نعمة العظام والمفاصل

منذ 2020-04-11

ركّب اللهُ سبحانه وتعالي عظام الإنسان , علي حال من الإعجاز , أودع الله في ابن جسد ابن آدم عظاما ومفاصل , يقوم عليها , ويمشي بها , ويقبض بها , ويكتب بها , وبفضلها ينام ويقعد ...

أيها الإخوة الكرام : اليوم موعدنا بعون الله تعالي لنتحدث عن نعمة جليلة من النعم التي ألفناها وغفلنا عن شكرها ..

( إنها نعمة المفاصل والعظام )

ورد ذكر العظام في القرآن الكريم في مواضع كثيرة , وورد أيضا ذكر العظام والمفاصل في السنة المطهرة في مناسبات عديدة , وما أري ذلك إلا إشارة إلي عظمها , وتنبيها إلي رفعة قدرها , ودعوة إلي شكرها ..

قلت : ومن هذه المواضع قول الله تعالي :
" لَ {ا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ } " [القيامة]

ومنها قوله سبحانه :
" { أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} " [يس]

ومنها قوله عزمن قائل :
" { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } " [المؤمنون]

هذه الآيات ماذا تقول ؟
هذه الآيات تقول : إن نعم الله تعالي كثيرة , إن نعم الله تعالي كلها جليلة , إن نعم الله تعالي كلها عظيمة , وابن آدم لا يستغني عن صغيرها ولا عن كبيرها ...

قلت : وإن من أجل النّعم نعمة المفاصل والعظام , وأنعم بها من نعمة .. من العظام ما هو كبير مثل عظمة الفخذ , ومن العظام ما هو صغير دقيق مثل عجب الذنب , ومنها ما هو طويل كالعمود الفقري , ومنها ما هو قصير كعقلة الإصبع .

أنت تقوم وتقعد ببركة هذه النعمة أنت تقوم وتركع وتسجد ببركة هذه النعمة , أنت تمشي ببركة العظام , أنت تقفز, أنت ترتقي , أنت تمسك بالشيء لا يقع منك , أنت تقبض علي الشيء لا ينفلت منك , أنت تكتب, أنت تلتفت, أنت تلتقط , أنت تحمل علي ظهرك وبين يديك .. كل ذلك ببركة نعمة

العظام والمفاصل ..
نعمة نعيش بها ونتحرك بها ونتكسب بها ...
من يوم أن كنا في بطون أمهاتنا وإلي أن تنتهي الآجال

قال ربنا سبحانه " { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } " [المؤمنون ] .

نعمة المفاصل والعظام :
نعمة مألوفة , نعمة مغفول عنها , نعمة منسية , قليل من يذكرها , وأقل القليل من يشكرها ..

" { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} "

لا نشعر بهذه النعمة إلا عندما نفقدها , لا نشعر أن لنا عظاما إلا إذا انكسرت هذه العظام , لا نعرف قدر المفاصل إلا إذا كانت خشونة , وكان ألم , عندها فقط نذكر هذه النعمة , عندها فقط نشكر نعمة المفاصل والعظام ....

ماذا قالت سنة النبي عليه الصلاة والسلام عن نعمة المفاصل والعظام ؟؟

سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم تحدثت عن عشرات العظام والمفاصل في جسد ابن آدم , بل تحدثت السنة عن مئات العظام والمفاصل في أجسامنا ..

ورد من حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا:
أنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « «خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةِ مَفْصِلٍ» " وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « «سُلَامَى ابْنِ آدَمَ ثَلَاثُمِئَةٍ وَسِتُّونَ عَظْمًا عَلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ لِكُلِّ عَظْمٍ صَدَقَةٌ » "

وفي رواية أخري عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " « لِلْإِنْسَانِ ثَلَاثُمِائَةٌ وَسِتُّونَ عَظْمًا وَسِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ سُلَامَى فِي كُلِّ عَظْمٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ» "

هذه الأحاديث ماذا قالت ؟
هذه الأحاديث جمعت عدد العظام وعدد المفاصل في أجسامنا , وبيت أنها من النعم العظيمة التي تستوجب الشكر , وأن كل عظمة نعمة مستقلة تستوجب الشكر , وأن كل مفصل نعمة مستقلة تستوجب الشكر ..

ثلاثمائة وستون ما بين مفصل وعظم كلها تستوجب الشكر قال النبي عليه الصلاة والسلام «سُلَامَى ابْنِ آدَمَ ثَلَاثُمِئَةٍ وَسِتُّونَ عَظْمًا عَلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ لِكُلِّ عَظْمٍ صَدَقَةٌ "

قلت : أما ( السُّلَامَى ) فهو اسْمٌ لِبَعْضِ الْعِظَامِ الصِّغَارِ الَّتِي فِي الْإِبِلِ، ثُمَّ عُبَّرَ بِهَا عَنِ الْعِظَامِ فِي الْجُمْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ...

وقيل ( السُّلَامَى ) هو عَظْمٌ فِي طَرْفِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ جَمِيعِ عِظَامِ الْجَسَدِ.

وَقَدْ ذَكَرَ عُلَمَاءُ الطِّبِّ أَنَّ جَمِيعَ عِظَامِ الْبَدَنِ مِائَتَانِ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ عَظْمًا سِوَى السِّمْسِمَانِيَّاتِ.

وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ عَظْمًا، يَظْهَرُ مِنْهَا لِلْحِسِّ مِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّونَ عَظْمًا، وَالْبَاقِيَةُ صِغَارٌ لَا تَظْهَرُ تُسَمَّى ( السِّمْسِمَانِيَّةَ ).

قلت : وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُصَدِّقُ هَذَا الْقَوْلَ، وَلَعَلَّ السُّلَامَى عُبِّرَ بِهَا عَنْ هَذِهِ الْعِظَامِ الصِّغَارِ، كَمَا أَنَّهَا فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِأَصْغَرِ مَا فِي الْبَعِيرِ مِنَ الْعِظَامِ.

وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: «أَنَّ تَرْكِيبَ هَذِهِ الْعِظَامِ وَسَلَامَتَهَا مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ، فَيَحْتَاجُ كُلُّ عَظْمٍ مِنْهَا إِلَى صَدَقَةٍ يَتَصَدَّقُ ابْنُ آدَمَ عَنْهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ شُكْرًا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ»

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: { {يأيها الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ , الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ , فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} } [الانفطار]

أيها الإخوة الكرام :
من العظام ما هو كبير الحجم ومنها ما هو دقيق لا يكاد يري , ومنها الطويل ومنها القصير , ومنها ما يبلي بعد الموت ومنها ما لا يبلي ..

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « «إِنَّ فِي الْإِنْسَانِ عَظْمًا لَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ أَبَدًا، فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قَالُوا: أَيُّ عَظْمٍ هُوَ؟ قَالَ: «عَجَبُ الذَّنَبِ» »

قلت : ( عَجْبُ الذنب ) هو عظم صغير في آخر السلسلة الفقرية -العمود الفقري- يَفْنَى الجسد، أو يُفَتَّت، أو يُطْحَنَ ويفني ، وهذا العظم الصغير لا يَفْنَى.

توجد بذور الآن تُحْرَق حرقاً، بل تُهْضَم وتؤكل وتتحوَّل، وإذا خرجت إلى الأرض تجدها تنبت، مثل بذور الطماطم، إذا أكل الإنسان الطماطم، وبعد أن يأكلها ويهضمها وتقطعها معدته، ثم إذا تغوط في الخلاء، وجاء المطر ترى نبت الطماطم يخرج، من أين؟! من النبتة التي ما هضمتها المعدة.

كذلك هذه الحبة ( عَجْبُ الذنب ) الموجودة في آخر العمود الفقري؛ يَفْنَى كل شيء في الإنسان إلا هي، إلى أن ينزل عليها ذلك الماء من السماء. وفي الحديث (ما بين النفختين أربعون، ثم ينزل من السماء ماءٌ فينبتون كما ينبت البقل، وليس في الإنسان شيءٌ إلا يَبْلَى، إلا عظم واحد وهو عَجْبُ الذنب، منه يُرَكَّب الإنسان يوم القيامة"

ركّب اللهُ سبحانه وتعالي عظام الإنسان , علي حال من الإعجاز , أودع الله في ابن جسد ابن آدم عظاما ومفاصل , يقوم عليها , ويمشي بها , ويقبض بها , ويكتب بها , وبفضلها ينام ويقعد ...

لذلك لَزِمَنا أن نعرف لله هذه النعمة , فنشكره عليها كل يوم
قال النبي عليه الصلاة والسلام
« «خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةِ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَهَلَّلَ اللَّهَ، وَسَبَّحَ اللَّهَ تَعَالَى، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ عَزَلَ شَوْكَةً عَنِ الطَّرِيقِ، أَوْ عَزَلَ عَظْمًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ وَنَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثِ مِائَةِ سُلَامَى، فَإِنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ» »

وفي حديث أبي ذر قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " «يُصْبِحُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنَ ابْنِ آدَمَ صَدَقَةٌ " ثُمَّ قَالَ: "إِمَاطَتُكَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَتَسْلِيمُكَ عَلَى النَّاسِ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَمُبَاضَعَتُكَ أَهْلَكَ صَدَقَةٌ " قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَقْضِي الرَّجُلُ شَهْوَتَهُ، وَتَكُونُ لَهُ صَدَقَةٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، أَرَأَيْتَ لَوْ جَعَلَ تِلْكَ الشَّهْوَةَ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ، أَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ " قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: "فَإِنَّهُ إِذَا جَعَلَهَا فِيمَا أَحَلَّ اللهُ فَهِيَ صَدَقَةٌ " قَالَ: وَذَكَرَ أَشْيَاءَ صَدَقَةً صَدَقَةً، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: "وَيُجْزِئُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ رَكْعَتَا الضُّحَى» "

نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا , وأن يصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا , وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا , وأن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير , وأن يجعل الموت راحة لنا من كل شر .

محمد سيد حسين عبد الواحد

إمام وخطيب ومدرس أول.

  • 14
  • 0
  • 1,239
  • Fatma Abady

      منذ
    جزاكم الله خيرا من اروع ما قرات

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً