شهر الله المحرم

منذ 2020-08-26

سُنَّ صوم شهر الله المحرم لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المُحَرَّمُ»

الحمد لله الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، وصلى الله وسلم على خير خلقه محمدًا المبعوث رحمة للعالمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وعلى آله وصبحه أجمعين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}  [البقرة: 189].

 

هذا سؤال للنبي صلى الله عليه وسلم عن الأهلة وتغير أحوالها، فكان الجواب عن الحكمة من ذلك: أنها مواقيت للناس يعرفون بها أوقات عباداتهم وأوقاتهم في المعاملات، وبيَّن سبحانه أن عددها اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم كما في قولهتعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}  [التوبة: 36].

 

يا عباد الله:

إنَّ شهر الله المحرم من الأشهر الحُرم وهو أول شهور السنة الهجرية، وإن الذي ابتدأ التأريخ على الصحيح هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة سبع - أو ثمان - عشرة من الهجرة حينما احتاجوا إلى التأريخ، فاستشار الصحابة، فقال بعضهم: من مبعثه، وقال آخرون: من مهاجره، فقال عمر رضي الله عنه: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرًّخوا بها.

 

ثم اختلفوا من أي شهر يكون ابتداء السنة، فقال بعضهم: من رمضان؛ لأنه الذي فيه أنزل القرآن، وقال آخرون: بل من ربيع الأول وقت مهاجره، واختار عمر وعثمان رضي الله عنهما أن يكون من المحرم؛ لأنه شهرٌ حرام يلي شهرَ ذي الحجة الذي يؤدي المسلمون فيه حجهم الذي به تمام أركان دينهم، فكان ابتداء السنة الهجرية من شهر الله المحرم.

 

أيها المسلمون:

سُنَّ صوم شهر الله المحرم لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المُحَرَّمُ»  (رواه مسلم)، فيستحب الإكثار من الصيام في شهر محرم، وإضافة الشهر إلى لفظ الجلالة (الله) يقتضي تشريف هذا الشهر، وآكدهُ عاشوراء وهو اليوم العاشر من شهر محرم وهو كفارةُ سنة وذلك لحديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « صيام عاشوراء أحتَسبُ على الله أن يكفر السنةَ التي قبله » رواه مسلم.

 

والحكمة من صيام هذا اليوم أنه يوم نجَّى الله فيه موسى عليه السلام وقومه من فرعون وقومه، فكان صومه شكرًا لله عز وجل على تلك النعمة، وقد كان صيامه واجبًا في أول الأمر ثم نسخ بفرضية صيام شهر رمضان، كما جاء في "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما نزل رمضان كان رمضان الفريضة وترك عاشوراء، فكان من شاء صامه، ومن شاء لم يصمه».

 

وكانت اليهود تعظمه، ولما هاجر صلى الله عليه وسلم وجد أن اليهود تصومه، فصامه أيضًا، لكن كان يقتصر على صيامه فقط، ثم في آخر حياته قال: «لئن بقيت إلى قابل لأصُومنَّ التاسع»، فلم يبقَ إلى قابل وتوفّي عليه الصلاة والسلام.

 

وصيام عاشوراء على ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى: صيام اليوم التاسع مع العاشر وهي الأكمل.

المرتبة الثانية: صيام العاشر مع الحادي عشر.

المرتبة الثالثة: أن يقتصر على صيام العاشر مفردًا.

 

والصحيح أن الاقتصار على صيام يوم عاشوراء جائز من غير كراهة.

 

أقولُ قولي هذا، واستغفر اللهَ العظيمَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلِ نذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفورُ الرحيمُ.

 

الخطبة الثانية:

الحمد للهرب العالمين، وبه نستعين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

 

أيها المؤمنون:

عندما علم النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى عليه السلام صامه شكرًا لله قال: «نحن أحق وأولى بموسى منكم» رواه البخاري ومسلم فقيل له: إن اليهود كانت تصومه فقال صلى الله عليه وسلم: «خالفوهم؛ صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده» رواه أحمد.

 

وقد ضل في هذا اليوم طائفتان إحداهما: اتخذته مأتمًا للحزن والبكاء والعويل، والأخرى رأت أن يوسع فيه على الأهل وإظهار الفرح ردًّا على الطائفة الأخرى، وقد خالفوا الطريق المستقيم والهدي القويم سنة محمد الأمين عليه الصلاة وأتم التسليم.

 

عباد الله:

صلوا وسلموا على نبينا محمدٍ فإنه يقول أعز من قائلٍ علميًّا: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ وسلم على عبدِك ورسولِك محمدٍ ما تعاقب الليل والنهار.

 

اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عما سواك، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واللهم جنبنا الفتنَ ما ظَهَرَ منها وما بطنَ، ربنا اغفرْ لنا ولوالدينا وجميعِ المسلمينَ، {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201].

 

عباد الله:

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: ٩٠].

فاذكرُوا اللهَ العظيمَ يذكرْكم، واشكرُوه على نعمِهِ يزدْكم، {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45].
_________________________________
الكاتب: أحمد بن علوان السهيمي

 

  • 1
  • 1
  • 703

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً