتيكي. مستوى إدارة الحركة. أو مستوى التشغيل. ولم ترق للمستوى الاستراتيجي أو مستوى السياسات. وإذا أضفنا إلى ذلك أن الدكتور النفيسي خاض تجربة تصحيح فعلية رفقة نخبة ليس فيها ما ينتقده، فقد كانوا متخصصين في العلوم السياسية ومن ذوي التجربة والممارسة، ومنفتحين فكريًا، وفوق ذلك كله مكنهم الله من إمكانات مادية عالية، مثل: أدوات دولة ذات قدرات كامنة وفاعلة، وهي دولة السودان، ومكنهم الله من مساحة من التسامح السلطوي في جل دول الخليج فترة السبعينات وما قبلها وما بعدها. كانوا مؤهلين فعليًا لتكوين تيار إصلاحي تجديدي فلم لم يحدث؟! لم لم يتم طرح سؤال الفشل (أنى هذا؟!!) على تجربتهم كما طرحوه هم على الذين من قبلهم والذين من بعدهم (أرباب ثورات الربيع العربي)؟؟!!

أحاول في هذا المقال البحث عن مقولات نظرية تفسر سبب الفشل الذي يصيب أجيال حركة التصحيح والنهوض في الأمة: جيل حسن البنا، وجيل سيد قطب، وجيل السبعينات، والحركات المسلحة التي قضت عليها النظم المحلية وأرغمتها على المراجعة والتراجع، بل وبعثرتها في ساحة الفكر وعلى ظهر الجغرافيا. أين المخرج من هذا التيه؟!

في تقديري أن التشخيص الصحيح لتراجع الحركة الإسلامية يرجع إلى الرصد على مستوى أدوات الفعل (التنفيذ) ، فبالنظر إلى طبيعة الأدوات التي استخدمت من أجل الوصول إلى استئناف الحياة الإسلامية من جديد نجد أن الحالة الصحوية وقعت في خطئين رئيسيين (والمقام مقام رصد للمهم وليس استقصاء):

أولهما: أداة الجماعة/ النسق المغلق.
استخدامُ أداة الجماعة/ النسق المغلق، سواءً أكانت جماعات منظمة كما في الإخوان والحركات المسلحة، أم كانت شبه منظمة كما في الحالة السلفية (الشيخ ومريديه)، سببٌ رئيسيٌ في الإخفاق؛ وذلك أن النسق المغلق ينشغل بإعداد نفسه وتقوية نفسه، وعمليًا لا يتمدد بل ينقسم ثم ينشغل بالخارجين عنه أو المجاورين له في ذات المجال يحاول أن يقضي عليهم كخطوة أولى للسيطرة والتمكين. بمعنى أن النسق المغلق يولد نسقًا مغلقًا آخر مشابهًا له، ويتصارع معه، ولم يَسْلم من سلبيات النسق المغلق أحد، ولك أن تراقب جميع أقسام الصحوة: الدعويين (السلفيين) والسياسيين (الإخوان) والمسلحين (القاعدة وتطوراتها) ستجد ثلاثة مظاهر رئيسية عند الجميع: خلاف ونزاع داخل كل قسم، وخلاف بين الأقسام وبعضها (السلفيين والإخوان) (السياسيين والمقاتلين)....، وحركة انقسام وانشطار لا تكاد تهدأ.
وتحرص النظم المستبدة على تكوين الأنساق المغلقة، بمعنى أن أداة النسق المغلق هي إحدى أدوات سيطرة المستبدين على السلطة لا أنها أداة لمقاومة السلطة كما يبدو، وفي القرآن الكريم (إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعا)، وهذا حال الأنساق المغلقة متشايعون فيما بينهم ومتنافسون مع الذين من حولهم، فالمقاومة التي تظهر منهم محدودة ولا ترقى لمستوى التغيير. يتحركون حركة بندولية (تتأرجح يمينًا وشمالًا في ذات المكان)، ولذا لا يتقدمون. والذين يرون إيجابية للأنساق المغلقة/ الجماعات يقتصر نظرهم على داخل النسق.. على ما يوفره النسق للمنتسبين له من أمان اجتماعي ومادي وحفاظ على القيم، ولا يرصدون الحركة العامة للأنساق وضررها البالغ على الأمة والمجتمع، وأنها كالكائنات أحادية الخلية كلمة كبرت انشطرت. فما دامت الأنساق المغلقة هي الوسيلة فلن نبرح مكاننا، وسنظل في صراع مع المجتمع قبل السلطة. ولا نغتر بحركة الجماهير فالجماهير التي نشاهدها الآن منتج علماني، ليس من أهدافه استئناف الحياة الإسلامية من جديد. الجماهير تؤيد من تظن أنه سبب في تحسين معاشهم، ولذا يتحركون سريعًا بين الأضداد. القيمة الثابتة عندهم هي معاشهم. والحالة الإسلامية لا تمتلك جذورًا شعبوية، ولا تتمدد في المجتمعات من خلال شبكة من النخبة المجتمعية وأبنية المجتمع. بمعنى أن الحركة الإسلامية بعيده عن هياكل إدارة المجتمع والتحكم فيها، سواءً هياكل مؤسسية أو شعبية/ عرفية، فقط تلقى تأييدًا مؤقتًا من العوام ولدوافع خاصة بالعوام (عالجتُ أمر الجماهير بشيء من التفصيل في رسالة الماجستير وهي مطبوعة بعنوان أثر المشاركة السياسية على الفكر السلفي في مصر. مفكرون للنشر الدولي).

ثانيهما: رأس المال النخبوي:
يفترض أن تكون الصحوة كلها نخبة، وذلك كونها تسعى لرفض الواقع الموجود وتصحيحه أو تغييره، وحين تدقق النظر في حال الفرد الصحوي تجد طبعي التكويني.. من جنس المجتمع، فقط يزيد عن الفرد العادي بنوع من ثقافة الرفض للسلطة والمجتمع؛ ويؤدي هذا التكوين العشوائي لحالة من الازداجية في الشخصية، فمن ناحية يخدم المجتمع/السلطة الذي يرفضه من خلال وظيفته ويلعنها من خلال ثقافة الرفض التي غرست فيه، ولا يمارس دورًا حقيقيًا في تغيير المجتمع لعجزه (من حيث التكوين أو الأدوات) لممارسة عملية التغيير. لا يحسن فنًا يُغير من خلاله. بل إعداده من جنس إعداد غيره من أبناء المجتمع، ولذا تجد عامة الصحوة يتحركون حيث الرائج، والسبب الرئيس يكمن في أنهم طول يومهم عاديون، مثل غيرهم، ويأتون ليلًا للرائج من قضايا الرفض والشجب التي تثيرها نخبة نفعية في الغالب، ولا أحد يهتم بإعداد نفسه. كل قد جعل بداية الإصلاح في تغيير السلطة. والمخرج في تبني مبدأ: حيث يحسن وحيث يحب ضمن إطار مجتمعي لا إطار جماعة، وقد شرحت ذلك في مقال مستقل بعنوان (حيث يحسن وحيث يحب).

وأخطر الأضرار التي ترتبت على ضعف النخبة وعدم وجود تخصصية عليا في أكثر من مجال تمثل في شيئين رئيسيين: الأول: ضعف القاعدة المعرفية اللازمة لانطلاق عملية التغيير، فكل معظم عند نفسه، وكثيرون يحملون ألقابًا علمية أو جماهيرية أو سلطوية ولكن المحصلة أن الصحوة لا تمتلك بيوتًا لإنتاج المعرفة كما المؤسسات الرسمية، والذين امتلكوا الرؤية والمال والوقت كالنفيسي والترابي لم يؤسسوا نخبة معرفية. اكتفوا بالعمل الجماهيري الشعبوي الذي فشل وتكرر فشله وظهر عدم جدواه عدة مرات. أصحاب الوعي اليوم أفراد، والوعي الكلي، وخاصة إن كان رفضًا ونقدًا، شيء وبناء رؤية تأسيسية جديدة فيها نقد للموجود وبيان عواره وتأسيس لبديل شيء آخر. وإن أي عمل جاد لابد له من مؤسسة تجمع تخصصات متعددة ضمن سياقٍ واحد. لم يعد يصلح الحديث عن مجهود فردي لكثرة العلوم وتنوعها، وقد كان بإمكان هؤلاء ومعهم دولة وفسحة من وقت وآمان من سلطة ووفرة من مال أن يؤسسوا لمرحلة جديدة، ولكنهم اكتفوا بالإعلام والمجال العام وقد مروا مر السحاب، والحمد لله على كل حال. والثاني: قلة التنفيذيين/ المحترفيين الذين يباشرون تطبيق المبادئ في أرض الواقع في شتى المجالات، وإن شاء الله أعالج هذه النقطة من خلال تحليل نموذج انحراف في واقعنا المعاصر في مقال لاحق (عودة الضباط الفرنسيين لحكم الجزائر بعد ثورتها).

ولمزيد من التشخيص دعني أسأل: لماذا تفشى مرض "النسق المغلق" في أجيال الصحوة؟، ولماذا لم تنتج قاعدة معرفية أو مشروع نهضوي جاد أو رؤية وبرامج إصلاحية عملية؟، أين نقطة  الانطلاق في سلسلة الفشل المتكررة هذه؟!

الإجابة في كلمة واحدة السبب في العجلة وفقدان التأني.. والتفاصيل في مقالٍ قادم إن شاء الله.

محمد جلال القصاص
 رجب 1441

  • 14
  • 3
  • 1,130

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً